“قيد مجهول”.. ما الاستثنائي؟

ع ع ع

نبيل محمد

باب العالمية مفتوح دائمًا أمام أي ناقد أو فنان أو مخرج ليدخِل عبره ما يشاء من المحتويات التي يتعرّض لها، لا مشكلة في ذلك، فليس هناك بوّاب يدقق أوراق الداخل إلى العالمية، وبمجرد أن ينال عمل ما شهرة محلية بسيطة أو مبالغًا بها، يصبح هذا العمل بنقرة “ENTER” تنشر “البوست” أو “التويت” عالميًا، أبطاله عالميون، مخرجه عالمي، مؤلف الموسيقى أيضًا عالمي، لدرجة أنك ولتكرار وصفه بالعالمية حينما تذهب لتشاهده عبر الشبكة، تترك الوسائل التقليدية للبحث، وتتجه إلى شبكات عالمية قد عرضته فلا تجد.

“قيد مجهول” مسلسل غزا “السوشيال ميديا” السورية، وصارت صور عبد المنعم عمايري المأخوذة من لقطات من المسلسل، لكثرة انتشارها، تحمل رسالة مفادها أن شخصية درامية واقعية تعكس حال المواطن السوري اليوم قد جاءت بها الدراما السورية أخيرًا، أو أن المسلسل بشكل عام هو أول خطة باتجاه إنتاج دراما حديثة، وفن إبداعي، بعد السنوات المريرة التي مرت بها البلاد. الآن أصبحت هناك مدرسة درامية سورية جديدة، مسحت ما قبلها، لتعلن ولادة فن جديد. تبطّن أغلبية المنشورات حول المسلسل هذه المعاني، التي لا يوجد أي تجسيد لأي واحد منها في العمل.

دراما نفسيّة بوليسية، لم تحقق أي تقدم على مقولة أن الدراما البوليسية السورية لم تنجح يومًا في سوريا، ولم تكن في مصاف الدراما الاجتماعية أو التاريخية أو حتى البيئة الشامية (كما تدعى)، كانت دائمًا عملًا ضعيفًا متكلفًا في واقعيته، ضحلًا في خياله، معتمدًا بحبكته على السينما العالمية، ولئن تطوّرت إمكانيات وأدوات الإنتاج، وقدرات الممثلين، والميزانيات، فهذا لن يبث في هذه الدراما روحًا جديدة، سيظل المحقق الذكي مفتقدًا لمثيله في الواقع، وأحادي الصفات دراميًا، وستظل أجواء المافيا بليدة، تلك عوائق لم يقفز فوقها “قيد مجهول”.

لم يخرج عمايري البطل الأول للعمل عن سياق شخصية واحدة قدّمت كثيرًا من الأعمال الدرامية ولوحات “بقعة ضوء” من خلالها، المواطن المعذَّب، القادر على البكاء دائمًا، الضعيف الهزيل الفقير، منعدم الشخصية في كثير من الأحيان، وكذا باسل الخياط بالشخصية القوية المؤثرة، الباب حاريّة الموديرن أي من دون ديكورات وملابس باب الحارة إن صح التعبير، ولم تخلُ القصة من ثغرات عديدة في بنائها القصصي وشخصياتها. الزوجة بشخصيتها المتغيرة جذريًا بين أوائل الحلقات وأواخرها، المافيا المقحمة في العمل، التفاصيل التي بإمكان الشرطة تتبعها في القضية لكنها تنأى عن ذلك لأسباب غير واضحة، صراخ فايز قزق، تقديم المعنى العام للطبقية من خلال خطاب مباشر يلقيه الغني السارق المافيوي على مسامع الفقير المظلوم.

يعيب العمل أيضًا أنه حاكى أفلامًا عالمية بعينها، وضمّن حركات كاميرا وحوارات ليست أصيلة كليًا، وهو أكثر انتقاد تم تكراره في حق العمل، والمقصود هنا محاكاته لمشاهد في فيلم “Fight Club” لديفيد فينشر 1999. لكن هذه العيوب كانت ستمر ببساطة دون أن يعقّب عليها أحد لولا المحاولات المتكررة لتقديمه بصورة العمل الاستثنائي، المختلف عن سواه، ما المختلف هنا؟ ما الجديد؟ شخصيات حضرت أمامنا في عشرات الأعمال سابقًا، مشكلات وثغرات واضحة في البناء الدرامي، محاولة محاكاة الواقع بالشخصيات فقط، مقابل محاولة فاشلة لتركيب الواقع ضمن الحكاية، خطاب مباشر جاف هنا، وعمق ورمزية كثيفة هناك، موسيقى مستهلكة تحاكي مقطوعات الأرجنتيني غوستافو سانتاوللا في فيلم “بابل” 2006. كل شيء عادي، كل تلك المشكلات تعانيها أغلبية الأعمال الدرامية السورية، وينجو منها القليل النادر. فما المميز هنا؟ هل تكفي الكاميرا الاحترافية، والخروج من عباءة المسلسل الرمضاني، لتخلق العالمية لمنجز يمكن أن تجد في كل عام نظيره محليًا يمر دون لفت أنظار؟



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة