رواية “العاشق”.. القصص التي اكتملت بنقصها

ع ع ع

“إن نار العشق التي تكويه من الداخل أشد حرارة من النار التي داس عليها، ولذلك لم يحس بها، إنه عاشق”.

بهذه الجملة قدّم الكاتب الفلسطني الراحل غسان كنفاني، استنتاجه على لسان شاهد عيان وحيد كان حاضرًا حين داس قاسم على رماد لم ينطفئ، وهو الحاج سلمان، أحد أبطال رواية “العاشق” التي توقفت عند الصفحة 51 منها، لتكون أحد مشاريع غسان كنفاني الأدبية التي لم يُكتب لها النهاية.

في هذه الرواية الناقصة، يقدّم غسان وجهًا أدبيًا جديدًا لم يعهده به القارئ، فرغم نشر الكاتبة السورية غادة السمان رسائل غسان التي كتبها لها، بما تفور به من حب جامح يحمله رجل متزوج أتعبه المرض، وأنهكه النشاط السياسي في سبيل قضيته، وهو في ريعان الشباب، فإن “العاشق” تقدّم غسان كمراقب لحب مختلَق، حب يدور في ذهن الحاج سلمان، هذا الرجل الوقور الذي يقدّم استنتاجات مفعمة بالرومانسية.

وبهذه الطريقة، فقد قاسم اسمه فجأة ودفعة واحدة، وصار يلقب في الرواية وعند ضيوف الشيخ سلمان بـ”العاشق”، لمجرد أنه داس على الجمر ولم ينتبه.

يدور القسم المكتوب من الرواية حول إيقاعين، إذ لا يروي الشيخ سلمان أحداث الرواية مقدار ما يتشاركها مع قاسم أو “العاشق”، ما يمنح كل موقف أو حادثة وجهتي نظر وتفسيرين، ويتيح للآخر الدفاع عن نفسه أمام حكم متسرع من الأول.

“إن مستقبل إنسان كامل تراه فجأة متعلقًا بحادث صغير لا قيمة له”، “إن عقدة المسبحة أصغر من حباتها”، والكثير الكثير أيضًا من الحكم والعبر تسردها الرواية في مكانها الصحيح، دون إقحام مبتذل أو مصطنع، فالرواية تسير على هدي البساطة، والاقتراب من الحقيقة، فيما يبدو لو أن غسان يروي أحداثًا حقيقية انطلقت مع “العاشق” من تلال ترشيحا الفلسطينية.

وبتتابع أحداث الرواية، يتضح أن للشاب قاسم أسماء أخرى، ومنها عبد الكريم، إضافة إلى لقب “العاشق”، قبل أن يرمى في السجن، ويتحول منذ تلك اللحظة إلى “السجين رقم 362”.

وما إن ينقطع الخيط الروائي في “العاشق” حتى ينكشف الكتاب على “برقوق نيسان”، وهي مشروع رواية يعبر عنوانها عنها، في إشارة إلى شجرة من أصناف الخوخ، ولونه الذي يبدو بوضوح منذ الصفحات الأولى للرواية، مع شروح مستفيضة ومعمقة يقدّمها غسان للمرحلة التي شكّلت الإطار والمسرح الزمني لأحداث الرواية.

وبعد قليل من “برقوق نيسان”، تبدأ رواية “الأطرش والأعمى”، هذه الرواية التي بنيت على خلق التواصل بين شخصين أحدهما لا يرى، والآخر لا يسمع، تجمعهما صداقة غير متفق عليها، ثم تقودهما الأقدار لتفنيد إحدى خرافات القرية، في رسالة مكشوفة المعنى من غسان، مفادها أن العمى بالبصيرة لا بالبصر، وأن الطرش الحقيقي يكون بالاستماع إلى التخاريف المنافية للعلم والمنطق وتصديقها.

وحققت هذه الأعمال التي لم تنتهِ، أو لن تنتهي، أو ربما منحتها الأقدار نهاية مفتوحة، التأثير والغرض منها، بعد اغتيال غسان كنفاني في تموز 1972، على يد “الموساد” الإسرائيلي في شارع الحازمية في قلب العاصمة اللبنانية بيروت، وهو ابن 36 عامًا.

وقالت حينها رئيسة الوزراء الإسرائيلية، جولدا مائير، “بمقتل غسان تخلصنا من لواء فكري مسلح، فغسان كان يشكل خطرًا على إسرائيل أكثر من ألف فدائي مسلح”، في إشارة إلى عمق كلمته وقدرته على تحريك المشاعر وخلق حالة تعبئة نفسية بالكلمة وحدها، التي حفرها في الورق ووجدان القارئ، تاركًا قصصًا وروايات عاشت أكثر من كاتبها، وستعيش.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة