“على صفيح ساخن”.. ملاحقة “النبّاشين” على حساب كبارهم

عيّاش يتحدث إلى رواد في أحد مشاهد العمل

ع ع ع

يواصل مسلسل “على صفيح ساخن”، لكاتبيه يامن الحجلي وعلي وجيه، جذب اهتمام المشاهد الذي يشعر عند متابعة العمل بشيء من السعادة الغامضة وغير المعلَنة كونه لا يعمل في نبش القمامة، أو صناعة الحلويات.

ويلقي المسلسل كثيرًا من الأخطاء والخطايا على عاتق من يسميهم بـ”النبّاشين”، وعلى بائع حلويات (حلواني) يعجن “المعمول” بحبوب “ترامادول” التي تسبب الإدمان، ويخوض منافسة شرسة للاستئثار بسوق بيع المخدرات، التي يهرّبها بعلب الحلوى.

و”النباشون”، كما يصورهم العمل، فتية صغار مشردون، أبقتهم أقدارهم دون عوائل تحتويهم، ما جعلهم صيدًا ثمينًا لرجال يعملون في فرز القمامة وجمع البلاستيك منها، بغرض التجارة، فشكّلوا العنصر البشري لتجارة يتنافس عليها كثيرون، بحسب المسلسل.

استطاع العمل إثبات نفسه ضمن السباق الرمضاني، مستفيدًا من حساسية القضايا التي يتناولها، والتي يمكن تسخيرها كشماعات لتبرير التفكك الاجتماعي والاقتصادي، لكنه بنفس الوقت أشاح النظر عن مسببي مشكلات المجتمع السوري، ومنها المخدرات، و”نبّاشيها” الحقيقيين، وشدّ نظر المشاهد في اتجاه مختلف كليًّا، فيما يشبه الإلهاء ومواراة سوءة الفاعل.

يتأرجح المسلسل على حبلي تشغيل الأطفال في فرز القمامة، وتصنيع المخدرات، ثم ربط الحبلين ببعضهما لصناعة عقدة درامية ومحاولة حلحلتها في بقية حلقات العمل، ما لم يجرِ تمديده لجزء ثانٍ.

وفي محل لبيع الحلويات، وضمن مطبخ لعجن “المعمول” تدور كواليس عمليات التهريب والبيع، على يد أسرة ذات تاريخ طويل في المهنة، مع إشارة إلى “أبو كفاح”، داعم “أبو كرمو” وهو واحد من أعضاء القيادة في البلاد.

ورغم أن الأسرة “أبو كرمو وأبناء عمه” ذائعة الصيت في الأعمال المشبوهة، فإن أحدًا من قوى الأمن لا يقترب منهم، فالسلطة متواطئة وشريك غير معلن، وبأفضل الظروف إذا كانت جاهلة بما يجري فهي ليست مؤتمنة على حماية المجتمع “إلا من السياسة”.

في مسلسل “على صفيح ساخن”، تجري الأحداث على صفيح بارد، فالقصة رغم وجود أكثر من سبع حلقات على نهايتها، صارت واضحة ومتوقعة، وستعمل في حلقاتها الباقية على تحويل الأطفال “النباشين” إلى شبكة لتوزيع المخدرات.

ويأمل المشاهد باستمرار من الدراما مراعاة منطق الأشياء، حتى في الأعمال الروائية المبنية على قصص لا تعكس حدثًا واقعيًا، لكن جعل الأطفال المشردين شركاء في الجريمة، رغم أنهم ضحية إهمال السلطة، لا يخدم آمال المشاهد مقدار ما يلهيه، لا سيما حين يكون الفاعل الحقيقي معروفًا للجمهور.

وإذا كان القائمون على العمل جمعوا بعض الأطفال ودرّبوهم على تقمّص شخصية “النبّاش”، فهناك فئة “نبّاشين” حقيقية تتحكم بمفاصل الاقتصاد ولقمة المواطن لم يتطرق إليها العمل بما يشفي غليل مواطن مرتبك أمام متطلبات عيشه، بل اختصر الفوضى والخطر الاجتماعي، في أطفال ينامون قرب مكبّات النفاية التي يعملون بها.

“نبّاشون” خارج الدراما

تشير دراسة صادرة عن مركز “COAR” للتحليل والأبحاث (كوار)، في 27 من نيسان الماضي، أن سوريا مركز عالمي لإنتاج “الكبتاغون” المخدّر، وأنها أصبحت أكثر تصنيعًا وتطورًا تقنيًا في تصنيع المخدرات، من أي وقت مضى.

وبلغت قيمة صادرات سوريا من “الكبتاغون” عام 2020، ما لا يقل عن 3.46 مليار دولار أمريكي، وفقًا للدراسة، التي لفتت أيضًا إلى استفادة النظام السوري من توسيع نطاق سيطرته العسكرية على الأرض، ما أتاح له ولحلفائه الإقليميين ترسيخ دورهم باعتبارهم مستفيدين رئيسين من تجارة المخدرات في سوريا.

وبعد وضع قوانين مشددة للمخدرات في أوروبا، منذ بداية العقد الأول في القرن الـ21، جرى دفع الإنتاج إلى الدول الهشة، والقريبة بنفس الوقت من أسواق الاستهلاك الأولية لهذه العقاقير، مثل سوريا ولبنان.

واتجه النظام السوري إلى تهريب المخدرات للعالم بشحنات وكميات تحطم بعضها الأرقام القياسية، إثر تردّي الوضع الاقتصادي في سوريا، نتيجة تمويله آلة الحرب العسكرية، والانخفاض المتسارع في قيمة العملة، جراء السياسات الاقتصادية الفاشلة، ولرغبته في البحث عن مصدر تمويل لا ينضب.

ووفقًا لتقرير نشرته قناة “BBC” البريطانية، في كانون الأول 2020، فإن مقدار شحنة حبوب “الكبتاغون” المخدرة التي انطلقت من سوريا، وتحديدًا من اللاذقية إلى ليبيا، وصودرت في إيطاليا، مطلع تموز 2020، بلغ وزنها نحو 14 طنًا، بتكلفة 900 مليون جنية إسترليني (مليار يورو).

واعتبر التقرير أن الشحنة نتاج جهد منسق بين النظام السوري وحليفه “حزب الله”، المنغمسين في مجال تجارة المخدرات، باعتبارها “مصدر التمويل الأكبر لهما”، وفق ما ترجمته عنب بلدي.

هذه الشحنة التي تعتبر أكبر شحنة مخدرات توقفها السلطات في العالم، نسبتها الشرطة الإيطالية حينها إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”، لكن تقريرًا نشرته صحيفة “دير شبيغل” الألمانية، ذكر أن الشحنة ليست لتنظيم “الدولة الإسلامية”، وأن سامر كمال الأسد، عم رئيس النظام، بشار الأسد، هو من يقف وراء الشحنة التي تبلغ قيمتها مليار يورو، مشيرة إلى إدارته مصنعًا في قرية البصة جنوبي اللاذقية، لإنتاج المواد المخدرة.

وبينت أن مصنع سامر كمال الأسد يتعاون مع رجل الأعمال عبد اللطيف حميد، الذي افتتح مصنعًا للورق في حلب قبل بضعة أسابيع، كما قارنت الصحيفة بين مصدر الشحنات السابقة وكمياتها وأنواع الحبوب المخدرة فيها، ووجدتها متشابهة.

وأعلنت المديرية العامة لمكافحة المخدرات في السعودية، في نيسان 2020، ضبط شحنة مخدرات معبأة ضمن علب متة “خارطة الخضراء” سورية المنشأ، وبلغت الكمية 19 مليونًا و264 ألف قرص مخدر.

وكان النظام السوري سجّل رقمًا قياسيًا سابقًا ضمن تجارة المخدرات وتهريبها في تموز 2019، إذ نقلت وكالة “رويترز” أن خفر السواحل وضباط مكافحة المخدرات صادروا أكبر كمية مخدرات يجري ضبطها في العالم، قادمة من سوريا، ويبلغ وزنها نحو 5.25 طن، وتتكون من 33 مليون قرص “كبتاغون” مخدّر، وقيمتها نحو 587.5 مليون يورو (660 مليون دولار أمريكي).

لم يتطرق “على صفيح ساخن” لأي من الصفقات السابقة، أو القائمين عليها، أو الخاسرين جراء مصادرتها، بل اكتفى كأعمال كثيرة سابقة، بطرح قضية المخدرات دون تقديم جديد، طوال حلقاته الماضية التي قدّمت الوصفة الروتينية ذاتها.

وتتمثل هذه الوصفة بمزج الرياء والتطرف بالدين والفساد، وإلقاء اللوم على المجهول، وتقديم المسؤولين بالكنى الدراجة في الشاشة السورية (أبو كفاح وغيره)، في الوقت الذي يعيش فيه السوريون (خارج الدراما) على صفيح ساخن.

كُتب نص العمل بالشراكة بين علي وجيه ويامن الحجلي، وتدور كاميرا مخرجه سيف السبيعي في العاصمة السورية دمشق، وما حولها، في سبيل معالجة قضايا آخذة بالتفاقم.

وكانت المخرجة رشا شربتجي اعتذرت عن عدم تنفيذ العمل جراء انشغالها بـ”حارة القبة”.

ويتشارك بطولة العمل باسم ياخور وسلوم حداد وعبد المنعم عمايري وسمر سامي وفادي صبيح، تحت مظلة إنتاج “غولدن لاين” و”آي سي ميديا”.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة