هل يمكن البناء على الحالة لحراك سلمي؟

“الإدارة الذاتية” تتراجع عن قرارات لتسكين الاحتجاجات

عناصر من "قسد" - 23 من آذار 2021 (AFP)

ع ع ع

عنب بلدي- علي درويش

استطاع الأهالي في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” شمالي وشرقي سوريا فرض مطالبهم على “الإدارة”، عبر احتجاجات سلمية رغم التعامل الأمني معهم، الذي أدى إلى مقتل محتجين سلميين.

وتراجعت “الإدارة الذاتية” عن قراري رفع أسعار المحروقات، والتجنيد في مدينة منبج شرقي حلب، منذ منتصف أيار الماضي، ثم أجّلت الخدمة الإلزامية العسكرية للشباب المنحدرين من مناطق يسيطر عليها “الجيش الوطني” ويقيمون تحت سيطرتها.

كما أفرجت عن الناشط الإعلامي وعضو المكتب الإعلامي في “المنظمة الآثورية الديمقراطية” التابعة لـ”جبهة السلام والحرية” حسام القس.

وتمتد مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” من مدينة منبج وعين العرب بريف حلب، مرورًا بمحافظة الرقة والحسكة وجزء من ريف دير الزور، باستثناء سيطرة النظام على جزء من مدينة القامشلي متمثل بمطار المدينة والمربع الأمني وجزء من الأحياء السكنية، كما أن مدينتي رأس العين وتل أبيض على الحدود التركية خارج مناطق سيطرتها.

الضغط الداخلي أجبر “الإدارة” على التراجع.. هل ينجح

مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، اعتبر أن رضوخ “الإدارة” لمطالب المحتجين جاء نتيجة “الضغط الشعبي والاستياء من الداخل وليس الخارج”، أي “من صلب المجتمع”، وليس من الجماعات السياسية المختلفة مع “الإدارة” كـ”المجلس الوطني الكردي”.

وأضاف الأحمد، في حديث إلى عنب بلدي، أن الاحتجاجات شارك فيها مواطنون من المؤيدين لـ”الإدارة” وهم جزء منها، ومن مختلف الأطياف، كالعرب والسريان والكرد والمنظمات التابعة لهم.

كما أن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية الداعم الأساسي لـ”الإدارة”، وخاصة أجنحتها العسكرية والأمنية، تدخل في توترات منبج، وحاول إيجاد حل وسط، كرفع رواتب العاملين ضمن “الإدارة” والقوى الأمنية والعسكرية، مقابل أن يكون هناك تجنيد طوعي، بحسب ما قاله بسام الأحمد لعنب بلدي.

ويرى الباحث في مركز “جسور للدراسات” أنس شواخ، أن استجابة “الإدارة كانت على شكل “مساومة”، إذ “لم يحقق المتظاهرون المطالب الأساسية بإلغاء التجنيد بشكل كامل”.

ورجح أنس شواخ، في حديث إلى عنب بلدي، أنه لن تكون هناك مستجدات حقيقية بالنظر إلى الحوادث القديمة، بسبب تشكيل لجنة محاسبة من قبل “الإدارة”، “ستكون نتيجتها محسومة لمصلحة “قسد”، وستماطل الإدارة ولن تحاسب المسؤولين في صفوفها عن قتل المحتجين في منبج المعترضين على قانون التجنيد الإلزامي.

وتعتبر “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) الذراع العسكرية لـ”الإدارة”، وتُتهم بهيمنتها على مفاصل الحياة العسكرية والمدنية في المنطقة.

واستطاعت “قسد” و”قوات الأمن الداخلي” (أسايش) التابعة لـ”لإدارة” قمع جميع المظاهرات السابقة الرافضة للتجنيد الإجباري، وأجرت حملات اعتقال طالت ناشطين مناهضين لها اتهمتهم بالانتماء لتنظيم “الدولة الإسلامية”.

وغالبًا ما يضغط التحالف الدولي على “قسد” للتراجع عن بعض القرارات كالأحداث الأخيرة، لأن “ذلك قد يُدخل المنطقة كلها في فوضى جديدة وصراع أهلي لن يكون لمصلحة التحالف الدولي”، حسب الباحث مهند الكاطع، المنحدر من المنطقة.

تأثير إيجابي للأحداث الأخيرة

ستولد الأحداث الأخيرة وما آلت إليه الأمور من قرارات “الإدارة الذاتية” دافعًا كبيرًا لبقية المناطق الخاضعة لسيطرة “الإدارة”، كي تطالب بحقوقها أكثر ويكون لها جدوى، وسترفع سقف توقعاتها للاستجابة، حسب الباحث أنس شواخ.

واعتبر الباحث شواخ أن تراجع “الإدارة” عن قرار التجنيد “فرصة ذهبية لجميع أبناء المناطق”، وستُستثمر عن طريق إضرابات واحتجاجات سلمية، رغم معرفة الناس أن ضريبتها قد تكون عالية.

بينما يتعيّن على المدنيين لتقوية موقفهم، حسب مهند الكاطع، أن يستمروا بفعاليات الحراك السلمي، و”رفض كل سياسات سلطات الأمر الواقع من أدلجة التعليم والمجتمع، وفرض مسميات وفعاليات لا تتناسب مع قيم المجتمع ولا مع الحالة الوطنية، ورفض كل رموز وشخصيات وأعلام أجنبية، تسعى جماعة حزب (العمال الكردستاني) لفرضها”.

وأكد مهند الكاطع وجوب أن يكون الحراك جماعيًا، ويحرص فيه المحتجون على توثيق نشاطهم أو ما يتعرضون له بالتصوير الحي والمباشر، لأن نقل صورة المظاهرات والحراك يشكّل أكبر وسيلة ضغط على إدارة الأمر الواقع.

وأشار بسام الأحمد إلى أن من الأساليب التي يمكن للأهالي تعزيز مواقفهم بها للضغط على “الإدارة الذاتية” لتحقيق مطالبهم، تنظيم أنفسهم والضغط للمشاركة في المؤسسات الحقيقية والحوكمة، وطرح متطلباتهم ومصالحهم، ونسيان مصالح الدول الأخرى.

آليات تعامل مع الاحتجاجات مفقودة

الباحث أنس شواخ قال، إن “قسد” لن يختلف تعاملها ضد الاحتجاجات، لأنه ليست هناك آلية مناسبة للتعامل مع احتجاجات كهذه.

إذ يجب تدريب جهاز أمني خاص قادر على التعامل مع هذه الاحتجاجات، و”قسد” لا تملك ذلك، كالقنابل الغازية وخراطيم المياه، أي الأساليب الطبيعية المستخدمة في جميع الدول.

وإذا لم يضغط التحالف الدولي لإنشاء هذا الجهاز فلن يتم التغيير في المستقبل القريب.

ثلاثة حوادث في أقل من شهر

اعتقل ملثمون يتبعون لـ”قسد” عضو المكتب الإعلامي في “المنظمة الآثورية الديمقراطية” التابعة لـ”جبهة السلام والحرية” حسام القس بعد الاعتداء عليه بالضرب في منطقة السوق وسط مدينة المالكية، على خلفية انتقاده عمليات التجنيد الإجباري لدى “قسد” عبر صفحته في “فيس بوك”، بحسب “الشبكة السورية لحقوق الإنسان“.

إلا أن “قسد” أفرجت عن الناشط الإعلامي حسام بعد يومين من الاعتقال، في 4 من حزيران الحالي، وسط أنباء عن تعرضه للضرب خلال فترة اعتقاله.

واضطرت “قسد” لإيقاف العمل بقانون “واجب الدفاع الذاتي” (التجنيد الإجباري)، المفروض في منبج، وإحالته إلى الدراسة والنقاش، وذلك عقب التوترات في المدينة، وإحراق حواجز ومقرات “قسد” في بعض القرى بمنطقة منبج احتجاجًا على قانون التجنيد.

وقُتل خلال الاحتجاجات ثمانية أشخاص وجُرح العشرات، بحسب ما نقلته “رويترز” عن مصادر طبية وأمنية محلية.

ووصلت ارتدادات الاحتجاجات في منبج إلى تأجيل “قسد” الخدمة العسكرية لأبناء مناطق خاضعة لسيطرة “الجيش الوطني” المقيمين في مناطق سيطرتها، بحسب تعميم صدر في 5 من حزيران الحالي.

وسنّت “قسد” منذ العام 2014 قوانين فرضت التجنيد الإجباري على الشباب بين 18 و30 عامًا، في مناطق سيطرتها الممتدة على معظم محافظة الحسكة وأجزاء واسعة من محافظتي الرقة ودير الزور ومدينتي كوباني (عين العرب) ومنبج بريف حلب الشرقي.

وتنتشر الحواجز الأمنية في مختلف مناطق سيطرة “قسد” لإيقاف أي شخص يمكن أن يشمله قانون التجنيد، في مشهد يعيد إلى ذاكرة السوريين في المنطقة ما كانت تفعله حواجز قوات الأمن السورية باقتياد الشباب إلى الخدمة الإلزامية، وهو ما قوبل بمظاهرات رافضة سابقة.

وألغت “الإدارة الذاتية” القرار رقم “119”، في أيار الماضي، القاضي برفع أسعار المحروقات إلى أضعاف، وأعادت الأسعار التي كانت قبل صدور القرار، وذلك إلى حين صدور قرار جديد وإجراء تعديلات.

ويأتي إلغاء القرار نتيجة مظاهرات شهدتها مناطق شمال شرقي سوريا، احتجاجًا على رفع أسعار المحروقات.

لكن “الإدارة” علّقت في بيانات لها على الاحتجاجات بأنها استُغلّت من قبل “متربصين وعابثين بالأمن العام، لضرب الأمن والاستقرار عبر الاعتداء على النقاط والمراكز العسكرية والمؤسسات المدنية، واستعمال السلاح ضد القوى الأمنية والعسكرية بين المدنيين، ما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا وعدد من الجرحى”، وهو ما تحدثت عنه أيضًا في أحداث منبج الأخيرة وحتى التوترات السابقة المناهضة لها.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة