النفاق بين السياسة والدين

ع ع ع

إبراهيم العلوش

مع بدء شهر رمضان المبارك، تنتشر الأحاديث والأناشيد الدينية، لكن المنافقين يحوّلون البُعد الروحي لتلك الأناشيد إلى أبعاد غير نزيهة تتسم بالنفاق أسوة بالأغاني والخطب السياسية التي ينتجها نظام “البعث”!

قبل أيام قليلة، ظهرت الأنشودة الدينية التي قدمها تلفزيون النظام السوري “نجم تبدّى” للفرقة الدينية “مداح الحبيب”، التي وصفت بشار الأسد بأوصاف خارقة وذات بُعد ديني، مع حزمة من النفاق الطائفي، وهذا يستحضر من جديد نفاق الشبيحة منذ الثمانينيات عندما سجدت فرقة فنية لحافظ الأسد، وصولًا إلى مشاهد “مين ربك ولاه” التي ظهرت بداية الثورة السورية.

قبل النفاق الديني انطلق النفاق السياسي في الستينيات لتمجيد “البعث” وقادته وأفكاره، واعتبر المنافقون أن أي انتقاد لـ”البعث” ولحكامه هو تأخير للوحدة العربية ولبناء المجتمع الاشتراكي، وكانت المعتقلات تنتظر من يقصّر في مسألة نشر النفاق كعقيدة سياسية لدولة “البعث”، سواء كانوا مقصرين في قبول النفاق الرسمي، أو مقصرين في إنتاج النفاق وتوزيعه على الناس من خلال مؤسسات الدولة والمدارس والمؤسسات التعليمية من مرحلة “الطلائع” وصولًا إلى المراحل الجامعية التي تميّز منافقوها بحمل مسدسات “الماكاروف” الروسية في الثمانينيات.

وكان للمؤسسات الدينية الرسمية دور كبير في نشر النفاق، فقد تم استنزاف الجانب المقدس من صلاة الجمعة في النفاق، وفي تدريب الناس على قبول النفاق واعتباره من مكونات حياتهم، وذلك أسوة بجهود حزب “البعث”، الذي اعتبر النفاق لغة التفاهم الوحيدة بين الرفاق وقادتهم، وكذلك أسوة بمؤسسة الجيش التي اعتبرت النفاق عقيدة قتالية، فكل قطعات الجيش تبدأ اجتماعاتها الصباحية بعبارة “قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد”، وتحولت تلك العبارة إلى عبارات مماثلة لتصل أخيرًا إلى منتهى الوضوح والتدمير وهي “الأسد أو نحرق البلد”.

لقد مُنع خطباء الجوامع من تناول الحياة اليومية للناس ومعاناتهم الشخصية والمعيشية، وأمورهم الروحية المباشرة، وتم ابتكار نماذج للخطب الجاهزة المذيَّلة بتوجيهات المخابرات مع حضور عنصر من “الأمن العسكري” أو “الجوي” أو غيرهما لتدقيق أداء الخطيب، ورصد سلوك الناس وهم يتلقون جرعات النفاق الأسبوعية المغلفة بالأحاديث والآيات القرآنية. وهذا استثمار لإنجازات النظم السابقة لحزب “البعث” ولعائلة الأسد، فالنفاق والدعاء للحكام توطّد في المؤسسات الدينية خلال قرون من حكم الاستبداد المغولي والمملوكي والعثماني حتى وصل إلى إنتاج كثير من خطباء الجمعة “البعثيين” الذين يكتبون التقارير بالمصلين.

ومع بداية الثورة السورية، تحرّر يوم الجمعة وصار موعدًا للاجتماع والتظاهر ضد الاستبداد، وصارت أسماء الجُمع تعبّر عن حلم الناس بالحرية، وبقبول الآخر الطائفي أو الكردي أو المسيحي، وكانت الشعارات تنطلق من أمام المساجد تصدح “واحد.. واحد.. الشعب السوري واحد”، وهذا ما كان يغيظ رجال النظام في المخابرات وفي الجيش الذين يستندون في استمرار طغيانهم إلى منظومة “فرّق تسد”!

ومع إصرار النظام على تدمير سوريا، ورفضه أي تنازلات تمس مصالحه وتمس قدسية استمراره التي عمل على ترسيخها أكثر من أربعة عقود، ومع دخول التطرف الديني والتدخلات الخارجية سواء لدعم النظام ومساعدته على تدمير سوريا، أو من قبل أصدقاء سوريا الذي ساعدوا على تمزيق ثورتها، برز منافقون صغار ولكنهم لا يقلّون شراسة عن المنافقين الكبار، فمقابل النفاق المتقن لمفتي النظام أحمد حسون، وألاعيبه المسرحية في تطويع الخطاب الديني ورميه على الأرض من أجل خدمة النظام ودول الاحتلال الأجنبي، برز منافقو تنظيمات “النصرة” و”داعش” الذين يتمتعون بقدرات هائلة على إصدار أحكام الموت والتعذيب والتنكيل بالناس، وصارت خطب الجمعة تتحول من نفاق شيوخ “البعث”  المسلحين بالمسدسات وبالتقارير، إلى نفاق شيوخ التطرف الديني الذين حمل بعضهم الرشاشات على منابر المساجد، وخاطبوا المصلين بوصفهم مرتدين لأنهم لا يلتحقون بتنظيماتهم، التي تعتبر قطع الرأس عقوبة دينية مجزية لتأديب الناس، بدلًا من السجون والمعتقلات التي كان يديرها النظام. وكان النفاق المباشر لـ”البغدادي” يحتل مكان النفاق المباشر للأسد، وكان الشرعيون يحملون نفس القسوة والكراهية التي يكنّونها للناس وهم ينتقلون من فصيل مسلح إلى آخر.

لقد نجح نظام “البعث” بجعل النفاق اللغة الرسمية للنقاش العام السياسي أو الديني، وحوّل الفن إلى لوحات وأغانٍ لعبادة القائد وعبقرية القائد، وحوّل الخطب والدروس الدينية إلى وسائل لحشد المزيد من المنافقين لذلك القائد أو حامل السلاح، أو حامل المال والرشى، وحتى الحياة الأدبية والثقافية كانت تعج بالنفاق وبعبادة القائد، ولعل أوضح تجلٍّ لها في دور الشاعر أدونيس الذي جال بقصائده على الحكام من السعودية إلى إيران، وها هو ينضم إلى نصرة الأسد وشبيحته بحجة أن هذه الثورة خرجت من المساجد!

النفاق صار مثل الغازات الكيماوية ومثل التلوث البيئي، لقد أفسد حياتنا السياسية والدينية، وحوّل الكثير من رجال الدين إلى مهرجين وبائعي أوهام ومروجين للذل والاستبداد، ومع بداية شهر رمضان، صرنا نتجنب الكثير من مروجي الأدعية المنافقين ومن موزعي التبريكات الدينية بحلول الشهر الكريم على الشبكات الاجتماعية دون أن يقدموا لقمة خبز تشبع جائعًا من أهلهم أو من جيرانهم أو من معارفهم على الأقل.

وقد تم تصدير النفاق إلى الدول المجاورة، فتجد مجموعات دينية لاجئة تمتدح رئيس هذه الدولة أو تلك، ويدعون للرئيس ولحكومته، ويسألون الله أن ينالوا جنسية البلد الجديد عبر تلك الأدعية المنافقة، وقد نالوا الكثير من المكاسب بسلاح النفاق الذي تدربوا عليه في ظل حكم “البعث” وعائلة الأسد، رغم أن الدين الإسلامي يجعل المنافقين بمرتبة الشياطين!



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة