بسبب التعذيب.. معتقلون سوريون يخرجون من دون ذاكرة

صورة تعبيرية

ع ع ع

عنب بلدي – جنى العيسى

في 8 من نيسان الحالي، نشر “تجمع أحرار حوران” صورة لشاب هزيل قيل إنه فاقد للذاكرة، ملامحه تحمل كثيرًا من التعب، فاشتبهت به العديد من العائلات الفاقدة لأبنائها المعتقلين في سجون النظام السوري.

وتواصلت ثلاث عائلات من محافظة درعا مع “التجمع”، كل عائلة شكّت بأن الصورة تعود لابنها المعتقل، والمنقطعة أخباره منذ ثماني سنوات على الأقل.

أسرع ذوو العائلات الثلاث لمقابلة صاحب الصورة الموجود في حديقة عامة بدمشق، ليتبين فيما بعد أنها مجرد شكوك، وأن صاحب الصورة عن قرب لا يشبه أيًا من أبنائهم.

وأوضح “التجمع” بعد أيام من انتشار الصورة، أنها تعود إلى شاب من محافظة إدلب، مصاب بانفصام في الشخصية، وفُقد منذ عشرة أيام تائهًا عن منزل ذويه.

هذه الحالات تنتشر كل فترة في وسائل التواصل الاجتماعي، وتقول صفحات معنية بمتابعة شؤون المعتقلين، إنها تعود لأشخاص خرجوا من المعتقلات بعد سنوات، فاقدين لذاكرتهم.

المعتقلات في سوريا ليست كالسجون، فكلمة معتقل لها دلالة مختلفة، ففي السجن يمكن للسجين أن يأكل ويشرب ويتواصل مع أهله ويشاهد التلفاز، كما أنه يكون محكومًا بمدة معيّنة يعرف نهايتها.

أما المعتقل فهو محجوز في مكان قد يتعرض فيه للتعذيب في كل لحظة ولا يعرف فترة إقامته، ويكون ممنوعًا من التواصل مع أحد من أهله وذويه، ومفصولًا عن العالم خارج حدود المعتقل على جميع جوانب الحياة، وسط انتشار الأمراض المعدية والأوبئة وسوء التغذية، كل هذه الأسباب تجعل المعتقلين عرضة لكثير من الاضطرابات والأمراض النفسية إن استطاعوا مواصلة الحياة داخل هذه المعتقلات.

يتغلب الدماغ على الألم فيحجب الذاكرة

بعد عشر سنوات من القمع والاعتقالات والإخفاء القسري أنهكت تفاصيلها السوريين، لم يعد خفيًا عليهم ما يتعرض له المعتقلون داخل السجون من تعذيب وإهمال متعمد قد يودي بحياتهم النفسية قبل أن يمس أرواحهم.

يتوقع أهالي المعتقلين خروج أبنائهم الذين دخلوا المعتقل أصحاء بعمر الشباب، أشخاصًا آخرين تمامًا أثقلهم العذاب الجسدي والنفسي، وسنوات الاعتقال الطويلة كفيلة بأن تودي بهم إلى أمراض نفسية كالهذيان والفوبيا وفقدان الذاكرة.

طبيب الأمراض النفسية محمد الدندل، قال لعنب بلدي، إن فقدان الذاكرة بعد الأزمات النفسية، ينتج عن ألم شديد في الدماغ عندما يكون بمأزق، ويكون المصاب به غير قادر على تحمله، فتعمل آليات الدفاع النفسي على حجب هذه الذاكرة.

ويعتبر فقدان الذاكرة شكلًا من أشكال حماية الدماغ من حجم الألم الذي تسببه الصدمات النفسية، كالتعذيب في السجون أو الخوف بعد الاغتصاب أو الاختطاف أو صدمات نفسية أخرى مؤلمة.

وأضاف الدندل أن فقدان الذاكرة بعد الأزمات النفسية من الممكن أن يكون جزئيًا لفترة معيّنة، أو انتقائيًا لتفاصيل معيّنة فقط.

فقدان الذاكرة الانفصامي

يعرّف فقدان الذاكرة الناتج عن الصدمة النفسية بـ”فقدان الذاكرة الانفصامي”، وهو حالة لا يستطيع فيها الشخص تذكر معلومات مهمة عن حياته، وقد يقتصر فقدان الذاكرة على مواضيع محددة، أو قد يشمل الكثير من تاريخ حياة الشخص وهويته ومعارفه، بحسب موقع “Web MD” الطبي.

ويتصدر الإجهاد العقلي الشديد بعد التعرض لصدمات نفسية، السبب الرئيس لفقدان الذاكرة النفسي.

ويعتبر فقدان الذاكرة الانفصامي إحدى الحالات التي تسمى “الاضطرابات الانفصامية”، وهي أمراض عقلية يحدث فيها انهيار في الوظائف العقلية التي تعمل بسلاسة، كالذاكرة والوعي والإدراك والهوية.

ويمكن لأعراض فقدان الذاكرة الانفصامي أن تكون خفيفة، أو أن تكون شديدة جدًا فتمنع الشخص من القدرة على العمل وممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي.

“الفصل” مرض عقلي خطير

“الفصل” هو مصطلح دارج لدى المعتقلين في سوريا، اسمه العلمي انفصام الشخصية المعروف بـ”Shizophrenia”، وهو من أكثر وأشهر الظواهر التي تحدث لدى المعتقلين.
بلال معتقل سابق لدى النظام السوري يقيم الآن في هولندا (تحفظ على نشر اسمه الكامل لأسباب خاصة)، قال لعنب بلدي، إن أكثر ما حذره منه رفاقه المعتقلون قبله، عندما دخل إلى المعتقل، هو “الفصل”.

وأضاف بلال أنه رأى معتقلين يتصرفون بغرابة (كالحديث الوهمي على الهاتف مع أقاربهم، ونوبات الصراخ التي قد تنتابهم بعد أيام من الهدوء)، فحذره صديقه في المعتقل منذ اليوم الأول من أن يصبح وضعه كوضعهم إذا ما فكر كثيرًا بحال ذويه المنتظرين خروجه، أو إن تذكر حياته قبل المعتقل.

عمل بلال طوال تسعة أشهر في المعتقل، عن إرادة كاملة آمن بها، على عدم التفكير بأي شيء خارج حدود المعتقل خوفًا من حالة الانفصام التي حدثت أمامه لأشخاص أصحاء كانوا طبيعين قبل ساعات فقط.

ما تجنبه بلال في أثناء المعتقل نجا منه، لكنه عاش بعد خروجه سنوات من اضطرابات نفسية أثرت على شخصيته، عانى فيها الأرق الشديد من تفكيره بتلك الأشهر التسعة، والخوف من أي صوت مفاجئ قد يسمعه في لحظة هدوء.

ووفقًا للمعهد الوطني للصحة العقلية (NIH)، يعد انفصام الشخصية مرضًا عقليًا خطيرًا، يؤثر على طريقة تفكير الشخص وشعوره وتصرفه، فيبدو المصاب كأنه فقد الاتصال بالواقع، وتتمثل أعراضه بالهلوسة والأوهام واضطراب في أفكار الشخص العامة، مع مشكلات في التركيز والانتباه والذاكرة.

وتعد أسباب انفصام الشخصية معقدة وليست مفهومة حتى الآن، لذا تركز العلاجات الحالية للمرض على علاج الأعراض المتعلقة بالأداء اليومي للشخص، بحسب “NIH”.

وبحسب حديث طبيب الأمراض النفسية محمد الدندل، فإن مريض انفصام الشخصية  لا يفقد ذاكرته، إنما تتشكل لديه ذاكرة وهمية، كأن يتكلم عن أحداث لم تجرِ أصلًا ولكنه يعتبر أنه عاشها بيقين.

وبلغ عدد المعتقلين اعتقالًا تعسفيًا في سوريا نحو 150 ألفًا، أكثر من 87% منهم في سجون النظام السوري، وفق بيانات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وعدد المختفين قسرًا نحو 100 ألف، أكثر من 84% منهم يُتهم النظام السوري بتغييبهم، منذ آذار عام 2011 حتى آب عام 2020.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة