قراءة متأخرة في فيلم سوري

ع ع ع

نبيل محمد

تبدو متأخرة قراءة فيلم سوري أُنتج سنة 2018، وخاض مهرجانات دولية عدة، وحاز على جائزة أفضل فيلم في مهرجان “فينيسيا” السينمائي، في أيلول 2018، إلا أن شبكة “نتفليكس” أتاحت الفيلم مؤخرًا، وفيه ما يستوجب المراجعة، خاصة بعد توفّره لجمهور المنازل لا جمهور المهرجانات الدولية، ومما يستوجب الكتابة فيه أيضًا حالة البحث الدائم عن فيلم روائي لا وثائقي سوري منتَج خارج سلطة المؤسسة الرسمية السورية، التي حوّلت السينما السورية خلال أعوام خلت إلى كتلة من النمطيات الممجوجة، واختصرتها بإرهابي طويل اللحية، ومقاتل شجاع في الجيش، وأم صابرة على غياب ابنها، وطفل يمثّل الأمل، في سردية صارت مجرد قراءة اسم الفيلم توحي بتفاصيله الدقيقة لا خطوطه العامة فقط.

يُحسَب لفيلم “يوم أضعت ظلي” للمخرجة السورية سؤدد كعدان، واقعيته البسيطة، رغم تغييب معالمها خلف الخطوط الرمزية المواكبة للحدث، واقعية تنقل المشهد السوري بمفرداته البسيطة، خاصة أنه يحاكي فترة 2012، حيث الحراك في أوجه،

وسلطة الأمن والجيش في أعتى مراحلها، والمجازفة بالخروج في مظاهرة ضد النظام السوري، يقابلها حفر عشرات القبور بانتظار الشهداء العائدين مساء، والذين خطفهم رصاص القناصين.
رحلة تبدأ من الانتظار في طابور الغاز، وتنتهي على أطراف دوما، حيث تجد بنت المدينة نفسها في الريف الذي تنقله محطات الإعلام الرسمي على أنه موئل للإرهابيين، لتتعقّب تفاصيل الثورة، وتجد نفسها في خضمّها وهي التي تحاول قدر المستطاع تحييد نفسها، لتبقى بجانب طفلها تعدّ له طعامه على ضوء الشمع، وتغسل ملابسه على دفعات، فالكهرباء قليلة الحضور في المنازل، تشتم حظها وبلادها لسوء الأوضاع، ثم تجد هذه الأوضاع ذاتها وقد تركتها تحفر قبرًا ينتظر شهيدًا ما عائدًا من مظاهرة.

لم يلعب الخط الأساسي في الفيلم دورًا يمنحه ما ينقصه، فتلك الظلال التي يفقدها الناس كلما تورطوا بأن يكونوا طرفًا في ما يحدث، جعلت صراعًا فنيًا واضحًا في الفيلم ما بين الحفاظ على واقعيته البسيطة ولغته العادية الشعبية، وما بين الرمز الذي سيطغى على اللغة ذاتها، ليخرج بحوارات كان بقاؤها في السياق الواقعي أفضل، كحوار الأم مع المقاتل، الذي بدا مفاجئًا وشاذًا عن السياق باحثًا عن الترميز الذي لا بد سيكون متكلفًا في مشهد كهذا، حين افتتحت حديثها مع المقاتل وهي الخائفة من السلاح الذي يحمله، وتسحب جثة صديق رحلتها تلك، لتقول له “برد”، فيكتمل الحديث رمزيًا مسرحيًا في مكان أحوج ما يكون إليه الفيلم إلى رد فعل طبيعي واقعي، يمكن للممثلة أن تؤدي فيه مشهدًا قد يكون أساسيًا في الفيلم، مع العلم أن سوسن أرشيد كانت بعيدة عن الأداء المقنع، وبدت إمكانياتها التمثيلية ضعيفة، في مكان يحتاج إلى ممثل محترف.

لم يكن ليعيب الفيلم إن خلا من رمزية الظلال وغيابها شيء، بل ربما أعادت قضية الظلال تلك الفيلم إلى هوية سينمائية سورية حضرت لسنوات طويلة، يحاول فيها الصنّاع ابتداع الرمز، وتهويم اللغة، وخلق الشعرية في الحوارات، ليكون المتضرر الأكبر في ذلك هو الحدث، والخط الواقعي، والمتعة في مكان ما. فيمكن لظلال أولئك الذين تقترب كل خطاهم من القبور الفارغة والجاهزة لاستيعاب الموتى، أن تختفي دون الدليل المباشر على اختفائها ودون تكريسها على لسان أبطال الفيلم، وتحويلها إلى سردية يقوم الفيلم عليها، ويعطيها المكان الواقعي حين يتم نقاش قضية غياب الظلال بأنها صارت أمرًا عاديًا في دمشق وحمص.

إن رحلة الأم وناشطي الثورة من دمشق إلى دوما، وإقامتهم في ذلك المنزل الريفي بجانب النساء اللائي يحفرن القبور في الصباح لدفن أبنائهن في المساء، كانت قصة سينمائية لا ينقصها شيء، فيما عدا ممثلة أكثر مقدرة على الأداء، وأكثر مرونة في التنقل بين الانفعالات المختلفة. أما أن يحصل الفيلم على جوائز دولية، ويحضر في مهرجانات عالمية، ويُترجَم، فهو ما يبعث السرور في أن تكون سينمانا هنا، وسينماهم تعرَض تحت شعارات الحزب وصور القائد في مركز ثقافي تأكل الرطوبة جدرانه.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة