تعا تفرج

في سوق النحاسين مجددًا

ع ع ع

خطيب بدلة

احتج عليَّ أحد قراء صحيفة “عنب بلدي”، لأنني نظرت، في العدد السابق من الصحيفة، إلى الانتخابات الرئاسية السورية باستخفاف، وقلت إنّ ترشح ما ينوف على 40 شخصًا لهذه المعركة الانتخابية “متل ضرطة في سوق النحاسين”.

وأما هو، الأخ المحتج، فيرى أن تطورًا هائلًا حدث خلال السنوات الـ21 السابقة، فبعدما كان المجرم المُوَرِّث، حافظ الأسد، “يتقزمع” في خلقتنا، بوصفه المرشح الوحيد للرئاسة من قبل القيادة القطرية، أصبح بمقدور كل مَن يمتلك هوية شخصية مجلدة أن يرشح نفسه في مواجهة المجرم المُوَرَّث بشار الأسد، ليس هذا وحسب، بل أصبح من حق المرشحين الذين ينافسونه أن يقوموا بأعمال الدعاية، وينعموا بفرز حقيقي للأصوات، مع وعد شرف، من المجرم نفسه، بأنه سيصافح الفائز، إذا فاز، ويقول له: وفقك الله لما فيه خير هذه البلاد!

اقتنعتُ، دون أن تخالط قناعتي هواجس سلبية، بوجهة نظر ذلك القارئ الحصيف، وقلت لنفسي إن المجرم المُوَرَّث بشار، في الواقع، أفضل من المجرم المؤسس حافظ، بما لا يقارن، فحافظ لم يكن يحتكر عملية الترشح لرئاسة الجمهورية وحسب، بل كان أزلامه يدققون بأوراق الاستفتاء التي تنزل في الصناديق تدقيقًا صارمًا، ويلعنون سنسفيل مَن تسوّل له نفسه أن يقول “لا”. وقد رويت حكاية جرت أحداثُها في عهده الحقير، ملخصُها أن ضابطًا عسكريًا برتبة رائد، كان مسؤولًا عن دورة طلاب ضباط مجندين، من حملة الشهادات الجامعية، ركب رأسه في أحد الاستفتاءات الرئاسية، ورأسه، كما تتخيلون، جزمة قديمة، وأصرَّ على أن يدخل الطلاب، في أثناء الإدلاء بأصواتهم، إلى الغرفة السرية، بعدما نفضهم محاضرة أطول من حبل الجب، عن الديمقراطية، والعرس الديمقراطي، وحرية الإنسان السوري في اختيار مَن يحكمه، وأنه لا رقابة على الأصوات الانتخابية سوى رقابة الضمير… المهم، لقد أيقن 99 واحدًا من أولئك الطلاب أن هذا الضرب ليس ضرب مُحبين، وأن في الأمر “إنَّ”، لأنهم يعرفون قصصًا كثيرة عن أناس تجرؤوا، وقالوا “لا” في استفتاءات سابقة، وبعدها لم يعد الذبابُ الأزرق بقادر على الوصول إلى أماكن اختفائهم، ولذلك امتثلوا لأوامر الرائد الألْجَقْ (الواطي)، ودخلوا الغرفة السرية، وقالوا “نعم” للمجرم المؤسس، وكان هناك واحد منهم خانته الفطنة، فحكَّم ضميره، وكتب “لا” للمجرم، وخلال أقل من دقيقة تمكن الرائد من معرفته، لأنه كان قد وضع أرقامًا سرية على قفا أوراق الاستفتاء.

المهم، بقى سيدي، يبدو أن الأشخاص الذين قاموا بوضع خطة توريث حافظ لبشار، في سنة 2000، يعرفون أن ديكتاتورية حافظ الأسد ليست سوى زبلة بقرة مَرّ في وسطها دولاب بسكليت، على حد تعبير الروائي التركي الكبير عزيز نيسين، فقسمها قسمتين، هذه من تلك، وتلك من هذه، ومع ذلك يعرفون أن الزمن تغير، والحاكم تغير (من رئيس راكز يقعد ست ساعات ولا يشخ، إلى رئيس عنده عرق هَبَل)، لذلك سمحوا بترشح كل هذا “القطيع” من المرشحين، قائلين لهم: كلكم ستسقطون، ولكن الذكي فيكم هو الذي يكتب على بروفايل ترشحه: بالروح بالدم أفديك يا بشار.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة