“عن الرجال والبنادق”.. نظرة إلى الكفاح المسلح

ع ع ع

يدخل الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني في صلب مجموعته القصصية “عن الرجال والبنادق” من عنوانها، فليس المطلوب من تسع قصص صدرت ضمن كتاب حين كانت القضية الفلسطينية على صفيح ساخن، أن تراعي التشويق والجذب ومحاولة خطف انتباه القارئ، فالكاتب على عجلة من أمره أمام وطن آخذ بالضياع.

وتكاد تكون هذه القصص رسائل مباشرة، رسائل لمستلمين كثر، وموضوعها ومضمونها الثورة والحث على الفعل والتحريض على شيء ما، لا لأن اللغة معجونة بالتعبئة والشحن العاطفي فحسب، بل لأن غسان اعتمد أسلوب التلميح، وتوجيه الدعوة إلى الثورة عبر شخصياته الأدبية، أي بالوكالة.

وتبدأ المجموعة القصصية ببناء روائي متماسك في قسمها الأول، عبر قصص تشكّل في كل منها لوحة ذات حدث وموقف وعبرة، وهي قائمة بنفسها دون الاستناد إلى القصة التالية، لكن التتابع بالأحداث بين هذه القصص المتصلة المنفصلة، واشتراكها بنفس الأبطال، منحها جسم الرواية، فدارت قصص القسم الأول من المجموعة حول منصور ووالده وأخيه وخاله “أبو الحسن”.

وعادت المجموعة في القسم الثاني منها لتخلق قصصًا مستقلة تقوم على البطولة الجماعية أحيانًا، ففي الأدب كما في الدراما والحياة أيضًا، لا بد من أدوار بطولة.

ويروي غسان عبر وشاح من الأدب قصصًا تشبهه وتبادله الانتماء، فالكاتب الذي ولد في عكا عام 1936، جعل من الشوارع التي مشى فيها وخبرها وحفظها مسرحًا لأحداث كثيرة من هذه القصص، كما دأب على وصفها وشرح طريقة التنقل بين منطقة وأخرى عبرها، كمن يهدي تائهًا أو عابر سبيل.

وفي شخصية منصور، الشاب اليافع، يقدّم غسان مزيجًا منه ومن بطله معًا، بإلباس الشخصية عقلًا وفكرًا يتطلبان مزيدًا من العمر والتجربة والخبرة قبل بلوغهما.

غسان، الذي فتح عينيه على اللجوء في عامه الـ12، ظل وفيًا لتلك التجربة ومخلصًا لذاكرته وقضيته، ففي قصة “الصغير يذهب إلى المخيم”، يعكس الكاتب صورة قاسية ومؤلمة ومؤثرة وقريبة من الوجدان، عن الوضع المعيشي الصعب لمن يعيشون في المخيمات خلال فترة أسماها “زمن الاشتباك”.

وفي “عن الرجال والبنادق” سرد لتفاصيل مهمة تولد مع الثورات والحروب وتستمر معها، فيحكي غسان بأسلوب الكوميديا السوداء والمفارقات القاسية عن وضع المخيمات واحتياجات من يقيمون فيها.

كما صوّر كثيرًا من عناصر شخصية “الفدائي” وملامحه النفسية، جاعلًا من قصصه هذه دليلًا أخلاقيًا للراغبين بحمل السلاح دفاعًا عن بلادهم التي تنكمش مساحاتها باستمرار على يد المحتل وبمباركة الحاكم المستبد.

وأدرك الإسرائيليون تأثير اللغة وحدّة الكلمة التي يستعملها غسان، بالإضافة إلى كثافة وغزارة هذا الإنتاج الأدبي المؤثر، فاغتاله جهاز “الموساد” الإسرائيلي في شارع الحازمية ببيروت، عام 1972.

وغادر غسان الحياة في الـ36 من عمره، تاركًا خلفه الكثير من القصص والمقالات والروايات الكاملة، وأيضًا ثلاث روايات غير مكتملة، أعطاها رحيله قبل إتمامها امتدادًا أدبيًا، فهذه الروايات لن تنتهي.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة