“لعق العيون” و”المجبر العربي”.. مهن ما زالت حاضرة في الرقة

عمل المجبر العربي في شمال شرقي سوريا - أيار 2020 (بيسان إف إم)

ع ع ع

الرقة – حسام العمر

اقتطعت صفية غرفة من منزل عائلتها بحي الفرات في مدينة الرقة، تستقبل فيها المرضى الذين تعالجهم من حبات الرمل أو الحصى الدقيق في عيونهم، مستخدمة لسانها.

صفية العبود (40 عامًا) أم لثلاثة شبان وفتاتين، قالت لعنب بلدي، إنها ورثت مهنة “إخراج الواجعات” (لعق العيون) من والدتها، التي عملت بها طوال 30 عامًا.

لعق العيون هو من طرق العلاج التقليدية التي ما زال سكان الرقة والجزيرة السورية يلجؤون إليها، رغم بدائيتها حسبما يرى الأطباء، وأخطارها الصحية.

جلسة واحدة لتنظيف العيون

تتقاضى صفية مبلغ ألفي ليرة سورية عن العين الواحدة وثلاثة آلاف عن كلتا العينين، وترى أن “لعق العيون” هو طريقة بسيطة لإخراج حبات الرمل والحصى الدقيق من عيون المرضى.

يجلس المريض الذي يشكو من ألم في عينيه أمام صفية، وتطلب منه الهدوء والتروي وهي تقرب فمها من عينه وتمد لسانها الذي يحمل بعد لعقه مسببات الألم.

يعمل خالد الخضر (30 عامًا) في البناء، ما عرضه لدخول حصى في عينه، اضطره للمجيء إلى صفية، التي اختارها لـ”سمعتها الطيبة”، إلى جانب سرعة العلاج الذي تقدمه، على عكس الأطباء الذين يستغرقون جلسات عدة لتنظيف العيون.

بدا خالد فرحًا عندما رأى الحصى على لسان صفية، التي طلبت منه أن يقوم بقطر عينيه بـ”قطارة عينية” لمنع حدوث التهاب أو تهيج في عيونه عقب إخراج ما كان يؤلمه أو نتيجة دخول لسانها إلى عينه.

بينما لم ينكر طبيب العيون محمد الحسن فاعلية “لعق العيون”، لكنه تحدث عن أخطار عديدة تحملها هذه الممارسة البدائية، على حد وصفه.

طبيب العيون أكد لعنب بلدي وجود أخطار تترافق مع إدخال جسم غريب داخل العين، مثل إمكانية نقل بكتيريا قد تسبب تهيجًا أو التهابات للعين، من الممكن أن تسبب أضرارًا لقزحية العين أو الأجفان.

جبر بدائي يستعين بالأجهزة الحديثة

من الطرق العلاجية التي ما زال سكان الرقة يتمسكون بها، زيارة “المجبر العربي”، وفي ريف الرقة الغربي بقرية السلحبية، حيث يسكن خليل الطرفي (50 عامًا)، تعتبر هذه المهنة مصدرًا للرزق.

يصف خليل عمله بـ”المتقن”، وكان يستخدم قطعًا خشبية وأقمشة في تجبير الكسر، لكنه أدخل “الشاش الجبسي” حديثًا إلى عمله بعد تكرر حوادث فك الجبيرة من قبل المرضى “نتيجة الإهمال”، على حد قوله.

وتبدأ طريقة علاج الكسور بجس المعالج المكان المصاب لكشف مكان الكسر، وربما أحيانًا يطلب منه صورة شعاعية عند عجزه عن تحديده قبل أن يُرجع العظم إلى مكانه وإلى وضعه السليم ويلفه بـ”الشاش الجبسي”.

ويتقاضى خليل مبالغ تبدأ بعشرة آلاف ليرة سورية، وقد تصل أحيانًا إلى 50 ألفًا، حسب حجم الكسر وحجم الجهد الذي يحتاج إليه لتجبيره.

علاج يسمح بالتوفير

اضطر خالد الفاضل (40 عامًا) إلى جلب ابنه ذي السنوات الست لتجبير ساقه التي كُسرت خلال لعبه بكرة القدم، إلى “المجبر العربي”.

خالد قال لعنب بلدي، إن قرار الاستعانة بـ”المجبر” كان بعد أن طلب منه طبيب العظمية مبلغ 400 ألف ليرة سورية لتجبير الكسر عن طريق إدخال الصفائح المعدنية إلى الساق بعمل جراحي.

وبتقدير خالد فإن “أغلبية” الناس يتجهون لهذه الطريقة العلاجية لانخفاض تكاليفها المادية بالمقارنة مع تكاليف العلاج عند أطباء مختصين أو في مستشفيات خاصة.

برأي محمد الفاروق، فني تصوير أشعة في الرقة، فإن تجبير الكسور العظمية بطرق بدائية يحمل “أخطارًا جسيمة” قد يدفع ثمنها بعض المرضى بالعجز الكلي أو الجزئي لأحد الأطراف.

وأكد فني التصوير أن بعض الكسور بحاجة إلى ظروف معيّنة لإعادة تجبيرها قد لا تتوفر في منزل “المجبر العربي”، ناهيك عن عدم إمكانية تحديد أهلية العظام للتجبير أو إصابتها بالهشاشة التي يعجز التجبير البدائي عن تشخيصها.

ورفض أعضاء من “لجنة الصحة” في “مجلس الرقة المدني” التعليق على طرق العلاج هذه، ورأوا أنها تندرج ضمن العادات والتقاليد المجتمعية التي ما زال سكان الرقة ومدن سورية يتمسكون بالكثير منها، مع تبريرهم ارتفاع تكاليف العمليات الجراحية بارتفاع تكاليف التجهيزات الطبية ومرتبات العاملين بالقطاع الصحي وانخفاض قيمة الليرة السورية، مشيرين إلى أن مقارنة أجور العمليات اليوم مع قبل عشر سنوات يظهر حاليًا أن التكلفة أقل.

لكن وبعد عشر سنوات من الحرب، يحتاج 12.4 مليون شخص في سوريا إلى المساعدات الصحية، حسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، وتعتبر منطقة شمال شرقي سوريا من أكثر المناطق تأثرًا بدمار البنى التحتية الصحية، مع وجود مستشفى واحد فاعل فقط بشكل كامل من بين 16 مستشفى عامًا وثلاثة تعمل بشكل جزئي.



مقالات متعلقة


Array

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة