لا أبيض ولا أصفر.. موسم صعب لذهب الرقة

جرار يحرث الأرض في ريف الرقة الشمالي (عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي – نور الدين رمضان

يواجه مزارعو الرقة في الموسم الحالي صعوبات تنبئ بموسم خاسر يؤثر على أوضاعهم المعيشية، كونهم يعتمدون على الزراعة كمصدر دخل رئيس، يتراجع وضعهم المعيشي بتراجعه، ويتحسن بتحسنه.

معظم مزارعي المنطقة الشرقية من سوريا، يتعاملون مع أصحاب المحال التجارية طوال العام بالدَّين، ويدفعون ديونهم مع بيع محاصيلهم، لكن تراجع المحاصيل قد لا يساعد المزارعين في تسديد ديونهم التي استجروا فيها موادهم التموينية الرئيسة.

القطن.. ذهب يواجه التملح

من أبرز مشكلات الموسم تملح التربة في الأراضي الزراعية، الذي يجبر المزارعين على الاستغناء عن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية قد تصل أحيانًا إلى ثلث مساحة الأرض الكلية.

والتملح هو ارتفاع نسبة الملوحة في التربة الزراعية، ما يحوّلها تدريجيًا إلى تربة غير صالحة للزراعة، وأسباب التملح في الرقة نتجت عن عدم تنظيف “المصارف المائية” وهي جداول وممرات مائية صغيرة تمر بين الأراضي الزراعية في الرقة.

أحمد الخلف، مزارع من قرية السلحبية في ريف الرقة الغربي، قال لعنب بلدي، إن ارتفاع نسبة ملوحة التربة ناتج عن تحول أراضٍ زراعية إلى مستنقعات، بسبب تجمع المياه نتيجة عدم تنظيف “المصارف المائية” بجانب الأراضي.

وعبّر عن خشيته من زياة التملح خلال المواسم المقبلة، وبالتالي زيادة مساحة الأراضي غير الصالحة للزراعة إذا استمر تجاهل هذه المشكلة من الجهات المسؤولة.

خالد الخميس، مزارع من قرية الخاتونية غربي الرقة، تحدث لعنب بلدي عن تقديمه عدة طلبات إلى لجنة الزراعة والري التابعة لـ”مجلس الرقة المدني” لتنظيف “المصارف” في قريته والقرى المحيطة بها بعد أن تحولت إلى خطر حقيقي على الأراضي الزراعية، لكن لم تنفذ أي جهة تنظيفًا لـ”المصارف” منذ 2013، رغم مناشدات المزارعين.

عضو في لجنة الزراعة والري التابعة لـ”مجلس الرقة المدني”، تحفظ على ذكر اسمه، أكد لعنب بلدي تلقي شكاوى المزارعين، وجرى إطلاق عدة مشاريع لتنظيف “المصارف”، لكنها لم تكن ذات جدوى بسبب المساحة الشاسعة لتلك “المصارف”.

وأوضح عضو المجلس أن السنوات العشر الأخيرة أنهكت القطاع الزراعي في المحافظة، موضحًا أن طول “المصارف” التي تحتاج إلى تنظيف يصل إلى أكثر من 400 كيلومتر، بينما توجد ست آليات لدى اللجنة منها أربع تعمل فعليًا، مقسمة على تنظيف “المصارف” وإصلاح القنوات وهي لا تكفي مطلقًا.

ارتفاع التكاليف وقلة المياه

مزارعو الأراضي المتبقية الصالحة المزروعة بالقطن يصارعون ارتفاع التكاليف وقلة مياه الري، بسبب انخفاض مستوى نهر “الفرات”، ما ينذر بموسم بإنتاج قليل، خاصة أن زراعة القطن تحتاج إلى ري وفير.

محمد الحسين، مزارع من ريف الرقة الجنوبي، اضطر هذا العام لزراعة 20 دونمًا فقط من القطن، وهي أقل من نصف المساحة التي زرعها العام الماضي، والتي كانت 50 دونمًا، بحسب ما قاله لعنب بلدي.

وأشار إلى أن تكلفة الدونم الواحد هذا العام قد تصل إلى قرابة نصف مليون ليرة سورية، بعد أن كانت 200 ألف ليرة العام الماضي، بسبب انهيار قيمة الليرة السورية.

أحمد العلي، مزارع من بلدة المنصورة في ريف الرقة الغربي، قال إنه امتنع عن زراعة أرضه بالقطن لهذا العام، لأن ذلك صار مجازفة كبيرة بسبب تكاليف الزراعة أولًا، وقلة مياه الري ثانيًا، ما دفعه إلى زراعة محصول الكزبرة، وهو من المحاصيل البعلية ولا يحتاج إلى تكلفة عالية.

وقال حسين الرجب، مهندس زراعي من ريف الرقة الجنوبي، إن سائر المزروعات الصيفية تواجه خطرًا حقيقيًا هذا العام بسبب قلة المياه، وتحدث عن ضرورة وجود خطة زراعية شاملة في المنطقة، توضع من قبل مختصين زراعيين.

وحذر المهندس الزراعي من إمكانية فشل المنطقة زراعيًا في حال لم يجرِ إيجاد حلول حقيقية تنقذ ما تبقى من الزراعة.

ويقتصر الدعم الزراعي الذي تقدمه لجنة الزراعة والري التابعة لـ”مجلس الرقة المدني” على المازوت المدعوم بسعر 75 ليرة سورية لليتر الواحد، والسماد بسعر 17 دولارًا ونصف لكيس سماد “اليوريا” (50 كيلوغرامًا)، بحسب ما قاله أحد أعضاء اللجنة لعنب بلدي، مرجعًا قلة الدعم إلى ضعف إمكانيات اللجنة.

الذهب الأصفر ليس أفضل حالًا

بعيدًا عن حرائق محاصيل القمح في العام الماضي، شهد الموسم وفرة كان المزارعون بحاجة إليها، سببتها وفرة مياه الأمطار.

لكن هذا الموسم يبدو خاسرًا، إذ اضطر مزارعون، منهم محمد النجم، إلى تقليل مساحة أرضه المخصصة لزراعة القمح هذا العام.

محمد (40 عامًا)، قال لعنب بلدي، إنه زرع 20 دونمًا هذا العام بالمقارنة مع 50 دونمًا زرعها العام الماضي، لارتفاع أسعار البذور والأسمدة والمبيدات الزراعية عن الأعوام السابقة بسبب انخفاض قيمة الليرة السورية أمام الدولار.

مكتب الوقاية بلجنة الزراعة والري في “مجلس الرقة المدني”، حذر من ظهور الآفات الزراعية مبكرًا هذا العام في محصول القمح، وطالب الفلاحين برش المبيدات الحشرية الضرورية، وعدم التهاون فيها حتى لو كانت أسعار الأدوية مرتفعة.

ويتوقع المهندس الزراعي حسين الرجب، من ريف الرقة الجنوبي، في حديث إلى عنب بلدي، انخفاض مساحة الأراضي المزروعة بالقمح بالمقارنة مع الأعوام الثلاثة الماضية، بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي وقلة المياه.

وحذر المهندس الزراعي من أن مزارعين آخرين قد يتركون أراضيهم، وينتقلون إلى مهن أخرى تؤمّن دخلًا أفضل، ما يسبب تراجع كمية المحاصيل الزراعية هذا العام.

وتعتبر مناطق الجزيرة السورية من أكثر المساحات المزروعة بالقمح خلال العقود الأخيرة، إذ حافظ مزارعو المنطقة على استدامة زراعة محاصيل القمح والقطن التي كانت تندرج ضمن المحاصيل الاستراتيجية في سوريا.

حرب أسعار مقبلة؟

ينذر ضعف المحصول هذا العام بسباق بين الجهات الحكومية في سوريا للحصول على أكبر قدر من المنتجات الزراعية من الفلاحين، كما حصل في العام الماضي، عندما شهدت الجزيرة السورية سباقًا في استقطاب القمح من “الإدارة الذاتية” وحكومة النظام السوري، فضلًا عن قرارات تقييد البيع بحرية.

ومن بوادر هذه المنافسة على القمح هذا الموسم، التعميم الذي أصدرته هيئة الاقتصاد والزراعة في “الإدارة الذاتية” لشمال شرقي سوريا، ونصّ على منع الاتجار بمادة القمح أو احتكارها.

وحذر التعميم من نقل مادتي القمح والشعير في عموم المناطق إلا بموجب “شهادة منشأ” من مديريات ولجان الزراعة، مرفقة بمهمة شحن رسمية من قبل شركة تطوير المجتمع الزراعي.

وكان وزير الزراعة في حكومة النظام السوري، محمد حسان قطنا، وعد، في أواخر عام 2020، بأن يكون عام 2021 عام القمح في سوريا، لكن “اتحاد الفلاحين” في سوريا أعرب عن تخوفه مطلع العام الحالي من تأثر المحصول بشكل سلبي، لأن قسمًا كبيرًا منه يعتمد على السقاية، وخاصة للمساحات المروية.

ويحتاج أي محصول ضمن المساحات القابلة للتنفيذ إلى 368 مليون ليتر مازوت، بينما كان احتياج القطاع الزراعي من المحروقات في عام 2019 أكثر من 40 ألف ليتر، فيما خصص للقطاع الزراعي 60496 ليترًا.

وتحتاج سوريا إلى مليوني طن من القمح سنويًا لتأمين حاجتها من الخبز، حسب عدد السكان الحالي، إضافة إلى 360 ألف طن من البذار، ونحو 800 ألف طن للاستخدامات الأخرى من صناعة البرغل، والمعكرونة، والفريكة، والسميد، وغيرها.

يعيش 90% من السوريين تحت خط الفقر، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، وذكرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO)، أن سوريا تواجه، مع 18 دولة أخرى، مخاطر انعدام الأمن الغذائي، وفقًا لتقرير أصدرته المنظمة في 23 من آذار الماضي.

وفي حزيران 2020، حذرت المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، إليزابيث بايرز، من أزمة غذاء غير مسبوقة في سوريا، بسبب تفشي فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد-19)، مشيرة إلى أن تسعة ملايين و300 ألف شخص في سوريا يفتقرون للغذاء الكافي.


أسهم في إعداد هذه المادة مراسل عنب بلدي في الرقة حسام العمر



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة