بين المواهب السورية ومنشد “الحرّاقات”

ع ع ع

نبيل محمد

قد يكون ظالمًا لأي موهبة سورية تخرج للعلن، أن خروجها هذا سيتم عبر برنامج سوري محلي، فيه من الثغرات ومكامن الضعف، ومن “الغلاظة” ما قد لا يسمح برؤية موضوعية للموهبة، ونقدها على أساس ذاتها بمعزل عن البيئة التي تحاول إظهار هذه الموهبة، سينتظر قطاع كبير من الجمهور أي سبب، وما أكثر الأسباب، للسخرية من تلك البرامج، ولربطها بالراهن السوري الداخلي، لن يرى من برنامج “Syrian Talents” مثلًا سوى مقاعد لجنة التحكيم التي تتحرك من خلال دفعها بأرجل أعضاء اللجنة، وضعف الاستديو، وتكلّف المقدم، وارتباك المذيعة عند لقاء أهالي المتقدمين كما تفعل النسخ الأجنبية من البرنامج، لن تكون المواهب محط اهتمام كما هي بنية البرنامج، وضعف القائمين عليه في التقليد والاستنساخ. أمام ذلك ستكون المواهب التي ينشرها أصحابها عبر صفحاتهم الشخصية أكثر قدرة على الإقناع، وقد تبتعد مواهب حقيقية عن برنامج لا يقنعها أصلًا بطريقته ولجنته ومحتواه.

لن تكون نصائح محمد حداقي وشكران مرتجى ولا حتى نصائح ميساك باغبودريان، الأقرب بلا شك إلى مكانه كمقيّم للأصوات والعزف والأداء، لموهوبين في الغناء مثلًا ذات معنى حقيقي، قادر على أن يقنع الموهوب، بسرديات تثقيفية عامّة، تطلب منه الدراسة وتخطيط المستقبل والابتعاد عن التدخين، بعد أن قدّم قطعة غنائية أو أدائية، كانت قمة تألق أغلبيتهم بها في فيديوهات نشروها عبر “يوتيوب” أو على صفحاتهم الشخصية في “فيس بوك”، وهو ما لا يلغي أهمية البرنامج في تحقيق متابعة أكبر لهم، لكنه بمكوناته وبفرقته الموسيقية وطريقة عرضه للموهبة ونقدها لم يقدم لهم خدمة حقيقية، باستثناء دعم صفحاتهم على “السوشيال ميديا”.

تولد المواهب حيوية في  نطاقاتها الضيقة، تنتظر فرصة لتجد جمهورًا، وتنطلق نحو الاحتراف، كبرنامج أو جائزة أو حضور في أي محتوى يمكن أن يحظى بمتابعة جماهيرية، وفي هذه الحالة السورية الخالصة، حوصر الموهوبون بطبيعة برنامج جامدة، لم تستطع أن تخلق أي حيوية في الموهبة، أو أن تنعش حضورها، واختتمت بحفل إعلان جوائز قبل أكثر من شهر غنى فيه المرشحون لنيل اللقب أغنية “عمّرها” وخلفهم علم بلادهم، ليؤكد البرنامج بهذا الختام سيره في الطريق القويم، وانتماءه، ويأخذ الدور التعبوي الذي لا يجب أن يغيب عن أي محتوى سوري مهما كانت طبيعته فنية أو خفيفة.

ليس من باب المقارنة بين المواهب التي ظهرت في البرنامج والتي يستحق بعضها تجربة الاستمرار، إنما يفتح مشهد المواهب السورية الحديث عن الضفة الأخرى من البلاد، وتحديدًا بين “حرّاقات” النفط في ريف حلب، حيث يعمل الأطفال بأيديهم بمواد نفطية وكيماوية، ترفع إمكانية إصابتهم بأمراض خطيرة إلى مستويات كارثية، يتنقّل الشاب أحمد الخطاب (17 عامًا) بين “حرّاقات” كبيرة يعمل داخلها، وينشد في أثناء عمله أناشيد دينية وصوفية بصوت لم تزد تلك الأسطوانات المعدنية القاسية سوى من عذوبته، وأعطته صدى يخرج من داخلها في مشهد قاسٍ، يصعب فيه أن تقول إن هذا المكان هو الاستديو الأمثل لهذا الصوت، وتحكم على هذه الموهبة بالعذاب مدى حياتها، لكنك تشعر بالفعل أن هذا الظرف زاد عذوبة هذا الصوت، لدرجة أن الشاب نفسه عندما ظهر في تقرير تلفزيوني، وغيّر نمط أدائه ليغني أغنية وطنية، لم تظهر محاسن صوته كما ظهرت في الفيديوهات التي راقبته يغني من داخل الصهاريج، والتي حاز أحدها حتى الآن على مليون ومئة ألف مشاهدة خلال شهر على “يوتيوب”.

من الصعب أن ترى موهبة أحمد في الإنشاد خارج ظرفه العام، سترى وجهه المليء بالشحم والوقود، وثيابه الرثة، وابتعاده عن مدرسته، ونزوحه فقيرًا في مناطق يحكمها السلاح العشوائي، لكنك ستدرك أن في هذا الركام نبتة استثنائية حزينة، ذابلة بحاجة إلى ماء كثير لترتوي، موهبة أول ما تنشده خلاصها من كل هذا.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة