زمن الولائم ولّى.. السوريون يستقبلون رمضان بلا طقوس

إفطار عائلة سورية على ركام الأبنية التي قصفها النظام في غوطة دمشق (الأناضول)

ع ع ع

عنب بلدي – جنى العيسى

صار التوفير الاقتصادي خيارًا لا بد منه على موائد الأسرة السورية، وينطبق ذلك على شهر رمضان المقبل، دون أي حلول من شأنها أن تخفف من معاناة الناس، سوى الحديث عن انفراجات قريبة على صعيد جميع الأزمات، وزيادة على الرواتب لا يراها المواطنون إلا على الموقع الإلكتروني للحكومة.

يأتي توقيت شهر رمضان في العام الحالي، بالتزامن مع أزمة معيشية يعانيها السوريون لأسباب عديدة، منها نقص المواد الأولية التي يُعتمد عليها في طهو أي وجبة بسيطة، والغلاء الذي لا يتوازى مع حجم دخل الفرد الشهري.

تدفع هذه الظروف السوريين لتغيير كثير من عادات مارسوها منذ سنوات طويلة عند استقبال شهر رمضان، بالتحضير لموائد طعام وطقوس خاصة لإحياء الإفطارات الجماعية المشتركة.

رمضان المقبل يختلف

خالد وحود، رب أسرة مكونة من ثمانية أشخاص في مدينة حمص، يعمل موظفًا حكوميًا في النهار براتب 56 ألف ليرة، وسائق سيارة أجرة (تاكسي) بعد انتهاء دوامه الأول، ولديه ثلاثة شباب يعملون أعمالًا يومية حرة، ومع هذا كله بالكاد يحصل على قوت عائلته اليومي.

“نعاني الأمرَّين في ظل هذا الوضع الصعب، ونعمل ليل نهار لتأمين حاجيات المنزل ولا نستطيع”، ولكن حول موائد رمضان، أوضح خالد أن لشهر الصوم طقوسه الخاصة، لذا عمل على الاستغناء عن أكلات اللحوم والدجاج قبل فترة، مقابل زيادة عدد الوجبات الدسمة خلال شهر رمضان.

من حسن حظ خالد أن أولاده قادرون على مساعدته في تلبية حاجيات المنزل، الأمر الذي لا يملكه يوسف سليمان (38 سنة)، المقيم في مدينة درعا، فهو رب أسرة مكونة من خمسة أفراد، يعتمدون في مصروفهم على دخل يوسف العامل في تربية الأبقار.

وقال يوسف لعنب بلدي، إن عمله لم يعد يكفي الاحتياجات الأساسية التي تحتاج إليها أسرته، نظرًا إلى ارتفاع أسعار الأعلاف وتكاليف إضافية يتطلبها العمل بمهنته.

وحول شهر رمضان، أوضح يوسف أن فارق الأسعار بين رمضان المقبل ورمضان الماضي كبير جدًا، ففي العام الماضي كان يشتري كيلو الدجاج الحي بـ1500 ليرة، في حين وصل سعره اليوم إلى 5000 ليرة.

“الدجاج من المأكولات المهمة في رمضان التي كنا نأكلها في الماضي أكثر من خمس مرات بالشهر، ولكن في العام الحالي اختلف الوضع كثيرًا”، بحسب تعبير يوسف، مضيفًا أن كيلو الأرز مع دجاجة واحدة يحتاج إلى 20 ألف ليرة، عدا التكاليف الإضافية من سمن وغاز وتوابل.

وقالت إيمان، مدّرسة مقيمة في درعا (تحفظت على ذكر اسمها الكامل لأسباب خاصة)، لعنب بلدي، إنها بسبب ظروفها المعيشية تعتبر أن رمضان المقبل سيكون “قاسيًا”، لأن أغلب مستلزمات تحضير وجبتي الإفطار والسحور صارت غالية جدًا، وأكثر بأضعاف من سنوات الحرب السابقة.

يبلغ راتب إيمان حوالي 38 ألف ليرة سورية، بينما يعمل زوجها بأعمال المياومة الزراعية بوتيرة غير منتظمة، ما يجعل دخل الأسرة غير ثابت ومقلقًا لدرجة لا تمكنهم من شراء إلا أقل الضروريات.

وتتراوح الرواتب في سوريا بين 37 ألف ليرة سورية (ثمانية دولارات) كحد أدنى، و663 ألف ليرة (نحو 146 دولارًا) كحد أعلى، بينما يبلغ متوسط الرواتب الشهرية للموظفين في سوريا (في القطاع الخاص والعام) 149 ألف ليرة سورية (32 دولارًا)، بحسب موقع “Salaryexplorer”.

الخضراوات طبق رئيس

مع ارتفاع أسعار اللحوم، تبحث العديد من العائلات السورية عن بدائل لها، بسبب عدم القدرة على شرائها لارتفاع أسعارها.

منير، موظف مقيم في مدينة حلب (تحفظ على ذكر اسمه الكامل لأسباب خاصة)، قال لعنب بلدي، إن أقل تكلفة لوجبة إفطار في رمضان تتجاوز عشرة آلاف ليرة سورية، وبهذا السعر سيستطيع إعداد الخضراوات المطبوخة فقط، مستغنيًا كالكثير ممن يعرفهم عن التنويع في الوجبات أو إضافة اللحم والدجاج إلى أنواع متعددة من الأطعمة.

وقبل أيام قليلة من حلول شهر رمضان، لم تستطع نورا، المقيمة في مدينة حلب (تحفظت على ذكر اسمها الكامل)، شراء المواد الأساسية لوجبات الطعام التي اعتادت على تجهيزها قبل الشهر بأيام، بسبب غلاء أسعار المواد التي ترتفع تلقائيًا مع اقتراب رمضان، وهو ما يفوق قدرتها حتى بالأحوال العادية.

وأضافت نورا أن لأجواء سفرة رمضان التي تعودنا عليها طقوسًا خاصة، متوقعة ألا تقدر على إحيائها كما السابق، كعصائر “التمر هندي”، و”العرقسوس”، و”أقراص المعروك”، إذ ستستغني نورا عن الكماليات مقابل تأمين جزء بسيط من الضروريات.

وقالت “المؤسسة السورية للتجارة”، في 31 من آذار الماضي، إن كمية استهلاك المواطن السوري للحوم تراجعت لأقل من 25% من استهلاكه المعتاد سنويًا.

وأوضح مدير المسالخ في “السورية للتجارة”، مجدي البشير، لصحيفة “الوطن” المحلية، أن استهلاك اللحوم تراجع منذ عام 2010 من تسعة كيلوغرامات للفرد إلى كيلوغرامين سنويًا، مشيرًا إلى أن الأسعار ارتفعت 20 ضعفًا خلال السنوات الماضية.

وكان رئيس “جمعية اللحامين في دمشق وريفها”، أدمون قطيش، قال، في 8 من آذار الماضي، إن 15% من محال بيع اللحوم أُغلقت لتراجع الطلب عليها، محذرًا من أن الثروة الحيوانية في سوريا “مهددة بالانقراض”.

وأوضح قطيش في لقاء مع إذاعة “شام إف إم” المحلية حينها، أن 40% هي نسبة شراء اللحوم بسبب الغلاء، وتقتصر على ميسوري الحال، عازيًا السبب الرئيس خلف ذلك إلى تهريب المواشي صوب “لبنان وشمالي سوريا”.

ولائم رمضان ولّت

صلة الرحم وإفطار الصائم ولمة العائلة على سفرة إفطار رمضان تحمل ذكريات عديدة للسوريين، لكنها صارت الآن مسؤولية لا يقدر عليها ذوو الدخل المحدود.

يتجنب منير، الموظف في حلب، الإفطار في رمضان في غير منزله، فجميع معارفه يعانون ما يعانيه من وضع مالي صعب، واعتبر أن طقوس الولائم في هذه الظروف ستسبب إحراجًا وحملًا زائدًا على الناس.

وأضاف خالد أن “زمن العزائم والولائم ولى منذ زمن”، واقتصرت اجتماعات العائلة على المناسبات الكبيرة كالأعراس فقط، فأقل الولائم تكلفة اليوم بما يكفي عشرة أشخاص، تحتاج إلى 150 ألف ليرة سورية فما فوق.

وبحسب تقرير لصحيفة “قاسيون” الاقتصادية الإلكترونية التي يديرها حزب “الإرادة الشعبية”، في 5 من نيسان الحالي، ارتفعت تكاليف معيشة الأسرة السورية المؤلفة من خمسة أشخاص بنسبة 42% منذ الأشهر الأولى للعام الحالي، لتصل إلى مليون و40 ألف ليرة سورية في آذار الماضي.

“سكبة” رمضان صارت من الماضي

جميلة (تحفظت على ذكر اسمها الكامل)، من سكان مدينة حلب، قالت لعنب بلدي، إن غلاء أسعار المواد الغذائية والدخل المحدود الذي يرِدها، منعاها من إيجاد حلول تمكنها من تأمين حاجياتها خلال شهر رمضان، موضحة أنها مضطرة لأن تكتفي بنوع طعام واحد فقط على الإفطار.

أكثر ما يحزن جميلة، هو غياب طقس “سكبة رمضان” هذا العام، فتفكيرها بمحاولة تدبر أمر بيتها لا يشغل بالها فقط، بل إن كل من تعرفه يؤمّن حاجيات منزله بصعوبة.

وناشد برنامج الأغذية العالمي  (WFP)الأمم المتحدة قبيل مؤتمر “بروكسل” الخامس الذي عُقد نهاية آذار الماضي، بتقديم أموال للمساعدات الغذائية العاجلة لملايين السوريين الذين يواجهون ظروفًا إنسانية سيئة، منذ بداية الحرب.

وقالت المنظمة، عبر بيان نشرته في 28 من آذار الماضي، إن 12.4 مليون شخص في سوريا، أي حوالي 60% من السكان، “لا يعلمون متى سيحصلون على وجبتهم التالية”، وذلك في إشارة إلى تدهور الأوضاع الإنسانية وارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 222% خلال عام.

وذكر برنامج الأغذية أن التدهور الملحوظ هو في المقام الأول نتيجة النزاع الذي طال أمده، والنزوح الجماعي للسكان الذي أدى إلى تآكل سبل العيش والقدرة على الصمود، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية منذ عام 2019.

ومنذ عام 2020، يعيش نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، بحسب ما ذكرته ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا، أكجمال ماجتيموفا، في وقت سابق.

وتتصدر سوريا قائمة الدول الأكثر فقرًا في العالم، بنسبة بلغت 82.5%، بحسب بيانات موقع “World By Map” العالمي.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة