فرط النشاط الجنسي أو ما يعرف بالسلوك الجنسي القهري

صورة تعبيرية

ع ع ع

د. كريم مأمون

إن التعبير عن الجنس هو جزء طبيعي في دورة حياة الإنسان، وكما أن نقص الرغبة الجنسية أو ما يعرف بالبرود الجنسي هو اضطراب مرضي، وكذلك فإن زيادة معدل الرغبة الجنسية بشكل غير طبيعي، خاصة إذا تسبب ذلك بحدوث مشكلات للشخص أو للآخرين، هو اضطراب جنسي مرضي أيضًا، ويسمى مرض فرط النشاط الجنسي أو السلوك الجنسي القهري.

ما المقصود بالسلوك الجنسي القهري؟

يُعرف السلوك الجنسي القهري في بعض الأحيان باسم فرط الرغبة الجنسية، أو فرط النشاط الجنسي، أو الإدمان الجنسي.

وهو انشغال مفرط بالتخيلات أو الدوافع أو المثيرات أو السلوكيات الجنسية التي يصعب السيطرة عليها، ما يدفع المريض إلى ممارسة الجنس بصورة مفرطة، ويسعى لها بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة، فيقوم بسلوكيات جنسية ممتعة بالنسبة له، كالعادة السرية أو الجنس عبر الإنترنت أو مشاهدة المواد الإباحية أو ممارسة الجنس مع أكثر من شريك أو غيرها، لدرجة أن تصبح هذه السلوكيات هي المحور الأساسي للحياة، ما يسبب القلق والتوتر للمريض، ويؤثر سلبًا في الصحة، والعمل، والعلاقات الاجتماعية، والروتين اليومي للحياة.

وهو أمر لا يقتصر على الرجال فقط على عكس المعتقد السائد، بل يمكن أن تعاني منه النساء أيضًا، ولكنه أكثر شيوعًا لدى الرجال.

ويزداد احتمال الإصابة بهذا المرض في حال سهولة الوصول إلى المحتوى الجنسي، كما هي الحال في أيامنا هذه بعد التقدم التكنولوجي الكبير، ووجود الإنترنت في أجهزة الجوال الخاصة، وإمكانية الحصول على المعلومات الجنسية المكثفة بسهولة، كما أن تكتم المريض على الأنشطة الجنسية القهرية وحرصه على إبقائها خصوصية يسمح لهذه المشكلة بالتفاقم مع الوقت.

ما أعراض السلوك الجنسي القهري؟

قد يتكون النشاط الجنسي القهري من سلوكيات جنسية مقبولة تحولت إلى إدمان، وقد ينطوي على خيالات أو نشاطات خارجة عن العرف والقانون أو السلوك الخُلقي المقبول، وتشمل تظاهرات هذا المرض:

• التخيلات الجنسية والرغبة الشديدة والسلوكيات الجنسية المتكررة بكثرة، والتي تأتى دون القدرة على السيطرة عليها.

• شعور المريض بتراجع التوتر بعد القيام بالسلوك الجنسي، وربما لا يشعر بالذنب بعد القيام بعمل جنسي غير مشروع، وشعوره بأنه مدفوع إلى ذلك.

• محاوله السيطرة على الرغبة الجنسية أو التخيلات ولكن دون جدوى.

• يكون السلوك الجنسي القهري هو الحل للهروب من مشكلات نفسية أخرى، مثل الوحدة والقلق والتوتر والضغط النفسي.

• الاستمرار بالانخراط في السلوكيات الجنسية رغم احتمال وجود عواقب وخيمة لها وتسببها بمشكلات كبيرة، مثل خسارة علاقة مهمة، أو حدوث مشكلة بالعمل أو ضائقة مالية أو مشكلات قانونية.

• عدم القدرة على إقامة علاقة سليمة ومستقرة.

ما أسباب السلوك الجنسي القهري؟

لا يوجد سبب واضح وراء السلوك الجنسي القهري، ولكن قد تشمل بعض الأسباب المرتبطة به ما يلي:

خلل في الناقلات العصبية بالدماغ: تساعد مواد كيميائية معيّنة في المخ (مثل السيروتونين، والدوبامين، والنورأدرينالين) على تنظيم الحالة المزاجية، وقد يسبب ارتفاع مستويات هذه المواد في زيادة الرغبة الجنسية، والسلوك الجنسي القهري.

تغيرات في الدوائر العصبية بالمخ: قد يبدأ الأمر بفرط في الرغبة الجنسية، ويتحول بمرور الوقت نتيجة عدم إدارته بشكل صحيح ليصبح إدمانًا، وهو ما قد يتسبب بدوره بتغيرات في الدوائر العصبية للدماغ، ومثل أنواع الإدمان الأخرى، فإن المريض ومع مرور الوقت يصبح بحاجة إلى محتوى جنسي أكثر كثافة وتحفيزًا من أجل الشعور بالإشباع والراحة والرضا.

الحالات التي تؤثر في الدماغ: قد تكون التغيرات البيوكيماوية أو الفيزيولوجية الدماغية المصاحبة لبعض الأمراض، مثل الصرع والخرف، مرتبطة بحدوث خطر متزايد للمشكلات السلوكية، بما في ذلك التغيرات الشخصية والسلوك الجنسي غير المناسب اجتماعيًا، مثل فرط الجنس.

زيادة النشاط الممرض في مسار الدوبامين بالدماغ: نتيجة خلل نفسي في أثناء الهوس، أو دوائي كأثر جانبي من ناهضات الدوبامين المستخدمة لعلاج مرض باركنسون، يرتبط مع مختلف أنواع الإدمان وقد ثبت أنه قد تكون النتيجة فرط النشاط الجنسي.

كيف تُشخَّص الإصابة بالسلوك الجنسي القهري؟

يقوم الطبيب أو اختصاصي الصحة النفسية بإجراء تقييم نفسي يتضمن الإجابة عن أسئلة حول الصحة البدنية والعقلية، والكيان العاطفي عمومًا، والأفكار والسلوكيات والأفكار القهرية الجنسية التي يصعب السيطرة عليها، وتعاطي الأدوية المنشطة والكحول، والأسرة والعلاقات والوضع الاجتماعي، والمشكلات الناجمة عن السلوك الجنسي المفرط.

لذلك على المريض أن يساعد الطبيب على وضع التشخيص وذلك من خلال:

· التخلص من أي خجل أو إحراج والتركيز على فوائد الحصول على العلاج.

· التذكر أن الكثير من الأشخاص يعانون من السلوك الجنسي القهري.

· التذكر أن كل ما يقال للطبيب أو استشاري الصحة العقلية سيظل في سرية تامة.

ويستخدم اختصاصي الصحة العقلية الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، كدليل لتشخيص مشكلات الصحة العقلية، ولا توجد فئة تشخيصية خاصة بالسلوك الجنسي القهري في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، لذلك قد يتم تشخيصه باعتباره انحرافًا في السلوك الجنسي.

كيف يمكن علاج مرض السلوك الجنسي القهري؟

يمكن للسلوك الجنسي القهري غير المعالَج أن يضر باحترام الشخص لذاته، ويؤدي إلى ظهور حالات صحية عقلية أخرى، مثل الاكتئاب والتفكير في الانتحار والحزن الحاد والقلق، ويؤثر على الحياة المهنية بسبب عدم التركيز في العمل وربما البحث عن مواقع إباحية عبر الإنترنت في العمل، وقد يؤدي إلى شرب الكحول أو الإدمان على المخدرات، وأحيانًا التعرض للملاحقات الجنائية والاعتقال بسبب انتهاكات جنسية.

ولكن مع العلاج، والمساعدة الذاتية، يمكن إدارة المشكلة، والهدف الأساسي من العلاج التحكم في الشعور الجنسي الملح، وتقليل السلوكيات الجنسية المفرطة، مع الحفاظ على الأنشطة الجنسية الصحية.

وعادة ما يشمل العلاج:

أولًا: العلاج النفسي، والمسمى أيضًا بالعلاج بالكلام، يساعد على تعلم كيفية السيطرة على السلوك الجنسي القهري، وتشمل أنواع العلاج النفسي:

1-  العلاج السلوكي المعرفي (CBT): الذي يساعد المريض على تحديد المعتقدات والسلوكيات غير الصحية والسلبية، ومحاولة تغييرها، بالإضافة إلى تأكيد فكرة قبول الذات، والتخلص من الإحساس بالذنب، والسعي للتغيير.

2-  العلاج النفسي الديناميكي: علاج يركز على زيادة الوعي بالأفكار والسلوكيات اللاواعية التي تدفع المريض للإفراط في السلوك الجنسي، وتطوير رؤى جديدة لهذه الدوافع وتقليلها، وحل النزاعات النفسية الداخلية.

ثانيًا: الأدوية، فقد تساعد بعض الأدوية لأنها تعمل على المواد الكيميائية بالدماغ المرتبطة بأفكار وسلوكيات وسواسية، أو تقلل من الحوافز الكيميائية التي توفرها هذه السلوكيات عند أدائها، أو تقلل من الرغبة الجنسية، ويعتمد اختيار أفضل دواء مناسب لكل مريض على حالته وإصابته بمشكلات صحية عقلية أخرى أو إدمان، وعادة ما تكون الأدوية الموصوفة مستخدمة في الأساس لعلاج حالات أخرى، ولكنها قد تؤثر بشكل أو بآخر في السلوك الجنسي المفرط، وتشمل:

1-  مضادات الاكتئاب: قد تساعد بعض مضادات الاكتئاب (فلوكستين وباروكستين وسيرترالين) المستخدمة في علاج الاكتئاب أو القلق أو اضطراب الوسواس القهري على علاج السلوك الجنسي القهري.

2-  النالتريكسون: يُستخدم بشكل عام لعلاج إدمان الكحول والمواد الأفيونية، وهو يمنع جزء الدماغ الذي يشعر بالاستمتاع مع بعض السلوكيات المسببة للإدمان، لذلك قد يعالج أيضًا السلوك الجنسي القهري.

3-  الأدوية التي تساعد على استقرار الحالة المزاجية (مثل الليثيوم): تُستخدم هذه الأدوية بشكل عام لعلاج الاضطراب ثنائي القطب، ولكنها قد تقلل من الرغبة الجنسية القهرية.

4-  مضادات الأندروجين (مثل ميدروكسي بروجستيرون): تقلل هذه الأدوية من الآثار البيولوجية للهرمونات الجنسية (الأندروجينات) لدى الرجال، وتقلل من الرغبة الجنسية، لذا فهي تستخدم لدى الرجال الذين يشكل سلوكهم الجنسي القهري خطرًا على الآخرين.

5-  الهرمون المطلق للهرمون مولتن (LHRH): يقوم هذا الدواء بتقليل الأفكار الجنسية القسرية من خلال تقليل إنتاج التستوستيرون.

ثالثًا: مجاهدة النفس، على الرغم من صعوبة التغلب على النشاط الجنسي القهري، فإنه يجب مجاهدة النفس على اتباع المهارات الصحية في أثناء العلاج، وذلك من خلال:

· الالتزام بتناول الأدوية الموصوفة والمواظبة على حضور جلسات العلاج.

·  إيجاد مخارج صحية لتصريف الدوافع الجنسية من خلال التمرين والنشاطات الإبداعية.

· تجنب السلوكيات الجنسية غير المشروعة، والعمل على علاج تعاطي الكحول أو المخدرات.

· تجنب السلوكيات الخطيرة التي قد تورط في ممارسات جنسية غير صحيحة، كالابتعاد عن الملاهي الليلية أو البارات أو الأماكن التي قد يوجد فيها شركاء جنسيون جدد، وكذلك الابتعاد عن الكمبيوتر وتثبيت برامج على الجوال تمنع المواقع الإباحية.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة