حين قتلوا ربى الجمال

ع ع ع

نبيل محمد

يلفتك أن تجد أغلبية التعليقات على مادة فيديو في موقع “يوتيوب” تتحدث عن المطربة السورية الراحلة ربى الجمال، يقول أصحابها إنها المرة الأولى التي يسمعون أن في بلدهم سوريا مطربة بهذا الاسم، ثم عندما تستعيد قصة حياتها، والمنفى الداخلي الذي كانت تعيشه، ستدرك أنه من المنطقي أن جيلًا كاملًا لم يسمع بها، فكما تم تغييبها حيّة تم ذلك أيضًا بعد موتها.

لقد كان لكل مرحلة من مراحل حياة ربى الجمال، التي تمر حاليًا الذكرى الـ16 لوفاتها، أسلوب في التغييب من قبل جهة ما، كان هناك دائمًا من يحاول ألا تأخذ هذه الفنانة الاستثنائية مكانًا يمكنها منه أن تصدح بقوّة، ولعل تلك المظلومية المستهلكة التي يتقوّل بها كثيرون، حول فنان لم يأخذ فرصته، أو فنان تتم محاربته، مبررين بذلك ضعف موهبته، أو عدم تميّزه، تبدو في حالة ربى الجمال مختلفة. هي بالفعل تحفة فنية سورية نادرة، هشّمها “البعث” بمؤسساته المتعددة المحترفة للتهشيم المباشر والرمزي.
لعلّ من الظلم أن نقول إن ربى الجمال فنانة عاشت عمرها تغني أغاني سواها، فتطرب الجمهور بأدائها لأغاني أم كلثوم وأسمهان، وسواهما، إلا أن عمرها القصير لم يتح لها إنتاج كثير من الأغاني الخاصة بها، هي مجموعة صغيرة من الأغاني أغلبها لا يوجد على شبكة الإنترنت، مقابل مجموعة خالدة من الأغاني التي أدتها لأم كلثوم، والتي تسمع كثيرًا من مستمعيها يقولون إن أداءها ببعضها تفوق على أداء أم كلثوم ذاتها ومنها “افرح يا قلبي”، وهو ما لا يبدو بعيدًا عن المنطق.
من الصعب بمكان على فنان مزاجي، صعب المراس، مثل ربى الجمال، أن يتقبّل وضع الإنتاج الفني في بلد تحكمه المخابرات وأجهزة رسمية فنية وثقافية متعفنة، ترفض مثلًا انضمام ربى الجمال إلى نقابة الفنانين بحجة عدم وجود مؤهل أكاديمي لديها، في ظل وصول أميين ليكونوا أعضاء في النقابة، بل ووصول بعضهم إلى رئاسة النقابة، بينما ربى الجمال التي نالت جائزة “ماريا كالاس” في باريس في ثمانينيات القرن الماضي كأفضل قرار سوبرانو في العالم حينها، هي عضو غير مرحب به في تلك النقابة.

اصطدمت ربى أيضًا بعقلية شركات الإنتاج، ومديري الصالات والحفلات والمهرجانات، بل واصطدمت بموسيقيين، لتكون حياتها عبارة عن صدامات متتالية، وصلت بها إلى آخر صدام في آخر حفل قدمته في فندق “إيبلا الشام” سنة 2005، حين اختلفت مع الفرقة التي تعزف خلفها، وانسحبت من الحفل الذي أُصيبت بعده بجلطة، اضطرت على إثرها للعلاج بمستشفى عام كونها لم تمتلك تكاليف العلاج في مستشفى “هشام سنان” الذي نُقلت إليه مباشرة بعد الإصابة، وفارقت الحياة إثر ذلك عن 39 سنة.

اشتهر فيديو جنازة ربى الجمال، ربما بالمرتبة ذاتها التي اشتهرت فيها مجموعة أغانٍ أدتها، فكان فيه من الخذلان ما يعبّر عن مدى الظلم الذي طال هذه الفنانة، حيث لم يتجمّع خلف نعشها سوى مجموعة صغيرة لا تجاوز 20 شخصًا من أصدقائها وأهلها، في ظل غياب أي تمثيل لمؤسسة رسمية، وفي ظل تغييب خبر جنازتها عن وسائل الإعلام، لقد أراد النظام حينها دفنها بهدوء، فحكمه على صوتها بالكتمان استمر بعد الوفاة لا شك.

من المستغرب أن صوتًا بحجم صوت ربى الجمال، تسابق كبار الملحنين للعمل معه، من سعيد قطب، إلى سهيل عرفة ووديع الصافي وفاروق الشرنوبي ونجيب السراج وصفوان بهلوان وسواهم، هو صوت من النادر أن تجد له أثرًا بدقة عالية على أي موقع في الفضاء الإلكتروني، فيبدو أن على هذه التجربة حتى بعد مرور سنوات من انتهائها أن تبقى مدفونة، وكأن حقدًا طال كل شيء يرتبط بربى الجمال، وكأنها نموذج خالص وواضح لقدرة المنظومة الفنية والثقافية السورية على الإلغاء الكامل حتى لمن يملكون كامل القدرات على محاربة الإلغاء بالصوت وبغيره من أساليب التعبير، والشواهد كثيرة لكن ربى الجمال أوضحها.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة