الخطوة الدنماركية

ع ع ع

إبراهيم العلوش

لا تزال إجراءات ترحيل بعض اللاجئين السوريين في الدنمارك تتفاعل في أوساط الجاليات السورية بأوروبا باعتبارها إنذارًا مبكرًا يثير القلق بالنسبة لمستقبل اللاجئين، بعد تصاعد نفوذ اليمين المتطرف في أوروبا.

يعيش 30 ألف لاجئ سوري في الدنمارك، ويتعرض حوالي ألف منهم لإجراءات الترحيل إلى سوريا، بسبب حجة الحكومة الدنماركية اليمينية بأن الوضع في دمشق ومحيطها صار آمنًا، ومنهم حوالي المئتين ممن تم ترحيلهم من بيوتهم ونقلهم إلى أماكن احتجاز بانتظار إجراءات الترحيل إلى سوريا. وقد قام السوريون مع أوساط تساند اللاجئين في الدنمارك بالاحتجاج أمام البرلمان، في 21 من نيسان الماضي.

عرف اللاجئون السوريون في تركيا بطاقات المساعدة الدنماركية، والمنظمات الدنماركية مثل “المجلس الدنماركي للاجئين” كانت ذات فعالية لافتة للنظر بأعمالها الإغاثية في المنطقة، ورغم وجود حكومة يمينية الآن في الحكم، فإن المجتمع الدنماركي مثل كل المجتمعات الأوروبية ذو مستويات متعددة، وقد لا يسمح لها بالاستمرار في مخالفة القانون الدولي المتضمن حماية اللاجئين كما تؤكدؤ.

في الجانب المقابل، فإن تضامن اللاجئين السوريين مع الموقوفين ومع من سقطت إقاماتهم، وتجمعهم بأعداد كبيرة بالتشارك مع المنظمات الأهلية الدنماركية، يعتبر خطوة متقدمة يتجاوز فيها السوريون المقولة التي يرددها الآخرون بحقهم: “تعامل السوري ممتاز على الصعيد الشخصي، وتعامله الجماعي والتضامني شديد السوء”.

لقد أثارت الخطوة الدنماركية الكثير من النقاشات في أوساط السوريين بأوروبا، وخاصة بين السوريين الذين ينتظرون صدور قرارات القبول لهم في فرنسا وفي غيرها من دوائر اللجوء الأوروبية، وكذلك بين أصحاب الإقامات المؤقتة، إذ أثارت في نفوسهم المخاوف الكبيرة، خاصة أن مرشحة اليمين المتطرف ماري لوبان في فرنسا مثلًا، كانت بالمرتبة الثانية في الانتخابات الرئاسية الفرنسية السابقة 2017، ومن المتوقع أن تكون الثانية على الأقل في انتخابات 2022 بعد تصاعد الجدل الفرنسي بحق اللاجئين، وبعد مقتل المدرّس صامويل باتي بجريمة وحشية على يد أحد المهاجرين الشيشان في باريس، حيث مالت الآراء نحو استنهاض الأفكار المعادية للاجئين والمهاجرين عمومًا، وجعلت قضيتهم موضوعًا للنقاش السياسي الذي سيتم استثماره في الانتخابات المقبلة.

أما في ألمانيا التي استقبلت ما يقرب من مليون لاجئ معظمهم من السوريين منذ 2015، فإن رحيل أنجيلا ميركل عن السلطة في العام الحالي سيعيد إلى حزبها التوجه اليميني الذي قاومته ميركل في استقبال اللاجئين منذ العام 2015. ولا تزال سياسة خليفتها المحتمل أرمين لاشيت غامضة تجاه اللاجئين بعد أن تم تداول تأييده لبشار الأسد في مراحل سابقة من حياته السياسية.

ورغم الخطوات المهمة التي يخطوها الشباب السوري في أوروبا وتطوير مهاراتهم الاجتماعية، وتسارع تعلمهم اللغة، والدراسة الجامعية، ودخول المهن الجديدة التي لم تكن معروفة إبان وجودهم في سوريا، فإن وجود المنغصات يحد من هذا التفاعل الإيجابي للسوريين في أوروبا، منها الفهم المتشدد للدين، والموقف من المرأة، والعلاقة مع الأطفال، ورفض البعض للقيم الثقافية والحياتية الأوروبية، وعدم الانضمام إلى سوق العمل، وعناد البعض في تثبيت العداوة مع هذه القيم التي يعيشون وسطها بدلًا من إيجاد حلول عملية للتواؤم معها، وإصرارهم على العيش معزولين، كما لو كانوا لا يزالون موجودين في إحدى القرى السورية النائية.

ولعل مشكلة المهور في الزواج أحد أهم الملامح التي تثقل كاهل الشباب السوري، فالكثير من الأهالي يعتبرون ابنتهم ملكًا لهم، ويسعون إلى تحقيق مكانة لهم بطلب آلاف اليوروهات كمهر لها، بالإضافة إلى محاولات التحكم بحياة الزوجين الشابين.

الصعوبة الأخرى أمام سلاسة الوجود السوري في أوروبا هي الاستمرار في الاستجابة لتحذيرات نظام الأسد التي زرعها في عقول السوريين بعدم الانضمام إلى أي تجمع أهلي، ورفض التعاون المجتمعي، ويشمل ذلك بعض الحاصلين على الجنسيات الأوروبية من السوريين.

وهذا مما يفقد السوريين القدرة على التأثير وعلى التضامن أمام تحولات المجتمع الأوروبي المتوقعة ضد اللاجئين، فعدم انضمام اللاجئين إلى جمعيات أهلية، وعدم تفاعلهم الاجتماعي، سيجعلهم وحيدين في وقوفهم أمام قرارات الترحيل وأمام العنصرية المتوقعة.

تضامن السوريين عبر أوروبا وتفاعلهم مع الإعلام ومع الجمعيات المناهضة للعنصرية، ودخول الشباب السوري إلى وسائل التواصل الاجتماعي والسياسي والتفاعل معها، واحتلال نفوذ فيها، سيجعل وصول الرأي السوري إلى المواطن الأوروبي أكثر سهولة. فالإصرار على دراسة الطب والحقوق والهندسة، كما كنا في سوريا، لا يساعد وحده على تثبيت الوجود السوري في أوروبا، فالفنون و”الميديا” والعلوم المجتمعية والسياسية تؤثر في المجتمع الأوروبي وتفتح نوافذ التواصل معه.

لا بد من التضامن مع السوريين في الدنمارك، لأن سوريا لا تزال غير آمنة، بما فيها دمشق ومحيطها، بسبب استمرار حكم الأسد ومخابراته، لكننا ونحن ننتظر حلول السلام والحل السياسي العادل، لا يمكن أن نبقى كسوريين في مواقع اللجوء كتلًا جامدة ترفض التضامن والتشارك وتصر على المواقف التقليدية، ولا يمكن أن نظل متقوقعين على عبادة الذات، متجاهلين تغير الظروف والحياة حولنا وفي داخل بيوتنا أيضًا.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة