حب ومأساة..

أربع قصص حب كردية يحفظها أهالي عفرين منذ الصغر

ع ع ع

عنب بلدي – عفرين

تبتسم زريفة حنان (86 عامًا) كلما تذكرت قصة سيامند وخجي، التي حفظتها منذ الصغر، وبقيت تروي أحداثها لأبنائها الصغار، ولأحفادها من بعدهم، إثر إعجابها بشجاعة البطل الذي خطف محبوبته أمام الجميع.

يحفظ الكرد في سوريا قصصًا ترتبط بثقافتهم، لا يعرفها بالضرورة بقية السوريين، تحكي عن الحب والتضحية والجمال، منها أربع تجمعها مأساة محبين لم يتكلل حبهم بالنجاح.

سيامند وخجي

قصة من نمط الأدب الشفهي تداولها الكرد منذ مئات السنين، تحكي عن الحب الذي يدور بين سيامند وخجي (Siyabend û Xecê)، والذي انتهى في وادي الموت قرب سفوح جبل سيبان، شرقي تركيا اليوم.

سيامند شاب يتيم شجاع، اعتاد خشونة العيش، وأحب الصيد والمغامرات، قرر يومًا السفر لتأخذه الأقدار إلى قبيلة أقام فيها ضيفًا في بيت خجي، التي أصبحت محبوبته منذ النظرة الأولى.

خجي فتاة جميلة، كانت وحيدة لسبعة إخوة أشداء، ومخطوبة لابن زعيم العشيرة التي تتبع لها، مال قلبها لسيامند منذ أن رأته، وقررت أنه هو الرجل الذي تحبه وتريد أن تتزوجه.

علم سيامند أن زواجه من خجي مرفوض في عشيرتها، وكان لا بد له من الاستعانة بأصحابه، الذين انطلق للبحث عنهم وسط الغابات وأماكن الصيد، لكنه في طريقه حل ضيفًا على مجموعة من الغجر، الذين قدموا له الأرز واللحم على شرف زفاف خجي من ابن زعيم العشيرة.

عاد العاشق سريعًا إلى محبوبته بعد أن قرر الوقوف وحده أمام العشيرة بأكملها ليفوز بها، وقرر ألا يأخذها خفية ولكن جهرًا وأمام الجميع.

دفع سيامند لقارعي الطبول ونافخي المزامير في الزفاف ليحيوه هو وخجي أمام العشيرة، وما إن فعلوا حتى حمل عروسه على حصانه وانطلق، ولحقه إخوتها وغيرهم من الرجال.

اتجه سيامند مع خجي إلى الغابة، وهناك رأت الفتاة مشهدًا ذكّرها بحالها، لسبعة أيائل تلحق بظبية ذهبية أبعدها عنهم أيل مكسور القرن، فانسابت دموعها على وجه الحبيب، الذي خيرها حينها بالعودة.

لم تقبل خجي وأشارت إلى سيامند بسبب بكائها، فقرر اصطياد الأيائل، لكن حظه أودى به للوقوع على جذع شجرة اخترق جسده وتركه يحتضر، حيث وجدته محبوبته في لحظاته الأخيرة.

حين وصل إخوة خجي لاستعادتها، احتالت عليهم ورمت بنفسها على جذع الشجرة قرب سيامند مفضلة الموت معه على الزواج من غيره.

حكت زريفة القصة الشعرية لأبنائها السبعة، ومن بعدهم أحفادها الأربعة، معتبرة الشجاعة التي أبداها سيامند رمزًا للحب الخالد وعبرة لكل إنسان، حسبما قالت لعنب بلدي.

مم وزين

من أشهر قصص الحب الكردية، قصة المحبوبين مم وزين (mem û zîn)، كتبها الروائي والشاعر الكردي أحمد خاني في القرن الـ17، في جزيرة بوطان، التي تقع في نهر “دجلة” داخل الأراضي التركية اليوم.

جرت أحداث القصة في إمارة بوطان الكردية عام 1393 في قصر الأمير زين الدين، بين أخته زين وحبيبها مم، الفارس المقدام المنحدر من طبقة فقيرة.

الأقدار جمعت بين مم وزين في ليلة النيروز، حين كانت الأميرة خارجة مع أختها ستي وهما متنكرتان بزي الرجال، والتقتا بالفارس وصديقه تاج الدين، ابن الوزير، اللذين كانا متنكرين بزي الجواري.

وقع الحب في قلب العاشقين من النظرة الأولى، وفي حين تكلل حب تاج الدين وستي بالزواج سريعًا، بقي الوله والعذاب مصيرًا لمم وزين.

عمل حاجب الأمير، كارو، على تأليب الأمير زين الدين ضد مم وإقناعه برفض القبول بتزويجه من زين، ما دفع العاشقين للمرض والنحول من شدة الحزن.

وحين أراد كارو أن يزيد من كره الأمير لمم قال له، إن كل من في الإمارة يتحدث بحب الفارس للأميرة، وهنا طالب الأمير بالدليل.

تحدى كارو مم بلعبة الشطرنج بشرط أن يطلب الفائز ما يشاء من الخاسر، وأجلس الفارس المعروف بمهارته في اللعب مقابل النافذة التي طلت منها الأميرة، ما دفعه للتشتت والخسارة ثم الاعتراف بحبه لها تحت طلب الحاجب وعلى مسامع الأمير.

سجن زين الدين مم عامًا كاملًا، حتى تذكر أن يزور أخته في مخدعها ليجدها تحتضر من شدة الحزن، فيرق قلبه لها ويقرر أن يجمعها بحبيبها، الذي كان في ساعاته الأخيرة ضمن سجنه بعد أن أذابه الشوق والحب.

يقضي مم وزين ساعاتهما الأخيرة يتناجيان قبل وفاتهما أمام الأمير الذي اعتراه الندم بعد فوات الأوان، ولا يجد تاج الدين انتقامًا لصديقه سوى قتل كارو، الذي دُفن تحت قدمي العاشقين.

أعجبت فيدان معمو (52 عامًا) بالقدر الذي جمع الحبيبين، وحملت منذ طفولتها ذكرى الحب الذي لم تتغلب عليه الظروف، وحكت القصة لأبنائها الثلاثة الذين أنجبتهم من زواج “تقليدي”، على حد وصفها لعنب بلدي، مشيرة إلى أن حكاية مم وزين ما كانت لتكون حزينة لولا وجودهما في واقع لا يشجع على الحب، ولا اختيار الشريك المناسب في الحياة.

زميبول فروش

القصة التي تحبها ميادة حبيب (50 عامًا) هي قصة بائع السلال العفيف الوسيم مير سعيد، وعلى الرغم من أنها ليست قصة حب تقليدية بين حبيبين، فهي ترى أن حب الأميرة لشاب ظنته من العوام مثال على أن “الحب لا يعرف المستحيل”، حسبما قالت لعنب بلدي.

ينحدر مير سعيد من مدينة فارقين، التابعة لمدينة ديار بكر في جنوب شرقي تركيا اليوم، ولكنه ترك المدينة التي يحكمها والده متجهًا إلى مدينة زاخو، في إقليم كردستان بالعراق، حيث عمل بائعًا للسلال مخفيًا أصله النبيل.

لحظت أميرة البلاد البائع الوسيم، الذي كان متزوجًا وله أطفال، ودعته إلى قصرها بحجة شراء السلال، حيث حاولت إغراءه.

رفض مير سعيد طلب الأميرة وتركها باحثًا عن مهرب، لم يجده إلا عبر القفز من أعلى القصر، حيث لحقت به الأميرة محاولة إقناعه بالتراجع بحوارات غنائية شعرية يحفظها الكرد.

يقفز مير سعيد لكنه يحط سالمًا ويعود إلى عياله مصرًا على العفاف.

فرهاد وشيرين

حكاية حب جمعت بين شيرين وفرهاد (Şîrî û ferhad)، كُتبت كملحمة شعرية باللهجة الكردية الفيلية، عُرفت في العراق وإيران وأرمينيا وتناقلها أبناء المنطقة.

تجمع القصة بين شيرين وفرهاد، اللذين رأى كل منهما الآخر في الحلم منذ الصغر، فكانا حبيبين قبل اللقاء.

ترك فرهاد قومه الذي كان أميرهم وتنكر على هيئة درويش باحثًا عن حبيبته، التي وجدها متزوجة من الملك خسرو.

حين رأت شيرين فرهاد قررت التخلص من زوجها فدبرت مكيدة لقتله لتتمكن من الزواج من محبوبها، إلا أن مهر الملكة لم يكن هينًا، إذ طلب أعيان المملكة من الخاطب شق جبل خلال 40 يومًا ليمر به النهر، وهو ما قبل به وبدأ بالعمل على تحقيقه.

كاد فرهاد أن ينهي عمله قبل أن يقع ضحية لحيلة أقنعته بوفاة شيرين لينتحر بفأسه، وتلحق به محبوبته بطعنة من خنجر دفعت به إلى قلبها فوق قبره.

برأي فاطمة خليل (20 عامًا)، فإن الحكايات الكردية توضح أن الحب الحقيقي لا يموت، ولا يكون فناؤه سوى على يد شخصية دخيلة “مريضة” توقع الفتنة، وتشير الفتاة المتزوجة والأم لطفلتين إلى اعتقادها أن المجتمع الكردي يقف مع الحب، وما انتهاء القصص بتلك المأساوية إلى دلالة على عدم استجابة الواقع.

الثقافة الكردية

يتركز الكرد في غرب آسيا ضمن دول عديدة، منها إيران وتركيا والعراق وسوريا، تقدر أعدادهم بالملايين، لكنهم متفرقون ويحسبون من الأقليات في كل دولة، مع حفاظهم على عاداتهم وتقاليدهم.

وتنتشر في الفلكلور الكردي القصص الغنائية والشعرية، التي غالبًا ما تتحدث عن الطبيعة والحيوانات المجسمة والحب وصراع الخير والشر مع المخلوقات الأسطورية، ضمن حبكات مسلية ولها جانب تعليمي وديني.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة