نوال السعداوي.. نصيرة المرأة ونصيرة الطغاة

ع ع ع

فيكتوريوس بيان شمس

توفيت الروائية المصرية الدكتورة نوال السعداوي في القاهرة بعد صراع مع المرض في 21 من آذار الحالي، وعُرفت كناشطة نسوية لديها عشرات المؤلّفات المهمة كـ”المرأة والجنس”، و”الرجل والجنس”، و”الوجه العاري للمرأة العربية”، وغيرها الكثير.

وقد أثارت بعد موتها، كما في حياتها، حالة من الجدل الواسع على مواقع التواصل الاجتماعي لعدّة اعتبارات، فالبعض اعتبرها مؤيّدة للطغاة، وبعضهم أطلق حكمه من منطلق معارضتها لكثير من القواعد والمظاهر الدينية، وبعضهم مزج بين الاعتبارين، بينما فضّل آخرون الحكم عليها من خلال نشاطها النسوي غير المسبوق على مستوى العالم العربي والإسلامي.

أيّدت الدكتورة نوال السعداوي انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر على رئيس انتُخب بشكل ديمقراطي، مستبعدة أن يكون ما حدث في تموز 2013 انقلابًا. كما أنها لفّقت للثوار المصريين أنهم قبضوا ثمن قيامهم على نظام محمد حسني مبارك في كانون الثاني 2011 من وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، هيلاري كلينتون، التي كانت توزّع الدولارات في ميدان التحرير، على حد قولها.

ثم أيّدت بشار الأسد في سوريا، وطالبته في عام 2018 عبر سلسلة تصريحات بأن يترك المساجد المهدّمة لمصيرها فيما لو قرّر إعادة إعمار البلاد (على اعتبار أن القرار يعود إليه فيما لو تقرّر إعادة إعمار البلاد. وعلى اعتبار أن جيشه ليس من هدّم تلك المساجد، والمدارس، والمستشفيات، وقصف أفران الخبز، والأسواق الشعبية أوقات الذروة…)، كما طالبته قبلًا بحظر الحجاب، الذي قد يكون خيارًا شخصيًا حرًّا لبعض النساء، متناسية أن المرأة اضطُهدت طوال نصف قرن من حكم آل الأسد كغيرها من مكونات الشعب السوري، ثم قُتلت ورُمّلت واغتُصبت وشُرّدت ويُتّمت منذ قيام الثورة على أيدي جيشه وأجهزة مخابراته والميليشيات الطائفية الأجنبية المتحالفة معه.

نسيت الدكتورة نوال السعداوي، أو تناست، أن النظام السوري الذي انتهك حقوق المرأة بشكل لا سابق له في تاريخ سوريا القديم والحديث، هو النظام الذي أغرق سوريا بالمساجد ومراكز تحفيظ القرآن للهيمنة على المجتمع من خلال التحكم به دينيًا تحت شعارات علمانية فضفاضة وخالية من أي مضمون، قبل أن يدّعي أنه حامي الأقليات الذي يدافع عن العالم المتحضّر كله من الخطر الإسلامي الداهم. وهو بهذا كان يخاطب العقل والنظام الرسمي الغربي الهنتغتوني (نسبة لصمويل هنتغتون) تحديدًا. وأغلب الظن أنها لم تنتبه إلى أن موقفها الإلغائي من الإسلام، لا يختلف كثيرًا عن مواقف الفصائل الإسلامية الإلغائية، أو التكفيرية، ضد الآخرين، المختلفين فكريًا أو عقائديًا. وهي إذ تدعو للرد على الاختلاف بالعنف والإكراه، تنسف موقفها من مسألة الحرية بالكامل.

لعل السؤال الأهم في حالة الدكتورة السعداوي، وغيرها من المفكرين والمبدعين، الذين اتخذوا مواقف مؤيّدة للطغاة ضد إرادة شعوبهم، هل يمكن الفصل بين الموقف السياسي لهؤلاء وبين إرثهم الثقافي والأدبي؟ وعلى سبيل التوضيح: هل كانت أعمال الشاعر السوري أدونيس قبل الثورة السورية مقبولة ويمكن تذوّقها، ثم أصبحت مرفوضة بعد موقفه المعروف من ثورة الشعب السوري؟ ثم ما القيمة التي أضافها موقف أدونيس أو نوال السعداوي أو غيرهما للأنظمة التي أيّدوها؟ وفي المقابل: ما الخسارة التي تكبّدتها الشعوب بوقوف هؤلاء إلى جانب الطغاة؟

قبل حوالي 600 عام من الآن، غامر عالم الاجتماع والمؤرّخ العربي عبد الرحمن بن خلدون بالتسلّل من خلال أسوار مدينة دمشق المحاصرة ليقابل تيمورلنك، الذي كان يحاصر المدينة آنذاك، بعد أن قتل ونكّل بعشرات الآلاف في حلب وبعلبك وغيرهما من مدن المنطقة، ثم نكّل بسكان دمشق بعد اجتياز أسوارها، فنهب واغتصب وقتل الآلاف. تسلّل ابن خلدون لمقابلته، وقد قدّم له شرحًا وافيًا عن المغرب العربي، قبل أن يُكلّفه تيمورلنك بوضع خريطة للمنطقة، ستُترجم فيما بعد إلى اللغة المغولية، وقد سُلّمت لتيمورلنك باليد بعد اقتحامه دمشق، ربما على نيّة التخطيط لاحتلال المغول للمغرب. ألا يُعتبر ما فعله ابن خلدون عمالة لقوة احتلال وحشية ما زالت تُضرَب فيها الأمثال إلى اليوم؟ لكن هل أثّر ذلك سلبًا في الأثر الذي تركه ابن خلدون؟ بعد مضي عشرات الأجيال، ما زالت أعمال ابن خلدون تُدَرّس في أغلب كليات التاريخ وعلم الاجتماع في العالم العربي، وربما في العالم أجمع بعد أن تُرجمت أعماله إلى كثير من اللغات.
ثم ألم يكن المتنبي مرتزقًا، يدافع عمّن يدفع ويهجو من لا يدفع له؟ وهل هنالك اليوم ما يوازي قصائده إبداعًا سوى المعلقات؟ وهل يعني القارئ المعاصر ارتزاق المتنبي في ذاك الزمن، أو هل ينظر إلى قصائده من زاوية ارتزاقه؟

بعد ثورة 23 يوليو 1952 المصرية، ومن باب القطيعة مع كل إرث للنظام الملكي البائد، تقرّر استبعاد بث أغاني أم كلثوم على أثير الإذاعة، ثم فُصلت من منصب نقيب الفنانين المصريين. وعندما شعر عبد الناصر بغياب أغانيها التي كان يسمعها مساء كل يوم، استدعى الضابط المسؤول عن الإذاعة ليستفسر منه، والذي أوضح لعبد الناصر أنها غنّت للملك، وأنها من رموز ذلك العهد، فكان رد عبد الناصر، أن الأهرامات أيضًا بُنيت قبل “ثورة الضباط الأحرار”، وأنها تنتمي لعهد بائد، فإذا كان هذا هكذا، فما عليكم إلا بأخذ كتيبة مدفعية لقصفها وتهديمها!
بهذا، فصل عبد الناصر بالمباشر، بين إبداع أم كلثوم وبين موقفها السياسي من الملك والثورة، الذي تغيّر فيما بعد على كل حال.
لم تضف نوال السعداوي، ولا أدونيس، ولا غيرهما، أي قيمة للطغاة الذين لوّثوا أنفسهم بتأييدهم. وقد أيّدوهم لاعتبارات متعدّدة، أحدها الموقف من الدين، وبالتالي موقف الدين من تحرّر المرأة، على الأقل في حالة نوال السعداوي. ولم تخسر الشعوب شيئًا بانحياز هؤلاء للطغاة على كل حال. إلا أن الحقيقة التي تطرح نفسها، أن الأجيال القادمة ستنتفع بالنتاجات الفكرية والأدبية لهؤلاء، دون أن تقف كثيرًا عند تاريخهم ومواقفهم.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة