ع ع ع

زينب مصري | نور الدين رمضان | سكينة المهدي

بالمثل القائل “مد لحافك على قد رجليك”، يتخذ عبد الفتاح النجم، وهو موظف في مدينة الرقة شمال شرقي سوريا، أسلوب معيشة له ولعائلته، في بقعة جغرافية تتركز فيها أغلب حقول النفط في البلاد، وتُعد من أغنى المناطق بالثروات الزراعية والحيوانية والمائية.

وعلى الرغم من التنوع والغنى بالثروات الذي تتميز به المنطقة، لم يستثنِ تردي الأوضاع المعيشية في عموم سوريا عبد الفتاح النجم وسكان المناطق الشمالية الشرقية الخاضعة لنفوذ “الإدارة الذاتية” الجهة التي تدير المنطقة وتحدد شكل معيشة الأهالي فيها، عبر القرارات المالية والاقتصادية التي تتبعها.

فمنذ تأسيسها في عام 2014، لم تكتفِ “الإدارة الذاتية” بفرض سيطرتها في المجال الأمني والعسكري على مناطق شمال شرقي سوريا، وامتدت سيطرتها لتشمل القطاع الاقتصادي والمالي وإدارة الثروات الموجودة في المناطق الخاضعة لها.

تسلّط عنب بلدي في هذا الملف الضوء على الموارد الاقتصادية التي تدخل عائداتها خزينة “الإدارة الذاتية”، وتناقش الآلية التي تدير بها تلك الموارد، وانعكاساتها على حياة المواطنين.

“اقتصاد نقدي بدائي” يدير أموال شمال شرقي سوريا

تقاضى عبد الفتاح النجم مبلغ 260 ألف ليرة سورية (نحو 90 دولارًا أمريكيًا) راتبًا عن شهر نيسان الماضي، بعد الزيادة الأخيرة التي أقرتها “الإدارة الذاتية”.

عبد الفتاح (35 عامًا) أوضح لعنب بلدي، أن الراتب الذي يتقاضاه لا يتناسب أبدًا مع احتياجات أسرته المكونة من خمسة أفراد مع زوجته، لذلك يضطر كثيرًا لتجاهل بعض احتياجات العائلة، خاصة مع حالة الغلاء المنتشرة.

وقرر عبد الفتاح أخيرًا فتح دكان صغير بطرف منزله لابنه ذي الـ12 عامًا يبيع فيه المحروقات والمنظفات لتأمين بعض مصاريف للعائلة، بحسب ما قاله.

ويبدو جلال المحمد (30 عامًا)، من سكان مدينة الرقة، مستاء من تدني أجره في إحدى ورشات البناء التي يتقاضى فيها أجرًا يوميًا بحدود سبعة آلاف إلى ثمانية آلاف أحيانًا (نحو ثلاثة دولارات).

ووصف جلال أجره اليومي بالقليل جدًا، كونه يعول عائلته المكوّنة منه وزوجته وطفلين وأمه ووالده، لكنه مجبر على العمل ولو بالقليل حتى يؤمّن ولو بشكل محدود احتياجات الأسرة، بحسب ما أوضحه.

حديث الموظف والعامل اللذين قابلتهما عنب بلدي، لا يعكس حجم الموارد الاقتصادية في المناطق التي تسيطر عليها “الإدارة الذاتية”، وإيراداتها، وعمل ست جهات تُعنى بالشأن الاقتصادي في المنطقة.

بينما اعتبر موظف في هيئة الاقتصاد والزراعة في “الإدارة الذاتية” (طلب عدم كشف اسمه) في حديث إلى عنب بلدي، أن الرواتب الحالية التي تمنحها “الإدارة” مدروسة وجيدة، وهي أفضل من الرواتب الممنوحة في مناطق سيطرة النظام السوري، ومناطق سيطرة فصائل المعارضة السورية، وتسعى “الإدارة” دائمًا لتحسينها وفق إمكانياتها المتاحة.

في المقابل، يرى عيسى، وهو موظف في دائرة مالية تابعة لـ”الإدارة الذاتية”، أن الأخيرة تملك القدرة على مضاعفة الرواتب الحالية لكن مسؤوليها الماليين لا يريدون هذه الزيادة.

ورفض عيسى، الذي استعمل اسمًا مستعارًا، التحدث إلى عنب بلدي عن الأسباب التي تمنع “الإدارة” من زيادة الرواتب وتحسين الأوضاع الاقتصادية.

لكنه ألمح في حديثه إلى تركيز الجزء الأكبر من عائدات الموارد الاقتصادية على القوات العسكرية في شمال شرقي سوريا، لضمان إمكانية الدفاع عن أراضي سيطرتها.

وقال، “يحق لـ(الإدارة الذاتية) أن تعطي القوات العسكرية الدعم المادي الأكبر لضمان بقائها وتقوية مؤسساتها”.

وكانت “الإدارة الذاتية” رفعت الرواتب الشهرية لجميع الموظفين الذين يعملون بموجب عقود عمل قانونية لدى مؤسساتها بنسبة 30% اعتبارًا من مطلع نيسان الماضي.

وتتراوح معدلات الرواتب التي تمنحها “الإدارة” للموظفين بين 200 و350 ألف ليرة سورية (بين 60 و100 دولار أمريكي تقريبًا)، بينما تصل رواتب مقاتلي “قسد” إلى نحو 500 ألف ليرة سورية، بحسب ما رصدته عنب بلدي.

معبر “سيمالكا” الحدودي بين سوريا والعراق (روهاني)

موازنة عامة بعملتين

شهد نيسان الماضي قرارات صادرة عن “هيئة المالية” التابعة لـ”الإدارة الذاتية” لشمالي وشرقي سوريا فيما يتعلق بإقرار قانون الضرائب والتصديق على الموازنة العامة.

وفي 28 من نيسان الماضي، أقر المجلس العام في “الإدارة الذاتية” اعتمادات الموازنة العامة للسنة المالية 2021، بمبلغ 498 مليارًا و772 مليونًا و350 ألف ليرة سورية (171 مليونًا و599 ألفًا و150 دولارًا أمريكيًا).

وتقدر إيرادات الموازنة العامة في 2021 بـ206 مليارات و540 مليونًا و950 ألف ليرة سورية (244 مليونًا و575 ألف دولار).

وحدد المجلس العام لـ”الإدارة” ثلاثة أقسام لموازنة 2021، الأول هو الموازنة الجارية (التشغيلية)، التي تتألف من ثلاثة مقاطع، والموازنة المركزية (للمجلس العام ومجلس العدالة والمجلس التنفيذي) والموازنة المحلية للإدارات الذاتية والمدنية (المجالس التشريعية والأقاليم والإدارات الذاتية والمدنية)، والرواتب.

والقسم الثاني هو الموازنات الاستثمارية التي تذهب للبلديات والمجالس في “الإدارة الذاتية”، والثالث هو الإيرادات المتوقعة (الإيرادات المركزية والإيرادات المحلية في الإدارات الذاتية والمدنية)، بحسب عضو اللجنة النقابية في “المجلس العام” لشمال شرقي سوريا، إبراهيم قس إبراهيم.

وبلغت “الموازنة المركزية” المخصصة لـ”الإدارة الذاتية” 48.39%، أما “الموازنة الإقليمية” المخصصة لـ”الإدارات الذاتية والمدنية” لشمال شرقي سوريا فبلغت 51.61% من الموازنة العامة.

وأرجع إبراهيم قس إبراهيم السبب في التقارب بين نسبة الموازنتين (المركزية والإقليمية) إلى توزيع “المركزية” الرواتب الشهرية لما يقارب ربع مليون موظف، بالإضافة إلى وجود مشاريع استثمارية “ضخمة” بالعملة السورية أو الدولار الأمريكي.
وقال، إن “الإدارة الذاتية” وضعت كتلة مالية معيّنة تكفي لسبعة آلاف موظف لآخر العام مع الزيادات، مشيرًا إلى أن هذا لا يعني توظيف سبعة آلاف شخص بالكامل، ومن الممكن توظيف عدد أقل.

وأوضح أن الموازنة ستكون بالعملة السورية والدولار الأمريكي، لأن “الإدارة الذاتية” تشتري بالدولار كما تشتري بالليرة السورية، إذ تدفع تكاليف الاستيراد بالدولار، وينطبق الأمر نفسه على الإيرادات التي تصل بالعملة المحلية داخليًا، وتصل بالدولار عن طريق المعاملات الخارجية.

وتصدر موازنات الجهات العامة ذات الطابع الاستثماري بقرار من “هيئة المالية”، بعد موافقة المجلس المختص عقب صدور هذا القانون فيما يخص اعتماداته.

رجل يسير أمام مجرى ملوث بانسكاب نفطي بالقرب من قرية الصقيرية في ريف الرميلان في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (دليل سليمان/AFP)

“اقتصاد نقدي بدائي”

وقرر المجلس إلزام جميع الجهات العامة بتحويل إيراداتها إلى صندوق الخزينة العامة لشمالي وشرقي سوريا.

وتكاد تكون البيانات عن إيرادات الميزانية الخاصة بـ”الإدارة الذاتية” غائبة، كما يصعب تحديدًا تعقب كيفية تحصيلها وإنفاقها نظرًا إلى غياب الشفافية حول هذا الموضوع من ناحية، والغياب شبه التام للقطاع المصرفي في المنطقة من ناحية أخرى، بحسب دراسة بعنوان “الاقتصاد السياسي للإدارة الذاتية لشمالي وشرقي سوريا” في 21 من كانون الثاني 2020، للباحث سنان حتاحت.

وذكرت الدراسة أن المنطقة قائمة على مجرد اقتصاد نقدي بدائي، على الرغم من وجود المصارف الحكومية، وتُمول “الإدارة الذاتية” بواسطة مبيعات النفط لحكومة إقليم كردستان العراق والنظام السوري والسكان المحليين، وضريبة الدخل ورسومه، والرسوم على المواد والبضائع المستوردة.

بدأت نواة “الإدارة الذاتية” في 12 من تشرين الثاني 2013، وسُمّيت حينها “المجلس العام التأسيسي للإدارة المرحلية المشتركة”، وانبثق عن المجلس هيئة متابعة إنجاز المشروع لإعداد وصياغة مختلف الوثائق، واستمرت بالعمل حتى الإعلان رسميًّا عن “الإدارة الذاتية الديمقراطية” في ثلاث مناطق، هي “الجزيرة” في 21 من كانون الثاني 2014، وتبعتها عفرين وكوباني (عين العرب) بإعلان إداراتها الذاتية في الشهر ذاته.

ومع توسع المناطق التي أصبحت خاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وسيطرتها على محافظة الرقة أواخر 2017، كانت هناك سبع إدارات ذاتية، هي “الجزيرة، عفرين، الفرات، منبج وريفها، الرقة، الطبقة، دير الزور”.

وفي 6 من أيلول 2018، أعلن “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد)، الجناح السياسي لـ”قسد”، التي تشكل “الوحدات الكردية” عمودها الفقري، تأسيس “إدارة ذاتية” مشتركة في سوريا، بعد اجتماع مغلق عقده المجلس في بلدة عين عيسى بريف الرقة الشمالي، لتكون أول نموذج لـ”الإدارة الذاتية” بشكلها الحالي، وانضمت بذلك إلى الإدارات التي سبق تأسيسها.

وتتألف “الإدارة الذاتية” من المجلس العام للإدارة الذاتية، والمجلس التنفيذي، ومجلس العدالة.

هيئاتها هي: “الاقتصاد والزراعة، الصحة والبيئة، المالية، التربية والتعليم، الداخلية، الشؤون الاجتماعية والعمل، المرأة، الثقافة، الشباب والرياضة، الإدارة المحلية”.

أما المكاتب فهي: “الدفاع، الأديان والمعتقدات، الاستشارة، الإعلام، النفط والثروات الباطنية، التنمية والتخطيط، الشؤون الإنسانية”.

أما الدوائر فاقتصرت على واحدة هي “دائرة العلاقات الخارجية”.

و”مجلس العدالة” في “الإدارة الذاتية” يتألف من 13 عضوًا أُعلن تشكيله في 25 من نيسان 2019.

حركة السوق خلال شهر رمضان في مدينة القامشلي شمال شرقي سوريا (دليل سلميان/AFP)

قانون ضريبي لا يعكس حجم الخدمات

منذ بسط سيطرتها، فرضت “الإدارة الذاتية” ضرائب على 13 شريحة من المهن المختلفة، تشمل حتى أصحاب المهن الصغيرة كالحرفيين والخياطين، “بهدف تطوير الخدمات العامة، ورفع المستوى الاقتصادي، والوصول إلى العدالة الاجتماعية”، وفق ما تُعلن عنه، وسط استياء من الأهالي وشكاوى من الأعباء المالية التي تثقل كاهلهم.

قانون ضريبي جديد

في حين يعاني معظم سكان المنطقة الشمالية الشرقية من تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، أعلنت الرئيسة المشتركة لـ”هيئة المالية”، سلوى السيد، مطلع نيسان الماضي، أن قانون الضرائب الخاص بـ”الإدارة الذاتية”، والمؤلف من 92 مادة، سيدخل حيز التنفيذ في 1 من حزيران المقبل.

وقالت السيد، إن القانون “يعتبر من أكثر القوانين حساسية ودقة، وذلك لتأثيره المباشر على جميع أبناء المجتمع من ناحيتين، الأولى إسهامه في تحقيق العدالة الاجتماعية، والثانية أنه يشكل أحد الموارد لتحسين تمويل الإدارة في عملية تأهيل البنى التحتية ودعم السلع الأساسية والمخصصات المالية للعاملين في الإدارات”.

وقُسمت الضرائب إلى ضرائب مباشرة تشمل ضريبة دخل الأفراد، التي أُعفي منها العسكريون وقوى الأمن الداخلي وعوائل القتلى، وأيضًا العاملون في القطاع الزراعي، إلى جانب ضرائب الآليات، وضرائب أرباح الشركات، أمَّا الضرائب غير المباشرة، فتشمل ضريبة الإنفاق الكمالي وضريبة رسم أو طابع.

هل يحقق القانون أهدافه؟

تعتبر الضريبة من أهم الموارد المالية للدولة لتمويل نفقاتها العامة، ووسيلة فعالة تمكّنها من التدخل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، لكن اختيار النظام الضريبي الملائم يجب أن يكون من خلال معرفة جميع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمجتمع.

وتساعد الضريبة على زيادة العدالة الاجتماعية، باعتبار أنها تُفرض على أصحاب الدخول المرتفعة لتُوزع على أصحاب الدخول المنخفضة.

وعلى الرغم من أن الضرائب المباشرة تعتبر أكثر قربًا من تحقيق العدالة الاجتماعية بالمقارنة بالضرائب غير المباشرة، قد يكون لها أثر سلبي على تحقيق العدالة خاصة في الدول النامية.

إذ إن أصحاب الدخول الضعيفة وخاصة العمال والموظفين، لا تكون لديهم المقدرة على التهرب من دفع الضريبة أو على الأقل محاولة تجنبها، أما أصحاب الدخول المرتفعة مثل رجال الأعمال وأصحاب المهن والتجار، فإن فرص التهرب الضريبي لديهم تكون مرتفعة.

ومع انخفاض قيمة الليرة السورية جراء التدهورات المتتالية التي شهدتها خلال السنتين الماضيتين قبل أن يعود سعرها للاستقرار بعد توحيد سعر الصرف، انخفضت القدرة الشرائية لدخول المواطنين في معظم المناطق السورية على اختلاف جهات السيطرة.

وأصبحت الرواتب والأجور لا تتناسب مع مستويات الأسعار وارتفاعاتها غير المسبوقة وخاصة للمواد الأساسية.

كما أثرت التداعيات الاقتصادية لتفشي جائحة فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) في سوريا، والإجراءات التي تتبعها السلطات للحد من انتشارها من إغلاقات متكررة للمعابر الداخلية والأسواق وفرض حظر التجول، على أعمال المواطنين وخاصة في مناطق نفوذ “الإدارة الذاتية”.

وتصدّرت سوريا قائمة الأكثر عشر دول تضررًا عام 2020 مع زيادة انعدام مستويات الأمن الغذائي بنحو 20 مليون شخص منذ عام 2019، بحسب تقرير صادر عن “الشبكة العالمية لمكافحة الأزمات الغذائية” حول انعدام الأمن الغذائي في العالم.

وبحلول تشرين الثاني 2020، كان هناك 12.4 مليون شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، منهم 11.1 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي بشكل معتدل، و1.3 مليون شخص يعانون من انعدام أمن غذائي شديد، وفق ما ذكره التقرير.

غياب الشفافية يخفي إنتاج النفط في منطقة الجزيرة

تسيطر “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) منذ نحو تسع سنوات على مصادر النفط في شمال شرقي سوريا، وتبيعه لثلاث وجهات رئيسة، هي إقليم كردستان العراق ومناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة فصائل المعارضة السورية.

ويشتري النظام النفط من “قسد” عبر شركة “القاطرجي”، أما مناطق المعارضة فتحصل عليه عبر شركتي “الروضة” و”الحزواني”، بالإضافة إلى ما تستهلكه السوق المحلية، وبعض الكميات التي تهرّب إلى شمالي العراق.

ومنذ خروج حقول النفط في شمال شرقي سوريا عن سيطرة حكومة النظام السوري ودخولها في نطاق سيطرة “قسد”، لا تُعرف بشكل دقيق أوضاعها من جهة الإنتاج وحجم الأضرار التي لحقت بها.

