مؤتمر القبائل والعشائر السورية.. ورقة سياسية بأهداف متعددة

ع ع ع

أسامة آغي

عُقد في 7 من نيسان الحالي مؤتمر القبائل والعشائر السورية في بلدة العدوانية التابعة لمنطقة رأس العين السورية، وقد حضر فعالياته أكثر من 120 شخصية عشائرية )شيوخ ووجهاء مناطق وشخصيات بارزة(، إضافة إلى حشد عشائري بلغ بحدود 4000 شخص من العشائر.

المؤتمر هو الثالث من نوعه، إذ سبقه مؤتمر عُقد في اعزاز بنهاية عام 2020، وهذا دليل على أهمية المكوّن العشائري السوري في معادلة الصراع مع نظام الاستبداد في البلاد.

يفصل بين انعقاد المؤتمرين العشائريين الأخيرين أكثر من مئة يوم بقليل، وهو أمر لا يمكن فهمه وتفسيره على أنه اجتماع دوري عادي، فمؤتمرات كهذه تُعقد في العادة سنويًا، أو أكثر من ذلك، وهذا دليل على أن انعقاد المؤتمر الثالث في العدوانية، جاء في سياق تبدلات سياسية متوقعة، ولذلك فإن لهذا المؤتمر أهداف سياسية، بعضها طفا على السطح، وبعضها لم يطفُ.

هناك مؤشرات يمكن الاتكاء عليها لقراءة دوافع انعقاد وأهداف مؤتمر العشائر، الذي يمكن وصفه بأنه مؤتمر استثنائي، ومن هذه المؤشرات، مكان عقد المؤتمر، ونوعية التمثيل السياسي غير العشائري فيه، وخلاصة البيان السياسي الصادر عنه، والأهداف المتوقعة وغير المعلَنة، التي تشكل سببًا لهذا الحدث.

إن اختيار مكان انعقاد المؤتمر ليس من دون رسالة، فمنطقة العدوانية التابعة لمدينة رأس العين في الشمال الشرقي من سوريا (الجزيرة)، هي منطقة نفوذ عسكري أمريكي، يسهم فعليًا في دعم “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، التي يسيطر عليها حزب “الاتحاد الديمقراطي الكردستاني”، وهذا معناه أن الجزيرة تحظى بنفوذ عشائري واسع معادٍ لسلطة الأمر الواقع.

اختيار منطقة العدوانية في الجزيرة مكانًا لعقد المؤتمر، مع تمثيل لمكوناتها الإثنية والدينية، يشير بكل وضوح إلى رفض واقع الحال المفروض على هذه المنطقة المهمة في سوريا، وهذا يبرّر ما جاء في البيان الختامي للمؤتمر الذي أشار صراحة إلى نهب ثروات السوريين الطبيعية، التي تقوم بها الولايات المتحدة في “الجزيرة” وروسيا وإيران في بقية الجغرافيا السورية.

المؤتمر غاب عنه وفد رسمي يرأسه رئيس “ائتلاف قوى الثورة والمعارضة”، في حين حضره أعضاء في الهيئة السياسية من هذا “الائتلاف”، كتعبيرات عن حالات سياسية خارج هذه المؤسسة، وهو مؤشر ليس من دون معنى، إذا ربطنا ذلك بغياب رئيس “الائتلاف” عن حضور مؤتمر العشائر السابق في اعزاز.

والسؤال الأهم، ما دوافع انعقاد هذا المؤتمر “الاستثنائي” للقبائل والعشائر السورية، الذي سبق تنظيم انتخابات محلية، تعمل سلطات الأمر الواقع في الجزيرة والفرات على تنفيذها؟

إن قراءة المشهد السياسي السوري تشير إلى النقاط التالية: الأولى، التي يمكن تثبيتها، هي أن الحل السياسي في سوريا الحالية (كمناطق نفوذ دولية)، لا يزال في مربع عدم التوافق الدولي (الروسي- الأمريكي)، وهذا يعني ضرورة إيجاد حل مؤقت في مناطق النفوذ، ونقصد ضرورة تثبيت الأمن والاستقرار المؤقتين في مناطق النفوذ، وإحداث تنمية اقتصادية اجتماعية سياسية مؤقتة، ما يسهم في تثبيت الوضع السكاني والمعيشي في هذه المناطق، ولعلّ مؤتمر العشائر يذهب في هذا الاتجاه المؤقت.

النقطة الثانية التي أراد مؤتمر القبائل والعشائر تحديد موقف منها هي أن دورًا سياسيًا واجتماعيًا ينتظر هذه العشائر، ويقوم هذا الدور على رفض عمليات التغيير الديموغرافي وقرارات التجنيس التي أخلّت بالتوازن المجتمعي في سوريا، وهذا يتطلب التأكيد على خروج جميع القوى الإرهابية، والميليشيات الطائفية، والقوات الأجنبية المعادية للشعب من سوريا

انعقاد المؤتمر في العدوانية بمنطقة عمليات “نبع السلام”، هو رسالة للأمريكيين تقول: “إن القبائل والعشائر في الجزيرة والفرات، ومن الأغلبية الساحقة من مكوناتها، لا تقبل أن تنفرد سلطة الأمر الواقع التي تشرف عليها (قوات سوريا الديمقراطية) بالتحكم بالمنطقة وسكانها، ولهذا ستواجه هذه الخطوات برفض لكل نتائجها”.

كذلك فإن حضور وفود تمثّل عشائر الفرات في مؤتمر العدوانية (هذه العشائر الرافضة للاحتلال الإيراني لمناطقها)، يمثّل تفارقًا سياسيًا، يقوم على رفض أي دور إيراني في منطقة الفرات خصوصًا، وفي سوريا عمومًا، وقد جاء في البيان الختامي لمؤتمر القبائل والعشائر: “رفض المشروع الإيراني الذي يتخذ من محافظة دير الزور مركزًا له لتشييع المنطقة”.

مؤتمر العدوانية للقبائل والعشائر السورية وجّه رسائل باتجاهات مختلفة ومتعددة، بما فيها رسائل لروسيا التي يعتبرها أعضاء المؤتمر سببًا رئيسًا لاستمرار المأساة السورية، نتيجة دعمها غير المحدود للنظام السوري المستبد على الأصعدة العسكرية والسياسية والدبلوماسية، وهذا يعني تصنيفها كقوة احتلال في سوريا.

هذا المؤتمر، يمكنه أن يلعب دورًا مفصليًا في تعزيز دور الحاضنة الشعبية بالمناطق المحررة في دعم مؤسسات المعارضة، مثل تعميق دور “الحكومة المؤقتة” في ضبط الحياة السياسية والاقتصادية والقانونية والأمنية في مناطق الشمال السوري (غصن الزيتون ودرع الفرات ونبع السلام)، وكذلك في تشكيل قاعدة تأييد واسعة لـ”هيئة التفاوض السورية” وفريق المعارضة في اللجنة الدستورية.

فما دام هناك تعطيل للحل السياسي لملف الصراع السوري على أساس القرار “2254”، فهذا يتطلب إعادة النظر بوضع مناطق الشمال المحرر، التي يجب أن تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل منطقة جذب للسوريين كمنطقة استقرار حقيقية. هذا الدور الحاسم يمكن للقبائل والعشائر السورية في الشمال السوري المحرر وفي منطقة شمال شرقي سوريا ومحافظة دير الزور أن تلعبه.

إننا أمام استحقاقات مرحلة الحل المؤقت، هذا الحل لن تتغير في المدى المنظور ترتيباته في مناطق النفوذ الرئيسة، وهذا قد يسهم في إقناع الروس والنظام وحلفهم، أن سوريا لا يمكن أن تعود إلى مربع حكم الاستبداد، وبالتالي على الروس أن يفهموا جيدًا أنهم لن يقدروا مهما حاولوا على تمرير إعادة إنتاج نظام الاستبداد، تحت أي ظروف سياسية أو معيشية أو إقليمية.

لا ينبغي النظر إلى مؤتمر القبائل والعشائر السورية بنسخته الثالثة، على أنه مؤتمر استعراض وحشد مؤقت، بل تجب قراءة تداعيات عقده في منطقة العدوانية، ومساحة التمثيل السياسي والعشائري فيه، على أنها الخطوة الأولى باتجاه تغييرات قادمة لا محالة، تشمل كل مكونات المرحلة التي لا تزال موجودة بحكم العطالة السياسية.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة