الصحافة العُمانية متواطئة في إخفاء جرائم الأسد

ع ع ع

منصور العمري

ماجستير قانون في العدالة الانتقالية

في أول زيارة له إلى دولة عربية، وصل فيصل المقداد، وزير خارجية النظام السوري، إلى سلطنة عُمان في 20 من آذار/ مارس الماضي. رحب الإعلام العماني بهذه الزيارة، واعتبرها مؤشرًا على أهمية الدور السياسي لعمان في المنطقة. لفت نظري التغطية الموحدة لهذه الزيارة من قبل الإعلام العماني، فأردتُ أن أستكشف إن كان الإعلام العماني صحافة حقيقية تغطي الخبر بأمانة صحفية ومهنية.

بحثتُ عن أهم الصحف العمانية، ومن بينها “الوطن” وجريدة “عمان” و”الرؤية” و”الشبيبة”، لأجد أن التغطية لزيارة المقداد كانت نقلًا عن وكالة أنباء الحكومة العمانية. كما ضمت هذه الصحف بعض مقالات الرأي. إلا أن اللافت أن التغطية الصحفية العمانية رحبت بالمقداد، وأشارت إلى الأزمة في سوريا، وتحدثت عن الإرهاب والأوضاع غير الإنسانية، لكنها بمجملها أغفلت ذكر أي مسؤولية لنظام الأسد. لم تذكر مئات آلاف القتلى على يد قوات الأسد، ومقتل عشرات الآلاف تحت التعذيب، والإخفاء القسري لمئات الآلاف، ومجازر الكيماوي، وغيرها من جرائم الأسد التي لا تحصى، بل على العكس شملت تأييدًا لنهج نظام الأسد ومطالبات بعودته إلى الجامعة العربية، كما شملت التغطية تواطؤًا في إخفاء جرائم نظام الأسد، فإحدى المقالات مثلًا تحدثت عن ضحايا الحرب أن “الفصائل المسلحة المعارضة، التي تشمل (قوات سوريا الديمقراطية)” قتلت أكثر من 8100 شخص مدني بينهم 1200 طفل و800 امرأة، وأنه “خلال السنوات التي سيطر فيها تنظيم (داعش) على مناطق في سوريا، قتل نحو 6500 مواطن سوري، بينهم نحو ألف من الأطفال والنساء. وما بين هذه الأرقام المفجعة تضيع أرقام المفقودين الذين يكاد يصل عددهم إلى 200 ألف شخص لا يعرَف مصيرهم ومع أي طرف هم موجودون، وهل هم أحياء أم أموات”، دون أي ذكر لمسؤولية نظام الأسد عن مقتل أو إخفاء شخص واحد.

يشير هذا الأسلوب في تحميل المسؤولية لطرف دون الآخر إلى انتهاك لأخلاقيات الصحافة والموضوعية، ويدل على توجه سياسي ينكر مسؤولية أكثر الأطراف إجرامًا في سوريا وهو نظام الأسد الذي وثقت جرائمه التي لا تحصى وبشاعتها منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة والمحاكم العادلة.

الصحف العمانية تتبع الرواية الحكومية والموقف السياسي للدولة، وهي بذلك تبتعد عن الصحافة الحقيقية، وتندرج في إطار البروباغندا. هذه الظاهرة ليست غريبة على دول المنطقة التي تسيطر على وسائل الإعلام من خلال الحكومات ومواليها.

تصدر في عمان خمس صحف بالعربية، جميعها حكومية أو تابعة لموالين للحكومة. أما جريدة “الزمن“، الصحيفة العمانية التي كانت تحاول أن تخرج عن الخط المرسوم لها، فقد أوقفتها السلطات العمانية وسجنت صحفييها وحكمت عليهم بالسجن والغرامة المالية، بسبب مقال يكشف ضغوطًا حكومية على القضاء العماني للتأثير على الحكم في قضية إرث. وفي عام 2017، أُغلقت جريدة “الزمن” نهائيًا بقرار من القضاء العماني.

لا تعتبر حال الصحافة في عمان منفصلة عن الوضع السياسي والحقوقي في البلاد، التي تخضع لحكم ملكي مطلق، حيث لا يسمح الدستور العماني بالأحزاب السياسية. تقيّد عمان جميع الحقوق السياسية والحريات المدنية، وتفرض عقوبات جنائية على النقد والمعارضة، وتنتهك الحريات الشخصية وحقوق الإنسان، وتلاحق المعارضين والمنتقدين ولو بكلمة، والصحفيين والناشطين، وتميز بشكل صارخ ضد المرأة.

أصدر المركز العماني لحقوق الإنسان تقريره لعام 2020، وتحدث فيه عن ممارسة المخابرات العمانية الضغط والترهيب على بعض الناشطين في الداخل، وكذلك على أهالي بعض الناشطين الذين يعيشون في الخارج. وذكر التقرير التحرش الجنسي والعنف المنزلي الذي تتعرض له عاملات المنازل، وإجبار المدافعات عن حقوق المرأة على إغلاق حساباتهن في مواقع التواصل الاجتماعي. تحدث التقرير أيضًا عن الرقابة على الكتب والمطبوعات، وملاحقة المنتقدين وسجنهم.

لعمان أيضًا سجل حافل في تقارير المنظمات الدولية، إذ صنفت منظمة “فريدوم هاوس” عمان من الدول غير الحرة لعام 2020. وصنفت “مراسلون بلا حدود” عمان في المرتبة 135 من بين 180 دولة من حيث حرية الصحافة لعام 2020. أما “العفو الدولية” فتحدثت في مذكرتها عام 2021 إلى الأمم المتحدة عن استمرار عمان بانتهاكات حقوق الإنسان. كما تحدثت “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها السنوي لعام 2012 عن استمرار السلطات العُمانية بحجب الصحف والمجلّات المحلية المستقلّة الناقدة للحكومة، ومضايقة الناشطين، واعتقال الأفراد بسبب هويتهم الجندرية، وضعف الحماية للعمّال المهاجرين الذين يشكلون حوالي نصف السكان وسط تفشّي فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19).

يقترب عدد سكان عمان من خمسة ملايين، نصفهم من العمالة الوافدة. رغم ذلك لا توجد صحف عمانية متخصصة بشؤون نحو مليونين ونصف مليون وافد، وهو ما يغيّب أخبارهم وشؤونهم عن المجتمع العماني.

إغفال الصحافة العمانية الجرائم الكبرى المرتكبة بحق السوريين ليس فقط انتهاكًا لأخلاقيات الصحافة، بل هو تواطؤ مع المجرم ضد الضحية، ومعارضة لمبدأ العدل وعدم الظلم. هو تواطؤ مع قاتل ومغتصب الأطفال والنساء، ومع من قتل شبعه بالسارين والكلور، وهجر نصف شعبه، ضد من ظلمهم. لا ينتهك هذا التواطؤ أخلاقيات المهنة الصحفية وحسب، بل يتنافى مع مبادئ الشريعة الإسلامية التي تعتمدها عمان في دستورها دينًا للدولة وأساسًا للتشريع، فنصرة المظلوم وإحقاق العدل أحد الواجبات الإسلامية. أما الصحفيون فعليهم نصرة المظلوم بالكلمة وعدم إخفاء الحقيقة على الأقل، “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ”.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة