تعا تفرج

بعض سقطات المبدعين

ع ع ع

خطيب بدلة

بينما أنا، محسوبكم، أقلب صفحات “يوتيوب”، إذ عثرتُ على أغنية كوكب الشرق أم كلثوم التي تقول لازمتُها: “إلى فلسطين طريق واحد يمر من فوهة بندقية”.

توقفت، بل تخشبت كاللام ألف، ورحت أسأل نفسي وأبناء جيلي المنتكسين المهزومين، أنْ كيف كنا ننسجم، ونتمايل طربًا مع هذه الأغاني التي تثير قشعريرة الجسم، أو كما يقول اللبنانيون “يتشّ شعرُ بدننا لدى سماعها”، ولا يخطر لنا أن نتفكر في معانيها؟ وأتاني الجواب من نفسي، أنْ رُقْ يا رفيق، وتمهل، فالأغنية سُجلت في سنة 1969، وهي من إبداع ثلاثة عباقرة أنت تحبهم، وتقدرهم، كتبها نزار قباني، ولحنها محمد عبد الوهاب، وغنتها أم كلثوم!

قلت: نعم، وهذه هي المصيبة، بل الطامة الكبرى. يا سيدي، لا شك أن الأغنية من مخلفات هزيمة 1967 التي جاءت بوصفها نتيجة حتمية لوجود الأنظمة الدكتاتورية المتخلفة، المتخصصة باعتقال معارضيها، وتمجيد قادتها، ورفع الوضيعين ومحاربة العباقرة، ومع ذلك، لم يواجه المبدعون الحكامَ بحقيقتهم، ولم يسائلوهم عن أسباب الهزيمة التي جعلت مساحة إسرائيل تتضاعف مرتين، بل راحوا يستنهضون معنويات الشعب الغلبان، تحت شعارات الصمود، والتصدي، وغسل آثار العدوان. تصور، يا رعاك الله، الشاعر الكبير نزار، الذي كتب “هنا جريدتُه، في الركن مهملة، هنا كتابٌ معًا كنا قرأناه، على المقاعد بعضٌ من سجائره، وفي الزوايا بقايا من بقاياه…” يكتب كلامًا أهوج، يقول فيه: “أريد بندقية، خاتم أمي بعتُه، من أجل بندقية، محفظتي رهنتُها، من أجل بندقية، اللغة التي بها درسنا، الكتب التي بها قرأنا، قصائد الشعر التي حفظنا، ليست تساوي درهمًا، أمام بندقية”! نزار قباني، نفسه، الذي أكد لنا، عشية الهزيمة، أننا خسرنا الحرب لأننا دخلناها بكل ما يملك الشرقي من وسائل الخطابة، بالطبل والربابة، والعنتريات التي لم تقتل ذبابة. دع نزار جانبًا وانظر إلى حالنا اليوم، ترَ وتدرك، أنه لا البندقية، ولا سبطانات المدافع، ولا الصواريخ الباليستية قادرة على تحرير شبر مما تحتله إسرائيل، “والله يستر ما تخسّرنا هالأنظمة الخرندعية بقية أراضينا”.

الحقيقة أن هذه القصائد والأغاني التي تقال في لحظات انفعالية صاعقة يجب أن تطوى، وتغلف، وتوضع في مكان مهمل من خزائن التاريخ، ويجب النظر إليها بوصفها أقوالًا فاشلة كان لها ما يسوغها في لحظة من اللحظات. ولكن الذي يحصل هو العكس، فالأنظمة الفاشلة نفسها تضعها في صدر مناهجنا المدرسية، مثل القصيدة التي قيلت في “فتح عَمُّورية”، المقررة لطلاب الصف السابع، وفيها يدخل علينا “أبو تمام” بحكمة لا يوجد أسوأ منها تقول: “السيفُ أصدقُ إنباءً من الكتبِ، في حده الحد بين الجِدّ واللعبِ”، يا رجل، ما ذنب هؤلاء الطلاب المساكين الذين لم تنبت لحاهم، ولم تطر شواربهم، حتى ينشغلوا بمثل هذه القصيدة، وهم لا يعرفون أين تقع عمورية، ولا متى فُتحت، أو لماذا فتحت؟ وكل ما يكسبونه من هذه الجولة (الفكرية) الرهيبة، أن الحضارات تُشَاد بالسيوف، وأما الكتب وما فيها من علم وفن وفكر وفلسفة فلا محل لها من الإعراب، علاك بعلاك.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة