سمير غانم.. مبتكر فرح الغلابة الذي ضيعته الهموم

الفنان المصري سمير غانم 1937- 2021 (تعديل عنب بلدي)

الفنان المصري سمير غانم 1937- 2021 (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

أمام كل رحيل لفنان أو نجم من نجوم الشاشة العربية ينتاب المشاهد العربي شعور بالحزن الذي تتفاوت نسبته حسب مدى متابعته أو تأثره بأعمال النجم الآفل. 

سبب هذا الحزن أن جزءًا من اللحظات الجميلة لم تعد حاضرة، وتحولت بوضوح وقسوة إلى ذكرى وماضٍ لا يمكن استعادته، فالذاكرة البصرية للمشاهد مرتبطة إلى حد بعيد بالأعمال الدرامية والسينمائية التي حركت شعوره ولمسته من الداخل، وتركت داخله انطباعًا عن الأيام التي شاهد فيها العمل. 

وتسهم الأعمال المؤثرة إضحاكًا أو إغضابًا أو إبكاءً، عند مشاهدتها ليس في تحريض شعور بعينه فحسب، بل بغرس بذرة لحنين قد يستحضره المشاهد حين تكون لحظته الحاضرة أقسى من تلك القديمة التي ينفض غبارها.

سمير غانم واحد ممن زرعوا تلك البذرة، وابتكروا الفرح بعدما ضيّعته هموم الناس، وشدّوا الابتسامة من شحمة أذنها وأعادوها للمشاهد العربي المتعب، والمتعطش للضحك إثر بكاء طويل.   

قد لا يذكر المشاهد العربي سمير غانم في فيلم “منتهى الفرح” الذي شكّل الظهور السينمائي الأول له عام 1963، لأن زحمة الألوان التي تغص بها الشاشة المعاصرة تمحي معها ما ظل عالقًا من زمن الأبيض والأسود، ولكن مسرحية “المتزوجون” عام 1973، حافظت بعد نحو 50 عامًا على ألوانها، وحضورها في الذاكرة، وبرزت كهوية خفيفة الظل يمكن التعريف بسمير غانم من خلالها. 

تعالج “المتزوجون” مشكلات الزواج والتفاوت الطبقي والوضع الاقتصادي في مصر، بنفس كوميدي يجعل رسائل العمل على لسان سمير وشيرين وجورج سيدهم، مستساغة للمشاهد والرقابة على حد سواء. 

هذه المسرحية التي كتبها فيصل ندا وأخرجها حسن عبد السلام، أدتها فرقة ثلاثي أضواء المسرح، التي فقدت اسمها بوفاة أحد أعضائها الثلاثة، الضيف أحمد، عام 1970، فاتجه سمير لاستكمال مشواره إلى جانب الممثل جورج سيدهم، الذي رافقه على مدار عدة مسرحيات، كان أشهرها “المتزوجون”، وآخرها “أهلًا يا دكتور” عام 1981. 

زراعة من نوع آخر

عام 1937، في قرية تدعى عرب الأطاولة، في محافظة أسيوط، كبرى محافظات صعيد مصر، ولد سمير غانم وتلقى تعليمه المدرسي، قبل أن يتجه إلى كلية الشرطة التي لم يحقق فيها تقدمًا شخصيًا ملموسًا، فغادرها إلى كلية الزراعة في جامعة الإسكندرية، حيث انضم للفرق الفنية فيها.  

وبعد تخرجه من كلية الزراعة تابع سمير الاستثمار في تربة خصبة ومثمرة، وهي ذائقة المشاهد العربي، فاستغل الوقت، وسابق الزمن ليقدّم إنتاجًا فنيًا ضخمًا على مستوى الكم والنوع. 

وبعد سنوات قليلة من البداية سجّل سمير غانم حضوره في الفوازير التي قدّم أول أعمالها باسم فوازير ثلاثي أضواء المسرح، وامتدت لتتحول إلى سلسلة من تسعة مواسم، بين ستينيات وتسعينيات القرن الماضي، وحمل أبرزها اسم “فطوطة”، واستمرت لثلاثة مواسم بالاسم نفسه. 

فطوطة للراديو.. فطوطة للأطفال

قدّر سمير غانم قيمة الفكرة، وحجم كل شخصية تترك حضورها في نفس المشاهد، فاستغل إلى جانب الوقت، الأفكار أيضًا، وراح ينقلها على رقعة من شطرنج الأنواع والأنساق الفنية.

وبعد زمن طويل من نجاح “فطوطة” في الفوازير، حمل الشخصية إلى الإذاعة وأعاد إحيائها، ليرسمها هذه المرّة في خيال المستمع.

وقدّم المسلسل الإذاعي “فطوطة والعظماء” عام 2015، و”فطوطة بوت” عام 2016، و”فطوطة بوند” عام 2017، و”فطوطة وكأس العالم” عام 2018. 

وفي سبيل حضور أغنى وأشمل، وبعد عشرات السنوات من مخاطبة جمهور الكبار والفئة الناضجة، اتجه سمير إلى الأطفال عبر الرسوم المتحركة، فقدّم لجمهوره عام 2005، مسلسل “عائلة الأستاذ أمين”.

هذه العائلة كانت عائلة سمير الحقيقية بالصوت، والمختلفة بالصورة، فأمين هو سمير غانم، وزوجته في المسلسل هي زوجته الفنانة دلال عبد العزيز، وأصوات الأطفال لابنتيه دنيا وأمل.

وفي عام 2009، قدّم “فطوطة” مجددًا، وهذه المرّة بالرسوم المتحركة، تحت اسم “فطوطة وتيتا مزبوطة”. 

طاقة غنية

شكّل عام 1977 واحدًا من أكثر سنوات سمير إنتاجًا وعملًا وحضورًا أمام الشاشة، فقدّم أكثر من عشرة أفلام سينمائية، من أبرزها “وسقطت في بحر العسل” بالاشتراك مع محمود ياسين، ونبيلة عبيد، ونادية لطفي.

كما قدّم “ألف بوسة وبوسة” الذي تقاسم بطولته مع حسين فهمي ويسرا وعبد المنعم المدبولي، وفيلم “13 كدبة وكدبة” عن نص صبري عزت وإخراج أنور الشناوي. 

حضور خجول

وشهدت تسعينيات القرن الماضي في حياة سمير انحسارًا في الحضور السينمائي تكشفه الأرقام والفراغ الذي يتركه أمام الكاميرا، وفي شاشة المشاهد. 

وشارك سمير منذ عام 1994، وحتى عام 2018، أي خلال 24 عامًا، بنحو 12 فيلمًا فقط. 

وأمام طاقة العمل المتواصل والغني فنيًا، لا يمكن مقارنة هذه المدّة بالـ24 عامًا الأولى لسمير في عالم السينما، والتي شارك خلالها بأكثر من 120 فيلمًا، ووقف فيها إلى جانب نجوم الشاشة العربية، مثل عادل إمام وهند رستم، وفريد شوقي، ونور الشريف، وكمال الشناوي، وزبيدة ثروت، وناديا لطفي. 

تعزيز حضور في الدراما

شكّل الغياب النسبي لسمير غانم عن السينما منذ تسعينيات القرن الماضي، تعزيزًا لحضور من نوع آخر، عبر المسلسلات الدرامية.

ويبدو بوضوح أن الجزر السينمائي لدى سمير أحدث مدًّا دراميًا، عبر مشاركته بأكثر من 40 مسلسلًا دراميًا، من أبرزها مسلسل “الكبير أوي” بجزأيه الثاني والثالث، وهو مسلسل كوميدي من بطولة أحمد مكي، ودنيا ابنة سيمر غانم ، ومسلسل “يوميات زوجة مفروسة أوي” بأجزائه الأربعة التي تندرج أيضًا في إطار الأعمال الكوميدية. 

https://www.youtube.com/watch?v=NsdhKwTN1oY

وكان مسلسل “بدل الحدوتة تلاتة” عام 2019، التوقيع الأخير لسمير غانم في عالم الدراما التلفزيونية، ويقوم العمل على ثلاث قصص تستغرق كل منها عشر حلقات، وفيه يتشارك البطولة مع ابنته دنيا التي تؤدي شخصية مختلفة في كل قصة، وبيومي فؤاد. 

على الخشبة 

“طبيخ الملايكة” و”حواديت” و”أزواج بلا ماضي” و”المحظوظون وأنا” و”ترا لم لم”، وأكثر من 30 مسرحية أخرى، هي مجموع ما قدمه سمير من مسرحيات أسهم نجاح كل واحدة منها وقراءة الرضا في وجوه الجمهور، بالانتقال إلى التالية بشخصية وقصة مختلفة، تتشارك مع ما سبقها وما يتبعها، في إبداع من يقف على الخشبة من أجل الناس. 

وشكلت مسرحية “الزهر لما بيلعب” التي قدمها سمير عام 2020، آخر الأعمال المسرحية لسمير، وهي من بطولة سمير ورضا حامد وشيرين، وهي واحدة من رفاق البدايات الفنية لسمير. 

هذه المسرحية التي أدى فيها شخصية تاجر طيور مزواج اسمه “فرحات”، مثلت عودة سمير إلى المسرح بعد انقطاع ثلاث سنوات، حين قدّم مسرحية “سيبوني أغني” عام 2017. 

بصمة لا تمحى

خلال نحو 84 عامًا قدّم أكثر من نصفها للفن والتمثيل، صنع سمير إرثًا فنيًا بالكاد يكفي عمر واحد لإنجازه، ويتجلى بأكثر من 150 فيلمًا، وعشرات المسلسلات التلفزيونية والإذاعية، والفوازير، والرسوم المتحركة، والبرامج والمسرحيات.

في كل ذلك شارك سمير وترك بصمة لا تمحى قبل أن يودع جمهوره والحياة في 20 من أيار، متأثرًا بمضاعفات إصابته بفيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19). 



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة