ع ع ع

زينب مصري – نينار خليفة

قبل عام 2011، لم يكن بإمكان همرين أسعد وزوجها، المنحدرَين من مدينة القامشلي، أن يتملكا أي عقار، حتى ممتلكات عائلتيهما كانت مُسجلة بأسماء مواطنين آخرين، لأنهم من الكرد السوريين المحرومين من الجنسية بموجب الإحصاء الاستثنائي لعام 1962، وكانوا يُعدون من “أجانب محافظة الحسكة”.

ومع صدور المرسوم رقم “49” لعام 2011، حصلت همرين وعائلتها وكذلك عائلة زوجها على الجنسية السورية، واستطاعت نقل ملكية منزلها ومنزل زوجها إليها، لكنها الآن لا تستطيع نقل ملكيته لابنها، لأن أبناءها الثلاثة مكتومو القيد، ولا يحق لهم التملك.

ومن وجهة نظر القانون، فأبناء همرين الثلاثة غير موجودين، وكذلك أطفال سوريون كثر صُنفوا في خانة مكتومي القيد لأسباب مختلفة نشأت كواحدة من نتائج نزاع ممتد على مدار عشر سنوات في سوريا.

ولا تقتصر حالات مكتومي القيد على الكرد السوريين ممن لم يشملهم إحصاء عام 1962، إذ تتنوع الأسباب التي عزف فيها آباء أطفال مولودين في مناطق سيطرة المعارضة السورية، وفي بلدان اللجوء حول العالم، عن تسجيلهم في سجلات الأحوال المدنية التابعة للنظام السوري، منها أسباب سياسية وأمنية وأخرى اقتصادية أو اجتماعية.

لكن الأثر القانوني المباشر لمكتوم القيد هو أنه غير موجود وغير معترف به قانونًا، وبالتالي ليس له أي حقوق يمكن أن يتمتع بها الشخص المعترَف به في القانون، ومنها حقوقه في التملك والميراث.

عنب بلدي بحثت في هذا الملف مع مجموعة من المحامين السوريين آليات الحفاظ على حق التملك والميراث لمكتومي القيد من السوريين، في ظل اختلاف القوانين الناظمة لحياة المدنيين المعتمدة في المدن السورية، بسبب اختلاف الجهات المسيطرة عليها، وناقشت وجهة نظر القوانين السورية في حق مكتومي القيد بالتملك.

كيف تعاملت القوانين السورية مع حق مكتوم القيد في التملك؟

تزوجت همرين (44 عامًا) عام 1995، كان عمرها حينها 18 عامًا، وبعد حصولها مع زوجها على الجنسية السورية عام 2011، لم يتمكنا من تثبيت زواجهما، لأن تاريخ ميلادها في بطاقة العائلة الخاصة بوالدها كان قد سُجل في عام 1986، أي بعد تسعة أعوام على تاريخ الولادة الحقيقي، بحسب ما روته لعنب بلدي.

ولا تدري همرين ما إذا كان الخطأ في تسجيل تاريخ ميلادها من مختار الحي أو من موظف السجل المدني، ولم ترضَ المحاكم الشرعية تثبيت زواجها، إذ “لا يعقل أن أكون قد تزوجت بعمر تسع سنوات، فابني البكر ولد في عام 1996″، بحسب ما قالته.

وأضافت همرين أنها حاولت تعديل تاريخ ميلادها في السجل المدني، لكن ذلك أيضًا لم ينفع، إذ قوبلت جهود زوجها وجهود عائلتها بالرفض، وبذلك تكون حصلت مع زوجها على الجنسية السورية، لكن أبناءها الثلاثة حُرموا منها ومن حقهم في ملكيات والديهم.

مؤخرًا، حاولت همرين البحث عن طريقة لتثبيت زواجها وتسجيل الأبناء، لكن السجل المدني والمحامي أخبراها أن عليها رفع دعوى قضائية ضد والدها، واعتباره السبب في الخطأ الوارد بتاريخ ميلادها.

وقد يطول البت في القضية، لأن والدها مسافر منذ سنوات إلى أوروبا بقصد اللجوء، وإذا رفعت دعوى ضده، سيُعتقل في حال عودته، ولا تدري ماذا تفعل، أو ما السبيل لتعويض أولادها، لا سيما أن أكبرهم (25 عامًا) قد تزوج ولديه ولد أيضًا، بحسب ما ختمت به حديثها.

في أثناء إعداد هذه المادة، صدر في 25 من آذار 2021 قانون جديد للأحوال المدنية يحمل الرقم “13”، وهو يتضمن نفس المبادئ القانونية التي استندت إليها المادة والتي كانت الموجودة بالقانون السابق.

مكتومو القيد (تعديل عنب بلدي)

المرسوم التشريعي رقم “93” الصادر في 23 من آب عام 1962

قضى المرسوم الجمهوري التشريعي رقم “93” لعام 1962 بإجراء إحصاء حُصر في محافظة الحسكة الواقعة شمال شرقي البلاد، التي تعدّ المركز الرئيس للكرد في سوريا، دونًا عن بقية المحافظات السورية.

ونص المرسوم في مادته الأولى على أن “يجري إحصاء عام للسكان في محافظة الحسكة في يوم واحد يُحدّد تاريخه بقرار من وزير التخطيط بناء على اقتراح وزير الداخلية”.

وعندما حصل الإحصاء، كان على الكُرد أن يثبتوا أنهم يعيشون في سوريا منذ عام 1945 على الأقل، وإلا فقدوا جنسيتهم السورية، وأجرت الحكومة الإحصاء في يوم واحد، ولم تمنح ما يكفي من وقت للسكان المحليين لإثبات انتمائهم.

كما لم تنشر السلطات معلومات كافية عن العملية والأهداف والإجراءات الناظمة لها، بحسب تقرير لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” صادر في 4 من تشرين الأول 2019، بعنوان “سوريا: عشر حقائق حول إحصاء الحسكة الاستثنائي في العام 1962”.

وذكر التقرير أنه بعد اندلاع الاحتجاجات السلمية في سوريا عام 2011، والمطالبة بإجراء إصلاحات شاملة في البلاد، صدر المرسوم التشريعي رقم “49” بتاريخ 7 من نيسان 2011، القاضي بمنح الجنسية العربية السورية للمسجلين في سجلات “أجانب الحسكة”.

من هو مكتوم القيد؟

يُعد مكتوم القيد، حسب قانون الأحوال المدنية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم “26” لعام 2007، “من كان والده أو والداه مسجلين في القيود المدنية السورية أو ينتمي بأصله للجمهورية العربية السورية، ولم يُسجل ضمن المدة المحددة للتسجيل في قيود السجل المدني”، أي خلال 30 يومًا من حدوث الواقعة.

محامٍ مطلع مقيم في دمشق قال لعنب بلدي، إن من أهم الحقوق التي يُحرم منها مكتوم القيد حقه في الملكية التي يمكن أن تؤول إليه عن طريق الإرث، لأن معاملات حصر الإرث وانتقال الملكية تعتمد في الأساس على سجلات الأحوال المدنية، وبالتالي فإن مكتوم القيد غير المسجل في هذه السجلات لن يظهر اسمه في هذه المعاملات، الأمر الذي يحرمه بشكل طبيعي من حقه في هذه الملكية.

ولفت المحامي إلى أن مشكلة مكتوم القيد أكثر ما تظهر عندما تكون ناجمة عن ولادات نتيجة زيجات جرت خارج سوريا ولم تسجل في القيود المدنية، لأن المادة “28” من قانون الأحوال المدنية تشترط تسجيل الزواج قبل واقعة الولادة.

إذ ترى اللجنة القانونية المشكّلة بالأمر الإداري رقم “5380” بتاريخ 17 من حزيران 2007، أن أحكام الزواج الصادرة عن الدول الأجنبية سواء صدرت عن دائرة مدنية أو مركز إسلامي، لا تُنفّذ ولا بد من اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في سوريا لتثبيت الزواج، المتمثلة بداية بإقامة دعوى في المحكمة الشرعية أو الروحية، ومن ثم تسجيل واقعات الولادة الناجمة عن هذا الزواج.

وقد أدى تعذر هذا الأمر بالنسبة لكثير من المقيمين خارج سوريا، سواء لأسباب مادية أو غير ذلك، إلى تفاقم مشكلة مكتومي القيد وحرمانهم من أي حقوق في الملكية ستؤول إليهم مستقبلًا، لا سيما أن تسجيل واقعات الزواج والولادات في سجلات الدول التي جرت على أرضها أو المقيمين فيها، والتي يلجأ إليها الناس هناك، لا يعني إمكانية تسجيلها في القيود المدنية السورية بشكل تلقائي دون إجراء المعاملات المعقدة المنصوص عليها في القوانين السورية.

ويرى المحامي أن هذه المشكلة هي إحدى أكبر المشكلات التي يعاني منها السوريون المقيمون خارج البلاد، ولا يمكن إيجاد حل عملي لها إلا بوجود إرادة من سلطات النظام السوري لتسهيل تسجيل واقعات الأحوال المدنية التي تحصل للسوريين في تلك البلاد، عبر السفارات والقنصليات السورية في الخارج.

القاضي السوري رياض علي، يرى من جانبه أن سنوات الحرب السورية أسفرت عن ظهور شريحة كبيرة من السوريين المكتومي القيد، إلا أنه يرجع ظهور مسألة مكتومي القيد في سوريا بشكل واضح وجلي إلى الفترة التي تلت الإحصاء الاستثنائي الجائر الذي تم في محافظة الحسكة عام 1962.

وبيّن أن هذا الإحصاء كان لمدة يوم واحد، وكل من تمكن من تسجيل اسمه وعائلته في دوائر السجل المدني واستكمال أوراقه الثبوتية في ذلك اليوم بقي متمتعًا بالجنسية السورية، أما من تمكن من تسجيل اسمه ولم يستكمل وثائقه فصُنف في خانة “أجانب الحسكة”، التي تعني أنه مقيّد في السجلات لكنه مجرد من الجنسية السورية.

ومن لم يسجل صُنف في فئة “مكتومي القيد”، أي لا يتمتع بالجنسية السورية وغير مقيّد أصلًا في السجلات، وعليه أن يحمل شهادة تعريف صادرة عن مختار المحلة التي يسكن فيها، تتضمن اسمه وبياناته الشخصية، وهي لا تخوّله التمتع بأي حق من الحقوق، فحتى أبسطها كحق التنقل بين محافظة وأخرى، أو النوم في فندق داخل سوريا، كان يحتاج إلى موافقة أمنية.

ولفت علي إلى أن الأغلبية الساحقة من الذين قُيّدوا كـ”أجانب” أو مكتومي قيد هم من المواطنين الكرد السوريين.

وعلى الرغم من صدور المرسوم رقم “49” لعام 2011، الذي قضى بمنح الجنسية لـ”أجانب محافظة الحسكة”، فإن هذا المرسوم لم يحل معضلة فئة مكتومي القيد كونه لم يشملهم، وبالتالي بقي هؤلاء دون جنسية حتى وقتنا الحالي.

وأضاف علي أن السنوات العشر الأخيرة حملت معها ظهور شريحة كبيرة من مكتومي القيد في سوريا، خاصة مع خروج مناطق بأكملها عن سيطرة النظام السوري.

إذ تعامل النظام مع السوريين من منطلق المعارضة والموالاة، وعمد إلى حرمان كل المناطق التي خرجت عن قبضته من جميع خدمات الحكومة، ومنها خدمات السجل المدني والمحاكم وغيرها، وهو ما يعني أن عددًا كبيرًا من الأطفال الذين ولدوا خلال فترة الحرب في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ولم يتمكن آباؤهم من تسجيلهم في السجلات الرسمية السورية، أصبحوا مكتومي القيد.

ولفت علي إلى أن كثيرًا من الأهالي كانوا غير قادرين على التوجه إلى مناطق النظام لتسجيل أطفالهم، خوفًا من الملاحقة الأمنية والاعتقال، خاصة أن النظام السوري اعتبر كل من يعيش في المناطق الخارجة عن سيطرته من قبيل الحاضنة الشعبية “للمسلحين الإرهابيين”، وبالتالي فهم مطلوبون لأجهزته الأمنية.

وأوضح علي أن مكتوم القيد، وكونه لا يتمتع بالجنسية السورية وغير مقيّد في السجلات المدنية، موجود من الناحية المادية، لكنه غير موجود من الناحية القانونية، وبالتالي محروم من جميع الحقوق ومنها حق التملك، مشيرًا إلى أن مكتومي القيد في محافظة الحسكة، ومنذ أن اعتُبروا كذلك عام 1962، ليس بمقدورهم تسجيل ممتلكاتهم بأسمائهم، ولذلك يلجؤون إلى تسجيلها بأسماء أقاربهم أو أصدقائهم الذين هم محل ثقتهم.

لقطة جوية تظهر أحياء مدينة كفرنبودة في ريف حماة الشمالي - 18 آب 2017 (عنب بلدي)

لقطة جوية تظهر أحياء مدينة كفرنبودة في ريف حماة الشمالي – 18 آب 2017 (عنب بلدي)

 

 

 

هل تُملّك سلطات الأمر الواقع مكتومي القيد؟

يُعد تسجيل مكتوم القيد في سجلات الأحوال المدنية الخطوة الأولى للحفاظ على حقه في التملك، أو في تركة أحد أبويه، أو إرادة أحدهما في نقل ملكية عقارية له، سواء كان طفلًا مولودًا لأم سورية ومقاتل أجنبي “عابر حدود” في مناطق المعارضة السورية نسبه الصريح غير معروف، أو طفلًا مولودًا لأبوين سوريين في الداخل السوري أو في دول اللجوء حول العالم.

الطفل المولود لـ”عابر حدود”

مع بدء تحول الاحتجاجات الشعبية في سوريا إلى نزاع مسلح، انضم إلى صفوف قوات المعارضة السورية مقاتلون أجانب من جنسيات مختلفة حول العالم، بأسماء حركية، دون الإعلان عن أسمائهم الحقيقية أو نسبهم الكامل (أبو عائشة التونسي، أبو أحمد المصري…)، يُعرفون باسم “المقاتلون العابرو الحدود”.

ومنذ قدومهم، تزوج العديد منهم من مواطنات سوريات في المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة بعقود زواج غير رسمية وغير مسجلة في سجلات الدولة، ونتجت عن تلك الزيجات ولادة أطفال غير مسجلين في بلدان آبائهم أو في سوريا، سواء لعدم قدرة الأب على العودة إلى بلده أو لمقتله، وبالتالي عدم معرفة نسبه الحقيقي وانعدام القدرة على الوصول إلى عائلته.

“مأزق والحل مستعصٍ”

محامٍ مطلع مقيم في دمشق قال لعنب بلدي، إن الأبناء المولودين لأم سورية ومقاتل أجنبي، وخاصة أطفال مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية”، يعدّون مشكلة “مستعصية عن الحل”، لكن الأم تستطيع تسجيل أبنائها في النفوس إذا كانت في الداخل السوري، والطفل يُسجل مجهول الأب.

وبحسب المحامي، فإن هؤلاء الأطفال يكونون محرومين من حقوقهم، إذ إن الإنسان يولد مرتين، مرة عند الولادة الطبيعية، والمرة الأخرى عند “الولادة القانونية” (التسجيل في سجلات الدولة الذي يمنحه حقوقه المدنية).

من جهته، قال وزير العدل في “الحكومة السورية المؤقتة”، القاضي عبد الله عبد السلام، إن ما جرى العمل عليه في المناطق “المحررة” هو نفس ما يطبَّق في قانون الأحوال الشخصية السوري، إذ اعتمدت “الحكومة المؤقتة” منظومة القوانين السورية كاملة بمرجعية دستور عام 1950، وبالتالي القانون السوري هو المطبق في هذا المجال.

وأضاف الوزير، في حديث إلى عنب بلدي، أن زواج السوريات من “عابري الحدود” يُسجل إذا كان الزوج معروف النسب، وبالتالي يُنسب الأطفال لأبيهم.

أما زواج السوريات من أجانب غير معروفي النسب فلا يُسجل، وبالتالي لا يُسجل الأطفال المولودون جراء تلك الزيجات في مناطق الشمال السوري، ما لم يُعرف نسب الأب الحقيقي واسمه الصريح بوجود شهود يشهدون على صحة اسمه ونسبه.

وأشار إلى أن “الحكومة المؤقتة” على تواصل مع “المجلس الإسلامي السوري”، وستقيم ورشة في القريب العاجل مع قضاة الأحوال الشخصية “للخروج من هذا المأزق، إذ إن هؤلاء المواليد يجب ألا يبقوا عالة على المجتمع”، بحسب تعبيره.

اللقيط:

اسم لحي مولود طرحه أهله خوفًا من العيلة أو فرارًا من تهمة الريبة، وبالتالي هو طفل غير مميز لا يعرف نسبه ولا كافل له، طُرح في مكان ما.

مكتوم القيد: مصطلح إداري يشير إلى عدم وجود الشخص المعني في السجلات الرسمية.

معدوم النسب: يثبت النسب لأمه دون وجود قرينة على هوية الأب.

الطفل المولود لأبوين سوريين

وفيما يتعلق بالأطفال المكتومي القيد المولودين لأبوين سوريين، أضاف المحامي أنه لا توجد مشكلة في تسجيلهم وانتقال الملكيات العقارية إليهم في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية، مشيرًا إلى أن المشكلة تكمن في حال وجود أملاك لعائلاتهم في مناطق سيطرة النظام.

ففي هذه الحالة، يصعب تسجيل واقعات الولادة، وبالتالي يصعب الحفاظ على حقهم في التملك والميراث.

من جانبه، قال وزير العدل في “الحكومة السورية المؤقتة”، القاضي عبد الله عبد السلام، إن “الأطفال المكتومي القيد المولودين لأبوين سوريين يسجلون بعد تثبيت الزواج أصولًا في محالكم الأحوال الشخصية التابعة لـ(الحكومة المؤقتة)، حتى لو كان الزوج مفقودًا أو شهيدًا”.

وأوضح أن من نتائج تثبيت النسب مسألة الميراث، وفي معظم المناطق “المحررة” السجلات العقارية غير موجودة، و”ما يجري العمل عليه في حال وجودها، تثبيت توزيع الإرث وفق حصر إرث شرعي إذا كان المال شرعيًا، وحصر إرث أميري إذا كان العقار أميريًا”.

ولفت إلى أن الأهالي في المناطق الشمالية يقبلون حصر الإرث الشرعي أكثر من حصر الإرث القانوني الذي ساوى بين الذكر والأنثى، بينما الشرعي “للذكر مثل حظ الأنثيين”، وعليه تُقسم التركة حاليًا دون تسجيلها في السجلات العقارية لعدم وجودها، وتثبت ضمن الورثة.

صورة تظهر شهادة تعريف لقمان عبدو والخاصة بفئة مكتومي القيد. (الشاهد لقمان عبدو لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”)

تسجيل العقارات متوقف في مناطق “الإدارة الذاتية”

فيما يتعلق بتسجيل الأطفال المكتومي القيد في مناطق شمال شرقي سوريا، قال قاضٍ عامل في “الإدارة الذاتية” (طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية) لعنب بلدي، إن “الإدارة” تستخدم قانون الأحوال المدنية النافذ منذ خمسينيات القرن الماضي.

وتدير مكاتب ومؤسسات وجهات قضائية تابعة لـ”الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا” التصرفات العقارية في المناطق الخاضعة لسيطرة “الإدارة”، والدعاوى القضائية المتعلقة بها.

وعلى الرغم من اعتماد قانون الأحوال المدنية السوري في تثبيت الزيجات وتسجيل الأطفال المكتومي القيد من أبوين سوريين، يمنع “مجلس العدالة الاجتماعية”، الذي يحل محل مجلس القضاء، “دواوين العدالة” في شمال شرقي سوريا من النظر في الدعاوى العينية العقارية.

ويوجب المجلس رد جميع الدعاوى المتعلقة بتلك الحقوق، بأي مرحلة تكون بها، وهي المتعلقة بحقوق الملكية والتصرف والسطحية والانتفاع حصرًا، بما فيه توثيق وتثبيت عقود البيع، حتى إنشاء سجل عقاري موازٍ.

وبما أن أي دعوى عقارية يصدر فيها حكم يجب أن ينفذ في السجل العقاري، فلا يمكن تنفيذ أي حكم في ظل عدوم وجود سجلات عقارية في مناطق شمال شرقي سوريا، ويشمل ذلك التصرفات العقارية التي من الممكن أن تطرأ على أملاك مكتومي القيد بعد تسجيلهم.

جيل بلا وثائق

لمى قنوت

لمى قنوت – باحثة وسياسية ونسوية سورية

لمى قنوت- باحثة وسياسية ونسوية سورية

تواجه العديد من الأسر السورية تحديات ضخمة جراء فقدان الوثائق الثبوتية أو/ وعدم قدرتهم على تسجيل جميع الواقعات في السجلات الرسمية، التي طرأت على سجلهم المدني خلال النزوح أو التهجير القسري، وخروج العديد من المناطق عن سيطرة النظام، وتدمير أو إغلاق دوائر السجلات المدنية، وحصرها والمحاكم في حيز نطاق سيطرة النظام، وقد أشار “المجلس النرويجي للاجئين” إلى أن 70% من اللاجئين يفتقرون إلى وثائق التعريف الرسمية (الهوية الوطنية)، ومن أصل 734 أسرة نازحة داخليًا في خمس مناطق تابعة لمحافظتي درعا والقنيطرة، أفاد أكثر من نصف المستجيبين بأنهم “فقدوا شهادة زواجهم أو تمت مصادرتها أو إتلافها أو تركوها خلفهم عند نزوحهم”، ومن نفس عيّنة الدراسة الاستقصائية، فإن ربع أفراد الأسرة، من الذين بلغت أعمارهم 14 عامًا فما فوق، والذين يحق لهم الحصول على الهوية الوطنية لا يحملونها، بالإضافة إلى 304 أطفال من أصل 675 طفلًا تحت سن الخامسة، غير مسجلين في دفتر العائلة الخاص بتلك الأسر، ويعد دفتر العائلة سجلًا رئيسًا للحصول على وثائق أخرى، وتفيد الدراسة أيضًا، بأن 195 طفلًا تحت سن الخامسة من أصل 675 طفلًا ليس لديهم بيان ولادة رسمي، سوى ما صدر عن سلطات الأمر الواقع، التي لا تعترف بها الدوائر الرسمية، وبالتالي فإن العديد من الأطفال والطفلات معرضون إلى انعدام الجنسية.

أثر انعدام الوثائق على مكتوم القيد

يستند نظام التسجيل المدني إلى إلزام المواطنين والمواطنات بتسجيل جميع الواقعات التي تطرأ على سجلهم المدني، وتشمل كل حادثة أحوال مدنية من ولادة أو وفاة أو زواج أو طلاق وما يتفرع عنها.

ويؤدي عدم تسجيل، أو عدم القدرة على تسجيل واقعات المواليد الجدد، إلى فقدان الشخصية القانونية، والحقوق السياسية والمدنية، كحق الانتخاب والترشح والتصويت على سبيل المثال، ويؤسس لحرمان متعدد الأثر، مثل الحرمان من التعليم والصحة، والملكية والعمل دون ضمانات قانونية، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنقل والحصول على جواز سفر وتثبيت الزواج رسميًا، ومن ثم تثبيت نسب الأولاد، والطلاق إن حصل، وحتى تثبيت الوفاة، بالإضافة إلى تمييز مجتمعي نتيجة جهالة نسبهم، ووفق سلسلة الأضرار هذه، تخسر الزوجات حقوقهنّ الزوجية، والحماية التي يوفرها القانون.

ويُعتبر أثر انعدام الوثائق بالغ التعقيد على الأسر التي تعولها النساء اللواتي تم اعتقال وإخفاء أزواجهنّ قسرًا، كما أن عدم تزويدهنّ بشهادة وفاة من مات منهم، يحرمهنّ من التحرك في الجوانب القانونية المترتّبة على الوفاة، والمتعلقة بتسجيل الأطفال وصعوبة التنقل والسفر معهم، وحقوق الميراث، ومن ضمنها الحق في السكن والأرض والملكية، وقد لجأت أو أُجبرت العديد من النساء على إعلان وفاة أزواجهنّ بعد مرور أربع سنوات أو الادعاء بهجرانهنّ بعد مرور عام، إذ تنص المادة “109– التفريق للغيبة” في قانون الأحوال الشخصية على أنه: “إذا غاب الزوج بلا عذر مقبول أو حكم بعقوبة السجن أكثر من ثلاث سنوات، جاز لزوجته بعد سنة من الغياب أو السجن أن تطلب إلى القاضي التفريق، ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه”.

ناهيك عن أن قانون الجنسية السوري يحرم الأم من إعطاء جنسيتها لأطفالها، إلا في حال عدم وجود صلة قانونية بالأب، كما نصت المادة “3 –ب” من المرسوم التشريعي رقم “276” لعام 1969 على ما يلي، “من وُلد في القطر من أم عربية سورية ولم تثبت نسبته إلى أبيه قانونًا”، ومن ضمنها منحها الجنسية للأطفال المولودين خارج إطار الزواج أو في جرائم الاغتصاب، لكن الاستناد إلى هذا النص نادر بسبب الوصمة والنبذ الاجتماعي.

كما أن وصاية الأم على أطفالها في قانون الأحوال الشخصية (المعدل)، لا تكون إلا حين يختارها الزوج وصية عليهم، كما ورد في نص المادة “167- 2″، “إن الوصاية في أموال القاصرين بعد وفاة الأب هي للوصي الذي اختاره الأب وإن لم يكن قريبًا لهم”.

إن معاملات المفقودين في المحاكم بطيئة جدًا بسبب ازديادها، حتى للرجال الذين سُجلوا رسميًا بأنهم متوفون، إلى جانب ازدياد دعاوى تثبيت الزواج العرفي واشتراط الموافقات، ومن ضمنها الموافقات الأمنية التي تطال كل شيء، من معاملات الزواج والطلاق والموت والدفن والبيع والشراء والاستئجار…، فقُدّر مثلًا ارتفاع طلبات تثبيت الزواج الإداري (كتب كتاب شيخ وكاتب المحكمة)، حسب تحقيق تم بالتعاون مع مكتب القاضي الشرعي الأول بدمشق، عشرة أضعاف في عام 2015 (10504 طلبات) عن عام 2009 (719 طلبًا)، كما يُشكل ارتفاع أجور رفع الدعاوى القضائية لتثبيت الزواج والنسب لمن تزوجن عرفيًا تحديًا آخر للفقيرات بعد وفاة الزوج أو اختفائه، ويسبب الابتزاز والفساد الواسع النطاق عدم قدرة الأسر بشكل عام والنساء بشكل خاص على تسجيل الواقعات في السجل المدني.

تواجه النساء اللواتي تزوجن أو أُجبرن على الزواج من مجهولي النسب، ومن ضمنهن القاصرات اللواتي زُوّجن قسرًا وأطفالهنّ، تحديات واسعة النطاق في تسجيل واقعتي الزواج ونسب الأطفال، وأخضع تنظيمالدولة الإسلامية بعض الفتيات للعبودية الجنسية وغيرها من أشكال العنف الجنسي، وأجبر أطفالًا على القيام بدور الجلاد، وفي ظل صعوبة إحصاء عدد الأطفال المجهولي النسب، وثقت حملة “مين زوجك” 1826 طفلًا مجهولي النسب في إدلب وريفها وريفي حماة الشمالي والغربي، ولدوا عن 1124 من أصل 1735 واقعة زواج، وتمتنع العديد من النساء الموجودات في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام عن رفع دعاوى خشية المساءلة.

البحث عن حلول

تبدأ معالجة تحديات تحديث واقعات السوريين والسوريات في السجل المدني بأهمية تسجيل الزواج رسميًا، وضمان توفير وحماية حق السوريين والسوريات بتوثيق الواقعات بشكل فعال ومرن ومستدام، وإعلاء تحقيق مصالح الأطفال الفضلى، وتجميع وحفظ وتوثيق سجلات السكن والأراضي والملكية، وإنهاء التمييز القانوني ضد المرأة السورية، والإقرار بحقها في إعطاء جنسيتها لأطفالها، وحثّ المحاكم على تعجيل الفصل في أحكام القضايا المرفوعة والمتعلقة بالقضايا الأسرية، وتشجيع المحامين والمحاميات على التطوع في رفع القضايا المتعلقة بالتوثيق بشكل مجاني، وخاصة للنازحات واللاجئات، والإفراج عن المعتقلين والمختفين قسرًا، نساء ورجالًا وأطفالًا، والكشف عن مصير المفقودين، وتعزيز المعايير الدولية المتعلقة بمنع حالات انعدام الجنسية، لأن فقدانها يؤسس لانعدام الحماية والأمن والكرامة.

English version of the article

مقالات متعلقة