ع ع ع

ديانا رحيمة | سكينة مهدي | جنى العيسى

بعينيها الغائبتين وأصابعها المدماة وجسدها المتسخ، وقفت نهلة، ذات الأعوام الستة، أمام الكاميرا مجيبة عن سؤال الإعلامي المستفسر عن حبها لوالدها بالإيجاب، بعد أن عدّدت ما تعانيه من ضربه وحبسه وتقييده لها.

انتشر مقطع الفيديو القصير بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، بداية أيار الحالي، بعد عرضه الفتاة التي اشتهرت، بعد وفاتها قبل أيام، بحملها للسلسلة الحديدية التي يقيّدها بها والدها، مسببًا تحول مشاعر الصدمة والإدانة التي ضجت بها صفحات المتابعين السوريين، من الأب “القاتل” والمخيم “المتجاهل” إلى الإعلامي والقانون “المتخاذل”.

لم تمضِ أيام على قصة نهلة حتى انتشرت صور رهف، التي ملأت جسدها الرضوض بعد تعرضها لضرب كاد يودي بحياتها على يد والدها، وكان السؤال المهيمن على تعليقات المتابعين، أين كان سكان المخيم الذي تسكنه حينما كانت تُضرب وتصيح؟ وكم من حالة لم تُعرف بعد للعنف المتطرف ضد الأطفال على يد ذويهم في المنطقة على الرغم من انتشار عشرات المنظمات المعنية بالأطفال؟ وأين مجتمع “التحرير” من ممارسات تخالف قيم “الثورة ومحاربة العنف والاستبداد”؟

تقف عادةً إدانة العنف ضد الأطفال عند نقد نتائجها الجسيمة، مثل موت الطفل أو إصابته بعاهة ما، لكن حين انتشر مقطع ضرب المعلم لطلاب مدرسة “البراعم النموذجية” في إدلب، بداية نيسان الماضي، كان استنكار أساليب التربية المنتشرة في المدارس الحكومية السورية هو أبرز ما حكم تعليقات المدينين لما يجري في المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة، ومؤشرًا على تغير النظرة المجتمعية إلى العنف والتعامل مع الأطفال والمطالبة بتحمل المسؤولية وحمايتهم.

تحاول عنب بلدي في هذا الملف مناقشة أسباب التراخي المجتمعي في التعامل مع قضية العنف ضد الأطفال ودور المنظمات والقانون، وما الذي يحول الآباء والأمهات إلى جلادين لأبنائهم؟ وتلتقي بعدد من الخبراء والاختصاصيين للإجابة عن تلك الأسئلة.

تهمة الإهمال تعفي من المسؤولية

والد نهلة، الذي كان تمثيلًا لكل المساوئ في أعين كثير ممن تابعوا قضية ابنته ورأوا القفص الحديدي الذي كان يتركها فيه قبل وفاتها، خرج من السجن بعد أقل من شهر على إيقافه، إثر توصل “التحقيقات” إلى أن خطأه الوحيد هو “الإهمال”، واكتفت السلطات بطلب توقيعه على تعهد بألا يكرر فعلته مع ابنته الثانية، حسبما علمت عنب بلدي من مقربين له.

“الإهمال” كان ذاته ما أثار استياء من علموا باطلاع الإعلامي أحمد رحال على قصة نهلة قبل أسابيع من وفاتها، وقيامه بتصويرها دون نشر مقطع الفيديو، مستنكرين عدم كشفه عن قضيتها ومساعدتها قبلًا، مع معرفته بتعذيبها وسجنها.

رحال أوضح في مقطع آخر، نشره عبر صفحته الشخصية في “فيس بوك”، أن امتناعه عن نشر المقطع الخاص بالطفلة كان بعد تحذيرات من أهل المخيم بأن تحويل القضية إلى الرأي العام من الممكن أن يسبب فتنة بين سكانه، وهو ما أكده مدير المخيم، هشام العمر، لعنب بلدي، ولكن اختار الإعلامي تقديم معلوماته إلى السلطات منتظرًا منهم الحل، الذي لم يأتِ أيضًا.

كثرة الروايات المتعلقة بنهلة، لم يسمح لمتابعي قضيتها باتخاذ حكم واضح على من يقع عليه اللوم لما حصل معها، إلا أنهم لم يختلفوا بإدانة التقاعس عن مساعدتها بعد بلاغ رحال.

تواصلت عنب بلدي مع حكومة “الإنقاذ”، للاستفسار عن مجرى التحقيقات وسبب تجاهل البلاغ الأول، الذي سبق وفاة نهلة بنحو شهرين، لكنها لم تحصل على إجابة حتى تاريخ إعداد الملف، في حين سارعت “وزارة الداخلية” إلى الإعلان عن سجن الأب والتحقيق بمسببات الوفاة، التي عزتها إلى الاختناق في أثناء تناول الطعام، نافية تهم التعذيب ومتجاهلة تهم “الإهمال والتقصير”.

أطفال سوريون يلعبون بإطار في مخيم للنازحين في مدينة معرة مصرين بمحافظة إدلب شمال غربي سوريا- 8 من أيار 2021 (AFP/ عمر الحاج قدور)

السلطة في غياب القانون

هيمنة حكومة “الإنقاذ” على إدلب وبعض أجزاء ريف حلب الغربي، منذ عام 2017، لم تأتِ مع دستور كامل وقوانين محكمة، بل اعتمدت على الاجتهاد لحل النزاعات بين الناس بشكل عام من خلال الاحتكام للشريعة الإسلامية، دون تخصيص أحكام بعينها لمعالجة ظاهرة العنف ضد الأطفال وحماية الضحايا، على عكس قانون العقوبات السوري، الذي اعتمدته “الحكومة المؤقتة”، التي تسيطر على مناطق ؤ، مرجعًا لها منذ تأسيسها عام 2013.

يعتبر قانون العقوبات السوري “رقم 148” لعام 1949، المرجع الأول للسلطة القضائية لتحديد الأفعال المجرمة في سوريا، ولكنه أيضًا لا يحمل مادة صريحة تحمي الطفل من تعنيف ذويه أو أي شخص آخر باعتباره من الفئات المستضعفة في المجتمع، حسبما أوضح المحامي أحمد صوان لعنب بلدي، مشيرًا إلى وجود مادة واحدة ضمن القانون تتيح للأهالي والمعلمين ضرب الأطفال تحت اسم “ضروب التأديب”.

وتُجيز المادة “185” من قانون العقوبات السوري “ضروب التأديب التي ينزلها بالأولاد آباؤهم وأساتذتهم على نحو ما يبيحه العرف العام”.

ووفقًا للمادة السابقة، فإنه في حال تعرض الطفل للضرب من قبل أحد والديه أو أساتذته دون أن يترك الضرب أي أثر، فإن القائم بفعل الضرب يحصل على “عذر مُحل”، أي تسقط عنه العقوبة بالكامل.

ولكن يختلف الأمر في حالة الإيذاء المقصود، الذي يؤدي إلى الكسور أو الجروح، وهذا ما تتناوله المواد من “540” حتى “543” من القانون، التي تعامل الطفل معاملة الشخص البالغ في حال لحق به أي أذى، بحسب صوان.

وتتراوح العقوبات حسب معيار شدة الإصابة بين الحبس التكديري، ومدته عشرة أيام، والحبس العادي، حتى ستة أشهر، ويصل الحبس إلى ثلاث سنوات، عندما يتجاوز التعطيل عن العمل للمصاب 20 يومًا، أما إذا أدت الإصابة إلى بتر عضو أو إحداث عاهة دائمة أو فقد إحدى الحواس فتصل العقوبة إلى عشر سنوات.

إلا أن وجود القانون من عدمه في سوريا لم يبعد ثقافة التعنيف والضرب عن ممارسات السوريين وعاداتهم في التعامل مع الأطفال قبل الحرب، أما بعدها، فقد تضاعفت أجواء العنف المحيطة بكل من الأهل والأبناء، وكان لذلك أثر لا يمكن تجاهله.

العنف بديل عن الحب

عام 2019، صُنفت سوريا من بين أكثر الدول خطورة على الأطفال إلى جانب كل من أفغانستان والعراق والكونغو ونيجيريا ومالي، وأفاد تقرير أصدرته منظمة “أنقذوا الأطفال”، في 20 من تشرين الثاني 2020، أن نحو واحد من بين كل خمسة أطفال يعيشون في مناطق نزاعات أو مناطق مجاورة لها.

وسجلت المنظمة ارتفاع نسب الانتحار بين الأطفال في مناطق شمال غربي سوريا، حسب تقريرها الصادر في 29 من نيسان الماضي، مرجعة ذلك لأسباب عديدة، منها الفقر ونقص التعليم، والعنف المنزلي.

ودعت منظمة “أنقذوا الأطفال” الجهات المانحة والمجتمع الدولي إلى زيادة استثماراتهم في برامج الصحة العقلية في المنطقة، لمحاولة منع الأسباب المحتملة لمشكلات الصحية النفسية.

من التجارب الصعبة التي تمر على الطفل العنف المتكرر، حسبما أوضح الطبيب النفسي إسماعيل الزلق لعنب بلدي، مشيرًا إلى أن طريقة التعامل تلك تقود لانعكاسات نفسية وسلوكية على الأبناء تؤثر على شخصياتهم وتعاملهم مع المحيط، من معاناة تلبد الذهن والشرود إلى الحركة المفرطة، والمعاناة من فقد الشهية والتعامل مع المحيط.

وفي حين تتحمل الحرب وزر زيادة نسب العنف ومسبباته، تعود أسباب استخدامه الأولى إلى طريقة التربية التي يتلقاها الأهل، حسب رأي الباحث الاجتماعي محمد سلوم.

قال سلوم لعنب بلدي، إن “الرواسب البالية عن العنف التي ترسخت في أذهان أفراد الشعب السوري” هي ما ترجع إليه حالات العنف المطبق على الأطفال، مشيرًا إلى ارتباط مفهوم التعنيف بالتربية وتقويم السلوك.

نقص التعليم الذي يتلقاه الأهل، مع انتشار العنف في بيئة “عنيفة غير متوازنة”، تحد من وعي الآباء والأمهات بطرق التعامل الملائمة مع أطفالهم، “وتحول ضحية الأمس إلى معنّف الغد”، وهو ما ينعكس مباشرة على الأطفال كونهم “الفئة الأضعف”، حسبما يرى الباحث الاجتماعي.

وحذر سلوم من أن استنكار العنف لا يعني وقفه بالضرورة، إذ إن ممارسته من قبل القوي على الضعيف ليست مقبولة في المجتمع إلا أنها ممارسة على كل حال وكأنها “عادية ومقبولة”، بل يحاول الأفراد “التستر” على جرائم العنف والابتعاد عن مناقشتها.

طفل يبكي في أحد مخيمات الشمال السوري (عنب بلدي \ إياد أبو الجود)

ضحية تعاني من ضحية

للعنف المنزلي أشكال كثيرة، من العنف الفيزيائي واللفظي والمعنوي والجنسي والاقتصادي، وهو ظاهرة عالمية لا تستثني أي مجتمع، ولكنها وكبقية الظواهر السلبية الأخرى تزداد نسبها نتيجة ضغوط الحرب والأزمات، حسب رأي مسؤول برنامج الصحة النفسية في منظمة “أوسوم”، بشر الحاج حسين.

الضغوط المزمنة التي يتعرض لها أفراد المجتمع في الحروب، من الخسارات والفقدان والفقر وقلة فرص العمل والمساعدات الأساسية، مع قلة أو انعدام الإحساس بالاستقرار، تزيد من الإحساس بـ”القلق”، حسبما أوضح الحاج حسين، مضيفًا أن تلك الأسباب، مع انعدام الآفاق بالتغير الإيجابي الممكن مستقبلًا، تحفز على انتشار العنف المنزلي، مع اختلاف السياقات والظروف بين كل حالة وأخرى.

يفقد الراشدون السيطرة وتستنفد طاقاتهم وسط الضغوط التي يعانون منها، ويمرون بحالة من “الإفلاس” بالقدرة على التفاهم والحوار، حسب وصف الحاج حسين، لذا يلجؤون إلى العنف كوسيلة أسهل للتعامل مع الأطفال من التربية ومحاولة فهم الطرق المناسبة لمتابعة أبنائهم.

وأشار الحاج حسين إلى أن الأطفال أنفسهم، مع مرورهم بظروف الحرب وغياب المساحة الآمنة والعناية الضرورية، لا يكون التعامل معهم سهلًا، إذ إنهم يكتسبون ممارسات غير مرغوب بها، مثل العدوانية والعناد أو السلبية والخجل، وهذا ما يجعلهم عرضة أكثر للعنف من قبل البالغين الفاقدين للطاقة اللازمة للتعامل الصحيح، “نتعامل بمعظم الحالات مع طرفين، هما مقدمو الرعاية والأطفال، وكلاهما بموقع الضحية، وبحاجة إلى الدعم والمساعدة”، حسبما قال الحاج حسين.

هل نترك العنف ليأخذ مجراه؟

تحفُّظ مسؤول برنامج الصحة النفسية في منظمة “أوسوم”، بشر الحاج حسين، على نشر صور ضحايا التعنيف على وسائل التواصل الاجتماعي، كحالة الطفلتين نهلة ورهف، لم يمنع إشارته إلى فائدتها على صعيد الوعي والتدخل لوقف العنف.

برأي الحاج حسين، فإن المواطن في أي دولة حول العالم تملك قوانين واضحة للحماية، وجهات مختصة للاستجابة للشكاوى والتبليغات، دوره هو التبليغ عن سوء المعاملة لتستجيب السلطات بإبعاد الطفل عن مصادر الخطر وتنقله إلى مكان آمن، لتكون مؤسسات الدولة مسؤولة عنه، لكن في غياب تلك الشروط فإن مسؤوليته هي النشر وإثارة سلطة الرأي العام.

بعد قصة نهلة، التي علم بها أهل مخيم “فرج الله” الذي كانت تسكنه لأشهر قبل وفاتها دون تحرك كافٍ لمساعدتها، كانت الاستجابة لقصة رهف، ذات الأعوام العشرة، التي وصلت إلى مستشفى “باب الهوى” وهي على وشك الموت، وكانت تعاني من كسور ورضوض ونزيف وقصور كلوي نتيجة العنف وسوء المعاملة، “أسرع”.

في الحالة الأولى، خشي الناس من التحدث عما يجري، وامتلكوا تحفظات على التدخل، مكتفين بالتوجه إلى سلطات لا قوانين فعلية لديها ولا نظام فاعل للمحاسبة والمساءلة، لكن الحالة الثانية كان التبليغ عنها سريعًا مع الاستجابة بحجز الأب والتحقيق بشأنه.

لكن قصة رهف، التي كشفت معاناتها مع إخوتها من الضرب المتكرر من والدها، بعلم من جميع سكان المخيم الذي تسكنه، أعادت التساؤل عن سبب التقاعس المجتمعي عن إيقاف العنف ومساعدة الضحايا قبل أن يصلوا إلى مرحلة يوشكون فيها على فقد أرواحهم؟

فتاة سورية نازحة من محافظة درعا تحمل لعبة محشوة وتمسك بيَد طفل قرب هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل في القنيطرة – 29 حزيران 2018 (رويترز)

“الجهل الجمعي”.. ما مسببات تجاهل العنف؟

طرحت عنب بلدي سؤالًا على متابعيها، “في حال شهدت حالة عنف ضد طفل من أحد ذويه، هل تبلغ الجهات المختصة لاتخاذ إجراءات قانونية؟”، لاستطلاع آرائهم حول قضايا العنف التي اشتهرت مؤخرًا، كما أجرت مقابلات مع عدد من السكان في شمال غربي سوريا لنقل وجهات نظرهم.

وأجاب 65% من المشاركين في الاستطلاع بـ”نعم”، بينما استبعد 35% تدخلهم في حال شهدوا حالة عنف ضد طفل من أحد ذويه وأجابوا بـ”لا”، في حين فرق المجيبون في المقابلات ما بين الضرب “التأديبي”، الذي اعتبروه “اعتياديًا”، و”التعذيب”، الذي أجمعوا على استعدادهم لإيقافه في حال شهدوه.

يعتقد الناس أن الأمان بالكثرة، أي أن حدوث الجرائم أو التجاوزات أو الممارسات الخاطئة لن يكون ممكنًا وسط الجموع، التي تزيد وسطها احتمالات التدخل لإيقاف المعتدي، لكن تلك الفكرة ليست صحيحة، حسبما أوضح المعالج النفسي في مجال الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي أحمد شيخاني.

تلعب عوامل نفسية عدة دورًا في إيهام الفرد وإبعاده عن التدخل لوقف العنف أو الجرائم التي يشهدها على العلن، حسبما بيّنت دراسات استعان بها شيخاني لإيضاح أسباب الفتور والتقاعس المجتمعي في التعامل مع الممارسات الخاطئة.

حين يشهد فرد واحد على العنف تكون نسب تدخله لوقفه أعلى مما تكون عليه وهو مع أفراد آخرين، ويعود ذلك أولًا إلى أن تمييز جدية الخطر لا يكون واضحًا لدى الفرد حين يشهد على جريمة تحصل على العلن، وهذا ما يعوقه عن تقديم المساعدة، فهو يشكك بتقييمه للموقف حين يرى تجاهل الآخرين للحدث، وهذا ما أطلق عليه عالم النفس الأمريكي جون دارلي بـ”الجهل الجمعي”.

وأضاف شيخاني أن دراسة “دارلي”، التي أجراها في ستينيات القرن الماضي مع العالم النفسي بيب لاتين، أوضحت أيضًا أن الجموع تقلل الإحساس الفردي بالمسؤولية، فحتى إن أدرك الفرد خطورة الموقف الذي يشهده فإنه لا يشعر أن وقفه ونتائجه مسؤوليته الخاصة، وهو ما أسموه بـ”توزيع المسؤولية”.

لذا وفي حالة كل من نهلة ورهف، لم يشعر أحد من سكان المخيم بمسؤوليته المباشرة لمساعدتهما والتدخل لمنع الأهل من تعنيف أبنائهم.

وبرأي المعالج النفسي، فإن إدراك الفرد لما يترتب من خطورة على الإحساس الخاطئ بالأمان وسط الجموع قد يكون المحفز لسلوك أكثر إيجابية في المواقف الخطرة، “مع أنه قد لا يكون هناك أمان في الكثرة، فهناك أمان غالبًا في المعرفة”، حسبما قال.

تصور خاطئ لدور الأسرة

يسود اعتقاد خاطئ، يغذي وهم الأمان في المجتمع، بأن العائلة هي من يحمي الطفل، حسب رأي الطبيب النفسي جلال نوفل، الذي وصف فكرة أن العائلة هي الوحدة الأساسية لحماية الطفل بـ”الخاطئة وغير الصحيحة”.

ما يحمله الأهل من رواسب للتربية والمعتقدات التي تلقوها لا يجعلهم المصدر الأول للحماية، بل قد يحولهم إلى مصدّرين للعنف، انطلاقًا من فهمهم ورؤيتهم للضرب كأحد أشكال التربية، وحسبما قال نوفل لعنب بلدي، فإن عدم حماية الأهل لأطفالهم “ليس مستغربًا”.

عدّد الطبيب النفسي الضغوط التي يعانيها الوالدان والتي قد تقود إلى ممارسة العنف وإيذاء الأطفال أو حتى قتلهم، من الغضب والإحساس بالعبء غير المحتمل، إلى الرغبة بالهروب من الواقع والانتحار، وتوجيه العنف من الذات إلى الأطفال.

إضافة إلى إحساس الخوف من الأطفال أنفسهم حين يدخلون وسط الصراع والعنف، ويتحولون إلى مجندين في الفصائل ويحملون السلاح، فما يكون من الأهل سوى تفريغ عجزهم عن السيطرة بممارسة العنف ضد أطفالهم الأصغر، حسب رأي نوفل، الذي أضاف أن ضعف الثقافة والتعليم يحرم الأهل من فهم الآليات الصحيحة للتعامل مع أبنائهم.

الدولة هي التي تقع حماية الطفل على عاتقها، حسبما قال نوفل، و”العلة الأساسية في سوريا ككل، هي غياب الدولة”.

خيارات المنظمات لحماية الأطفال

في شمال غربي سوريا، لم يسبب غياب الدولة بنفسه فراغًا يشجع على العنف بالضرورة، فليست القوانين وحدها المسؤولة عن الضبط، فعلى الرغم من ارتفاع نسب الاحتياجات الإنسانية في المنطقة عما يسجل في المناطق الخاضعة للنظام السوري، تملك المنظمات الإغاثية، التي تعمل بتنسيق أممي، وصولًا أكبر إلى المحتاجين للعون، دون أن تعلق بدوامات التأجيل والبيروقراطية، وإن لم يخلُ الأمر من تدخل بين حين وآخر لبعض الفصائل الموجودة على الأرض.

تعمل المنظمات وفق مستويين للاستجابة لحاجات الحماية من العنف، حسبما أوضح مسؤول برنامج الصحة النفسية في منظمة “أوسوم”، بشر الحاج حسين، الأول هو الوقاية، من خلال إكساب الأهل ومقدمي الرعاية، مثل المعلمين، المعرفة اللازمة للتعامل مع الأطفال وفهمهم، مع رفع الوعي بالنتائج السلبية للممارسات الخاطئة، وتقدم لهم جلسات للتدريب على “المهارات الوالدية”.

وكذلك الوقاية من خلال دورات الدعم النفسي للأطفال، ليكونوا أكثر إيجابية وتعاونًا في التعامل مع ذويهم والمسؤولين عن رعايتهم، والابتعاد عن السلوكيات التي تجعلهم معرضين للعنف.

وأضاف الحاج حسين أن بعض الحالات تتطلب التدخل المباشر بجلسات الدعم النفسي للبالغين والأسر، وتقوم منظمة “أوسوم” بذلك من خلال مراكزها، البالغ عددها 23 في شمال غربي سوريا، أو من خلال فرقها الجوالة، أو عن طريق خدمة الاتصال عن بُعد للحصول على المشورات النفسية.

وتتدخل المنظمات ما أمكن لمساعدة الضحايا وحل الخلافات، لكنها تلجأ أحيانًا إلى السلطات المحلية للتخفيف أو إيقاف حالات العنف المنزلي، وهذا لا يعد مضمونًا، حسب وصف الحاج حسين.

تعبيرية: تعنيف الأطفال (Shutterstoch)

لا حماية للمنظمات.. لا حماية للطفل

يتسع مجال حماية الأطفال، من تقديم التعليم والصحة والحاجات الأساسية، إلى شمل الأطفال غير المصحوبين ورعاية الأيتام وإعادة تأهيل الأطفال المجندين، وغيرها من الجوانب التي تعمل المنظمات في شمال غربي سوريا على تلبيتها، لكنها تواجه مشكلاتها الخاصة في تقديم الدعم.

برأي الحاج حسين، فإن من أولى المشكلات التي قد تعانيها المنظمات العاملة في مجال الحماية، هي نقص الخبرة والقدرة اللازمة على إدارة حالات الأطفال المعرضين للعنف بشكل احترافي، دون التسبب بالضرر.

ويعتبر الحاج حسين غياب القوانين الواضحة لحماية الطفل، مع غياب الأجسام الحكومية المختصة بذلك في المنطقة، من أهم العوائق، إذ لا تحمي السلطة الطفل ولا المنظمة التي تحاول مساعدته، لذلك تكون البدائل باللجوء إلى السلطات المحلية، مثل القادة المجتمعيين والمؤثرين الذين باستطاعتهم التدخل للمساعدة عبر إقناع المعنِّف بالتوقف عن فعلته.

تتسع احتياجات حماية الطفل للمطالبة بحشد مجتمعي ودعم في مختلف المجالات، حسبما أضاف الطبيب النفسي، كما تعد تلبية الحاجات الأساسية للسكان وتخفيف وطأة النزوح عليهم من الإجراءات المهمة على مستوى المجتمع، “الموضوع معقّد بين سياسي وإنساني ومجتمعي (…) في ظل الظروف الحالية هذا ما تستطيع المنظمات تقديمه”، كما قال.

الحال الآن “أفضل مما سبق”

تزايد الحاجات الإنسانية، خلال سنوات الحرب، لم يرتبط بزيادة حالات العنف المنزلي، حسب تقييم مدير منظمة “حراس الطفولة”، أحمد عرفات.

يرى عرفات أن جهود المنظمات المبذولة للتوعية وحملاتها كان لها أثر إيجابي على رفع وعي أفراد المجتمع بالابتعاد عن التعنيف، رغم نقص مراكز الرعاية واقتصار جهود الاستجابة على الحالات التي تُعرف للتعنيف، بلا بحث عن الحالات المسكوت عنها.

أشار عرفات إلى أن طرح فكرة الابتعاد عن تعنيف الأطفال، خلال سنوات الثورة الأولى، لم يكن مقبولًا من قبل المجتمع، أما الآن فتحسّن ذلك التقبل، رغم استمرار حالات التعنيف، وعدم كفاية الجهود المبذولة لوقفها.

ترتيب أولوية تأمين الحاجات الأساسية للسكان، من الغذاء واللباس والسكن، قبل جهود التوعية والعلاج النفسي، كان له أثر على قصور الجهود المبذولة من المنظمات المعنية بالحماية، حسب رأي مدير المنظمة المختصة برعاية الأطفال، الذي أضاف أن العمل على إطار قانوني يجرم الإساءة للأطفال هو المطلوب في المرحلة الحالية، بالتوازي مع تأمين مستلزمات الحياة للأهالي ومقدمي الرعاية ليكونوا أكثر تقبلًا لجهود التوعية.

تعمل 11 منظمة ضمن “قطاع الحماية” في شمال غربي سوريا، حسبما توضح التقارير الأممية، وهو يختص بحماية الأطفال ومقدمي الرعاية من أخطار العنف المنزلي والعنف المبني على النوع الاجتماعي والتجنيد وغيرها من القضايا.

وتضمن تقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA)، لخطة الاستجابة الإنسانية لعام 2021، شرح أن الوضع الاقتصادي وانتشار الفقر ونقص فرص العمل، ودمار وضياع الأملاك، والنزوح المتكرر المطول، وشروط المعيشة السيئة، وانفصال العائلات وتفككها، ولّد مستويات عالية من القلق النفسي لدى الأفراد والمجتمعات، ولذا يلجأ الناس إلى وسائل تكيّف مؤذية، مثل عمالة الأطفال والتجنيد واستغلال الأطفال والزواج المبكر، مع الاستمرار بالاتكال الزائد على المساعدات الإنسانية.

وتتأثر الشرائح المجتمعية بمشكلات الحماية بنسب غير متساوية، إذ تزيد بالنسبة للنساء والأطفال، ولدى المراهقين وكبار السن وذوي الإعاقة، والفئات الضعيفة أو المهمشة الأخرى أو المرفوضة اجتماعيًا، والذين يواجهون أيضًا عوائق إضافية في الوصول إلى الخدمات المتاحة المحدودة.

English version of the article

مقالات متعلقة