لكن “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” قدّرت في تقرير لها صادر في أيلول 2019، أن الحقول النفطية الخاضعة لسيطرة “قسد” تنتج ما يقارب 14 ألف برميل يوميًا.

واستنادًا إلى شهادات حصلت عليها الشبكة الحقوقية، فإن “قسد” تبيع برميل النفط الخام للنظام السوري بقرابة 30 دولارًا، أي بعائد يومي يقدر بـ420 ألف دولار، وبعائد شهري يقدر بـ12 مليونًا و600 ألف دولار، وبعائد سنوي يقدر بـ378 مليون دولار، باستثناء عائدات الغاز.

وأشارت دراسة الباحث سنان حتاحت إلى أن أرقام الإنتاج النفطي من حقول شمال شرقي سوريا غير مؤكدة بسبب غياب الشفافية المتعمد، ومستوى السرية المرتفع الذي تفرضه “الإدارة الذاتية”، كما أن المعلومات الرسمية حول كيفية إنفاق عائدات النفط غير متوفرة.

وبحسب الدراسة، لم تكشف “الإدارة” عن لائحة زبائنها (مشترو النفط) بسبب العقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة على قطاع النفط السوري العام.

وفي 30 من تموز 2020، وقّع قائد “قسد”، مظلوم عبدي، اتفاقية مع شركة نفط أمريكية من أجل تحديث آبار النفط التي تسيطر عليها القوات بدعم الولايات المتحدة الأمريكية في شمال شرقي سوريا.

التجارة شريان حياة لـ”الإدارة الذاتية”

تعتمد “الإدارة الذاتية” على التجارة الخارجية مع العراق وتبادل السلع مع مناطق نفوذ قوات النظام السوري ومناطق سيطرة المعارضة عبر عدد كبير من المعابر الرسمية وغير الرسمية، كمورد اقتصادي أساسي.

ويربط “الإدارة الذاتية” بالعراق معبرا “سيمالكا” الواقع على الحدود الشمالية الشرقية لسوريا، و”اليعربية” الواقع شمال بلدة اليعربية.

وفي كانون الثاني 2020، استبعدت الأمم المتحدة معبر “اليعربية” مع العراق من المعابر المفوض لها إيصال المساعدات دون الرجوع إلى حكومة النظام السوري، إلى جانب معبر “الرمثا” مع الأردن، بناء على مقترح روسي، بينما أُبقي على معبري “باب الهوى” و”باب السلامة” الحدوديين مع تركيا.

وترتبط المناطق التي تسيطر عليها “الإدارة الذاتية” مع مناطق سيطرة النظام السوري بعدة معابر، بينها معابر للتهريب تخضع لأحكام المهربين والميليشيات، لا سيما في دير الزور مثل معبر “الشحيل” الواقع على نهر “الفرات”، إلى جانب وجود معابر رسمية مثل معبر “التايهة” في منبج، ومعبر “الطبقة” بالقرب من مدينة الطبقة، ومعبر “العكيرشي” في ريف الرقة الجنوبي الشرقي.

وأغلق النظام السوري، منذ 20 من آذار الماضي، المعابر من جانب واحد، أمام الراغبين بالدخول أو الخروج من مناطقه نحو مناطق “الإدارة الذاتية”، وأمام حركة الشحن والنقل التجاري، مستثنيًا الطلبة والموظفين والحالات المرضية.

ويتباين الوضع الاقتصادي في مناطق سيطرة “قسد” الجناح العسكري لـ”الإدارة الذاتية”، إذ حُررت بعض المناطق قبل غيرها بفترة طويلة، ما أدى إلى انتعاش متدرج، بحسب تقرير صادر عن معهد “واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” في 23 من نيسان الماضي.

وقال التقرير، إن الحرب تسببت بتراجع كبير في الروابط التقليدية بين المراكز الاقتصادية المحلية، فالتجارة عبر النهر كانت “مزدهرة” في مدينة دير الزور، لكنها الآن في حدها الأدنى.

وبدلًا من ذلك، أُعيد توجيه هذا النشاط نحو إقليم كردستان العراق، ما أرغم “قسد” على التعامل مع آليات اقتصادية جديدة وسط معالجة المشكلات الأمنية في الوقت نفسه.

وتُعتبر التجارة عبر الحدود “شريان الحياة الرئيس”، بحسب التقرير، إذ تجمع روابط اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية مهمة إقليم كردستان مع شمال شرقي سوريا.

وأضاف التقرير أن المساعدات العابرة للحدود مهمة، ولكن الوضع شبه المستقل الذي يتمتع به الإقليم لا يوفر الظروف الأفضل لمثل هذه المساعدة من وجهة نظر قانونية، وإذا أرادت الحكومة الاتحادية العراقية الانخراط في ذلك، سيتعيّن عليها إعادة فتح معبر “اليعربية”.

وأوضح أن شمال شرقي سوريا سيحتاج في مرحلة ما إلى قاعدة ضريبية، لن يتمكن من توفيرها من دون كسب التأييد المحلي، على الرغم من اختزانه ما يكفي من الموارد الطبيعية لتأمين حاجاته.

وهذا هو الطريق الذي يجب أن تسلكه السلطات، والذي يشمل زيادة الرسوم الملموسة للاستيراد والتصدير، وتوسيع رقعة المساعدات عبر الحدود، إذ إن الاعتماد الكامل على معبر “فيشخابور” (سيمالكا) الواصل بين الإقليم وسوريا غير كافٍ، وفقًا للتقرير.

“هيئة المالية” التابعة لـ “الإدارة الذاتية” (وكالة نورث برس)

ماذا عن التجارة الداخلية؟

يستفيد رجال الأعمال المحليون الذين تربطهم صلات بمسؤولين نافذين في حزب “الاتحاد الديمقراطي” من التبادل التجاري مع النظام، والمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وحكومة إقليم كردستان العراق، ويشكلون ركيزة من ركائز النظام الاقتصادي الجديد، بحسب الباحث سنان حتاحت في دراسته بعنوان “الاقتصاد السياسي للإدارة الذاتية لشمالي وشرقي سوريا”.

وأوضحت الدراسة أن إنفاق “الإدارة الذاتية” يشمل كلًا من الجيش، ومشاريع الإنعاش المبكر، إلى جانب تكلفة إدارة المؤسسات، وإعادة تأهيل البنية التحتية مثل قنوات الرّي والطرق، وصيانة شبكة الكهرباء، إضافة إلى تكلفة إدارة مؤسسات الصحة والتعليم والإدارة المحلية.

وتخضع التجربة الاقتصادية الخاصة بـ”الإدارة الذاتية” لضغوط كبيرة، إذ واجهت منظمات التجارة والتخطيط التابعة لها تحديات في تطبيق مُثُلها، وغالبًا ما يُنظر إليها على أنها تتسم بالبيروقراطية الصارمة، وتفتقر إلى الهيكلية والشفافية، وأن المحسوبية والمحاباة تتفشيان فيها.

ولا تزال “الإدارة” تفتقر إلى السيطرة على قطاعات واسعة من الاقتصاد، وهي عرضة للاختراق المستمر من جانب النظام وأفراد “النخبة” القديمة، كما أن المنطقة تعتمد على المصارف الحكومية السورية لتأمين السيولة في السوق، ويعد المصرف المركزي المصدر الأساسي لليرة السورية في السوق، وفقًا للدراسة.

وكان الرئيس المشارك لـ”مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد)، رياض درار، قال في لقاء مع عنب بلدي في 29 من نيسان الماضي، إن “الثروات في شرقي وشمال شرقي سوريا تعاني ذات الحصار الذي تعاني منه بقية السوريين”، مشيرًا إلى وجود شكوى دائمة من الحصار المستمر، وأن إدارة مشاريع اقتصادية تتم وفق “اقتصاد الحرب”.

واعتبر درار أن هذه الإدارة ليست مقدمة لشيء يمكن أن يعتمد عليه على أنه تحقيق استقرار اقتصادي، بل هي إدارة اقتصاد من أجل البقاء.

ورفض درار ما يقال حول “سوء توزيع إداري في هذه الأمور”، معتبرًا أن هذا الكلام “تجاوز لحقائق الأمور”، لأن معيشة سكان المنطقة، الذين يتجاوز عددهم أربعة ملايين، ليست بالأمر الهيّن، بحسب تعبيره.

ويعتقد درار أن سكان شرق الفرات يعيشون بشكل أفضل من المحيط، معتبرًا أن كل الأخطاء التي تحصل هي أخطاء نتيجة الضغوط المستمرة، والمؤامرات، بحسب رأيه، لكن درار في المقابل يرى أن “هناك نقصًا، ونحتاج إلى الاستقرار أكثر، لنحقق مزيدًا من التقدم والتنمية”.

English version of the article

مقالات متعلقة