الرقة.. الآبار الارتوازية لتخفيف آثار انخفاض منسوب “الفرات”

"غرازة" أو ما يعرف بـ "دقاقة" تحفر بئر ارتوازي في منطقة عين العرب (كوباني) بريف حلب (نورث برس)

ع ع ع

باع نجم الخضر، من سكان مزرعة تشرين في الرقة، منزلًا في ضواحي مدينة الرقة بمبلغ 15 ألف دولار أمريكي، لتغطية التكلفة المادية لحفر بئر ارتوازية في أرضه بمزرعة تشرين بريف الرقة الغربي.

نجم (40 عامًا) قال لعنب بلدي، إنه اضطر لبيع منزله في ضواحي الرقة ليؤمّن مصدرًا دائمًا للمياه لري أرضه الزراعية البالغة مئة دونم.

وخلال العام الحالي، ونتيجة نقص مياه الري وتوقف محطات ضخ المياه، بسبب الانخفاض المستمر في نهر “الفرات”، لجأ مزارعون بريف الرقة لحفر آبار ارتوازية تعتمد على المياه الجوفية لري أراضيهم الزراعية.

ووصف نجم حفر البئر بالصعب لعدة اعتبارات، أولها اختيار المكان عشوائيًا ما يعني أن مكان الحفر قد لا يحوي مياهًا جوفية في أعماق مقبولة، وثانيًا التكلفة الباهظة لحفر البئر والتي قد تزيد أحيانًا على خمسة آلاف دولار تنقسم بين أجور الحفر وتجهيزات مضخات المياه التي تركب لاستخراج المياه.

وتبدأ مرحلة تجهيز البئر الارتوازية عن طريق حفارة تسمى محليًا “دقاقة” أو “غرازة” يتقاضى صاحبها مبلغ عشرة آلاف ليرة سورية عن كل متر واحد يحفره، وقد تتكرر محاولة البحث عن المياه داخل الأرض بأكثر من موقع.

وبعد الانتهاء من الحفر يجري إنزال قساطل معدنية على عرض البئر لمنعها من الانهيار مستقبلًا، ثم تنزل قساطل معدنية أو بلاستيكية يختلف قياسها، بحسب قياس المضخة التي يتم تركيبها، لكن غالبًا ما يتم تركيب مضخة بقياس أربعة إنشات.

غياب المسؤولية

قال المزارع، لعنب بلدي، إن مزارعي الرقة لم يقدَّم لهم دعم من “لجنة الزراعة والري” بأي شكل من الأشكال، رغم عدة مناشدات وُجهت للجهات المسؤولة عن القطاع الزراعي.

وتواصلت عنب بلدي مع أحد أعضاء “لجنة الزراعة والري”، فضل عدم ذكر اسمه، وقال إن اللجنة لا يمكنها تقديم الدعم لهذه المشاريع بسبب تكلفتها المادية المرتفعة.

عضو “لجنة الزراعة” قال أيضًا، إن حفر البئر الارتوازية في بعض الأراضي الزراعية يعتبر خاطئًا بسبب وقوع هذه الأراضي ضمن المساحات المروية بمشاريع الري.

وأُنشئت في الرقة خلال العقود الماضية عدة محطات للري، منها خمس محطات في قرية بئر الهشم بريف الرقة الشمالي التي توزع المياه عن طريق قنوات أسمنتية تصل إلى أراضي الفلاحين بشكل مباشر.

وتقع محطتان في منطقة الكرامة والحمرات بريف الرقة الشرقي، ومحطتان أيضًا في ريف الرقة الجنوبي، وتعتمد تلك المحطات بشكل مباشر على مياه نهر “الفرات” ورافده “البليخ” في ري الأراضي الزراعية.

وبحسب عضو “لجنة الزراعة والري” فإن مساحة الأراضي المروية في الرقة تبلغ 240 ألف هكتار، منها 90 ألف هكتار تروى عن طريق محطات الري، وقسم يروى عن طريق مضخات خاصة للمزارعين الذين تقع أراضيهم على أطراف نهر “الفرات”، وقسم يروى بالآبار الارتوازية.

توجه للزراعة البعلية

إبراهيم الخلف (45 عامًا) من قرية حزيمة بريف الرقة الشمالي، قال لعنب بلدي، إنه اضطر لزراعة محصول الكزبرة تجنبًا لمشكلات الري في العام الحالي.

والكزبرة من المحاصيل التي انتشرت زراعتها خلال السنوات العشر الأخيرة في محافظات الجزيرة السورية، بعد أن كان “أغلبية” المزارعين يركزون على زراعة القطن والقمح والشمندر السكري والذرة.

وأضاف إبراهيم أن الزراعة في الرقة وعموم مناطق حوض الفرات تواجه مشكلات عديدة، أرجعها المزارع إلى غياب سياسة ناجحة لمؤسسات القطاع الزراعي.

وضرب مثالًا على ذلك، “في الموسم الصيفي الحالي لم يبدأ الترخيص الزراعي للحصول على السماد والمازوت حتى نيسان الماضي، وكانت أغلبية الناس إما زرعت وإما قررت عدم الزراعة نهائيًا”.

وبعد الترخيص لدى “لجنة الزراعة والري”، تقدم اللجنة للمزارعين الأسمدة الكيماوية بسعر 17.5 دولار أمريكي للكيس الواحد بوزن 50 كيلوغرامًا، إلى جانب تقديم المازوت المدعوم بسعر 75 ليرة سورية لليتر الواحد لري الأراضي الزراعية ولجرارات الحراثة.

وفي 8 من آذار الماضي، وضعت “لجنة الزراعة والري” دراسة لتخفيض مساحة الأراضي المروية نتيجة لانخفاض مستوى نهر “الفرات”.

واقترحت دراسة “لجنة الزراعة” تخفيض مساحة الأراضي المروية حتى نسبة 12.5%، بعد أن كانت 25% من أصل مجموع المساحات الزراعية في الأعوام السابقة.

لكن مزارعي الرقة لم يلتزموا بهذه الدراسة، بحسب ما قاله عضو “لجنة الزراعة والري”، لعنب بلدي، محذرًا من مخاطر “كارثية” على المزارعين بسبب عدم الالتزام، على حد تعبيره.

مستوى “الفرات”.. المشكلة إقليمية

تتهم “الإدارة الذاتية” التي تدير المنطقة تركيا بحبس مياه نهر “الفرات”، منذ 27 من كانون الثاني الماضي، عبر ضخ كمية لا تزيد على 200 متر مكعب في الثانية من المياه إلى الأراضي السورية، وهو ما تسبب بانخفاض منسوب النهر وأثّر على الزراعة.

والكمية أقل من المتفق عليها بين سوريا وتركيا عام 1987، وهي 500 متر مكعب في الثانية إلى الأراضي السورية، بينما يحصل العراق على نحو 60% من هذه الكمية.

لكن وكالة أنباء “رويترز” نقلت عن خبراء ومسؤولين في تركيا ما يوضح أن المشكلة إقليمية، سببها انخفاض معدل الأمطار السنوي متأثرًا بالتغييرات المناخية.

وبحسب ما نقلته الوكالة وترجمته عنب بلدي، الاثنين 10 من أيار، عن خبراء المياه والمناخ، فإن مخاوف المياه في البلاد لم تنتهِ بعد، وأعداد السدود الكبيرة جزء من المشكلة.

وقالت خبيرة إدارة المياه في مركز “اسطنبول للسياسات”، أكغون إلهان، للوكالة “بدلًا من محاولة تقليل الطلب على المياه، أو تقليل الكمية المفقودة من خلال الأنابيب المكسورة والتسريبات، فإننا نركز فقط على خلق المزيد من الإمداد من خلال بناء سدود جديدة”.

وبنت تركيا أكثر من ألف سد جديد على مدار الـ18 عامًا الماضية، ومن المتوقع الانتهاء من 90 سدًا آخر في العام الحالي، وفقًا للمديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية (DSI) في البلاد.

وتظهر الأرقام من “DSI” أن المياه المتاحة في تركيا تنخفض بشكل مطرد على مدى العقدين الماضيين، من حوالي 1650 مترًا مكعبًا للفرد في عام 2000 إلى أقل من 1350 مترًا مكعبًا في عام 2020.

وتُعرِّف الأمم المتحدة الدولة بأنها تعاني من “الإجهاد المائي” إذا انخفضت حصة الفرد إلى أقل من 1700 متر مكعب سنويًا، ومن “ندرة المياه” إذا وصلت إلى 1000 متر مكعب.

وأصبحت المياه المشتركة مصدرًا متزايدًا للتوتر السياسي بين تركيا وجيرانها في اتجاه مجرى نهر “الفرات”، العراق وسوريا.

وقال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في آذار الماضي، في حفل افتتاح مجلس المياه البرلماني، “لا فرق بين حماية مياهنا وحماية وطننا”.

أسهم في المادة مراسل عنب بلدي في الرقة حسام العمر



مقالات متعلقة


Array

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة