مسلسل “قيد مجهول”.. البحث في اضطرابات النفس ضمن عالم مضطرب

ع ع ع

حصد المسلسل السوري القصير “قيد مجهول”، الذي عرضته مؤخرًا شبكة “أوربت شو تايم” (OSN) ردود فعل واسعة من قبل جمهور المشاهدين الباحثين في زحمة ما تعرضه المنصات المدفوعة عما يشفي عطش أفكارهم، وينطق نيابة عنهم.

ويختار كاتبا “قيد مجهول”، لواء يازجي ومحمد أبو اللبن، عاملًا في ورشة خياطة في الصباح، سائق سيارة أجرة (تاكسي) في المساء، ليتوّجاه بطلًا للعمل، ولكنها بطولة مدفوعة الثمن، إذ يعاني “سمير”، الذي يؤدي شخصيته الفنان عبد المنعم عمايري، من اضطرابات نفسية تفقد شخصيته اتزانها، ويبدو ذلك بوضوح كلما تقدّم العمل في صلب القصة.

أما شخصية “يزن”، التي يؤديها الفنان باسل خياط، فهي الجزء الثاني من الشخصية الأولى، ونقيضها في نفس الوقت، إذ يعاني “سمير”، هذا السائق الخيّاط المغلوب، انفصامًا في الشخصية، وما يسمى علميًا بـ”اضطراب الهوية التفارقي”.

وتخلق هذه الأمراض في شخصية “سمير” شخصًا آخر، ضيف شرف ثقيل الظل على حياة الرجل، لكنه في نفس الوقت يسعى لإكماله، فيمنحه الشخص المختَلق ما تشتهيه شخصيته الطبيعية، الحقيقية، العادية، فإذا كان “سمير” مثال الرجل المهزوم الذي علكته الحياة وبصقته دونما رحمة، فشخصية “يزن” هي التي علكت الحياة نفسها، ما يخوّلها الانتقام والثأر لنصفها الثاني “سمير” أمام كل ما ومن يستهين به ويحقّره.

ويبدأ المسلسل المبني على ثماني حلقات من عقدة درامية، يسعى إلى حلحلتها طوال عمر حلقاته.

والقضية أن جريمة تقع، ويذهب ضحيتها أحد الرجال المتنفذين في السلطة وكواليسها المشبوهة.

وفي الوقت الذي يحاول فيه الضابط الشاب “النقيب خلدون” فهم وتوصيل خيوط القضية، يتساقط قتلى آخرون من شجرة الحياة القريبة والمحيطة بالضحية الأولى، ما يجعل الشبهات تنحصر في إطار المستفيدين والمنتفعين من غياب هؤلاء الضحايا عن المشهد، بما في جعبتهم من أسرار وخفايا ستدفن معهم.

وبالموازاة مع هذا العالم، يعيش “سمير” وأسرته تلك الحياة البسيطة التي تشكل بها نمنمات الاحتياجات اليومية هاجسًا ملحًا عند رب الأسرة.

وعند تعرّض “سمير” لمواقف تحطّ من شأنه وقيمته الإنسانية، يظهر “يزن”، أمير الظل الصديق الذي لا يراه سوى “سمير”، ويحكي عنه لزوجته التي تصدّق وجوده، دون أدنى شك من المسكينة بمدى واقعية زوجها.

يتيح وجود “يزن”، رغم اعتبار هذا الوجود مرضًا، شيئًا من التوازن، أو التوازن الهش في شخصية “سمير”، إذ منح هذا الصديق المختلَق صاحبه شعورًا بالدعم والقوة، وإن كان ذلك كله مبنيًا على هلوسات غير حقيقية تنأى بصاحبها عن ضعفه وسأمه، فتعافه إلى قوّة مفترضة، ومساحة لا رقابة عليها ولا سلطان لأحد.

وعلى أي حال، فعالم “سمير” ككل مضطرب أيضًا، فالفقر والخوف بلا ذنب والإرهاق الذي يعيشه الرجل، كلّها ظروف لا تساعد في علاج الاضطراب، إن لم تؤججه أصلًا.

انتقادات

ويشكل العمل لفتة فنية إلى الدراما السورية الخالصة التي تعكس القضية وتعالجها وتمنح التأثير بمقدار ما تنطوي عليه من ترفيه، لكن طريقة تصوير ضابط الأمن لم تكن موفقة في العمل، وإن كانت فنية، طالما أن الجهاز الأمني في سوريا سيئ الصيت، فيمكن فهم هذا التجميل باعتباره خداعًا للمشاهد.

بالإضافة إلى اتهام العمل من قبل مشاهدين باستنساخ قصة الفيلم الأمريكي “Fight Club” الذي صدر عام 1999، عن رواية الكاتب تشاك بولانيك، التي تحمل نفس الاسم.

“قيد مجهول” تجربة السدير مسعود الإخراجية الأولى لمسلسل درامي استقطب اهتمام المشاهدين بتركيزه على التفاصيل، وسعيه لخلق حالة من التكامل، بين ما يُشاهد وما يُقال خلال المشاهد.

وقال عبد المنعم عمايري في حديث إلى “شام إف إم”، إنه راجع طبيبًا نفسيًا بعد أدائه شخصية “سمير”، لشدّة تأثره بها، هذه الشخصية الهشة التي تلمس الإعجاب عند المشاهد حين يفكّر بما يجمعه بها من قواسم مشتركة.

والعمل من بطولة عبد المنعم عمايري وباسل خياط وهيا مرعشلي ونظلي الرواس وإيهاب شعبان.



مقالات متعلقة


43200

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة