ع ع ع

أمل رنتيسي | ديانا رحيمة | علي درويش

“على الدول أن تتذكر أن الوصاية على الثقافة واجب وليست حقًا، ومن الواجب حماية تدمر وأديرة معلولا وأضرحة المسلمين في سوريا والعراق، وهذا ما تفعله روسيا اليوم، فتدمر بالنسبة لنا صورة رائعة، موازية لجمال مدينة سانت بطرسبرغ، إذ تظهر المدينة على أغلفة الكتب المدرسية الروسية، والعديد من الروس قد عمّدوا أبناءهم في الأديرة السورية (…) إنه تراثنا أيضًا”.

كلمات قالها المستشرق الروسي ومدير متحف “أرميتاج” في مدينة سانت بطرسبرغ، ميخائيل بيوتروفسكي، في كلمة له عام 2015 حول حماية الرموز الثقافية عقب تدمير تنظيم “الدولة الإسلامية” آثارًا في مدينة تدمر شرق حمص.

حمل تصريح بيوتروفسكي عدة أبعاد أظهرت الاهتمام الروسي بآثار سوريا، لتتبعه عدة تصريحات حول “حماية ورعاية وترميم” الآثار في سوريا التي تعرضت للدمار أو التخريب في العمليات العسكرية.

لكن الأمر لم يتوقف عند التصريحات الرسمية للروس، إذ اتخذوا خطوات عملية تنوعت بين ترميم بعض المناطق الأثرية، أو تصوير أخرى وإعداد صور ومخططات رقمية، لتدخل لاحقًا ضمن الخطوات العملية الروسية.

ويضاف قطاع الآثار إلى القطاعات الأخرى (السياسية والاقتصادية والعسكرية)، التي بدأت روسيا بالتغلغل والسيطرة عليها، منذ إعلان تدخلها في سوريا إلى جانب النظام في أيلول 2015.

ومع منع السلطات الفرق الأثرية من دول اتخذت موقفًا ضد النظام، نتيجة الانتهاكات بحق السوريين، من تجديد أوراق اعتمادها، تتمتع الفرق الروسية بتسهيلات وتسرح وتمرح في قطاع تهشم منذ عام 2011.

تسلّط عنب بلدي الضوء في هذا الملف على النشاطات الروسية في عدة مواقع أثرية، ومكاسبها الحالية والمستقبلية من السيطرة على هذا القطاع، ودور منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو).

الهدف القادم لروسيا في سوريا.. تراثها

يعد التراث الثقافي السوري إحدى أبرز ضحايا الحرب في سوريا، لوجود أكثر من عشرة آلاف موقع أثري فيها، سُجّل حوالي ثلاثة آلاف موقع منها في القائمة الوطنية، وستة منها في قائمة التراث العالمي.

ومنذ اندلاع الثورة في سوريا عام 2011، تضررت المواقع الأثرية خلال قصف قوات النظام السوري وروسيا أو المعارك بين مختلف الأطراف، أو لأسباب عسكرية وأيديولوجية، ونُهبت الآثار لدعم الجماعات المقاتلة، مثل الميليشيات الرديفة للنظام السوري وتنظيم “الدولة الإسلامية”، وازدهرت تجارة الآثار غير المشروعة.

وبسبب ذلك، أطلقت منظمة “يونسكو”، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي، العديد من المشاريع لحماية التراث السوري الذي يدمَّر ويسرَق بشكل مستمر، أهمها مشروع يقضي بالتحرّك لحماية الآثار السورية بشكل طارئ، مع وضع آليات عديدة وعملية من أجل تفعيل عملية الحفاظ على ما تبقى من آثار، والمساعدة في الكشف عما تمّت سرقته أو تدميره، وملاحقة مرتكبي جريمة الاتجار بالآثار بطرق غير مشروعة، ومحاسبتهم أمام القانون الدولي.

وتبقى ملاحقة المنتهكين لتلك القوانين أمرًا صعبًا نظرًا إلى الفساد الكبير، والصفقات المشبوهة على حساب هذا التراث، وصعوبة الوصول إلى هذه الأماكن بسبب الأوضاع الأمنية المعقدة، فضلًا عن شح المعلومات حول آلية التعاطي مع القانون الدولي من قبل المحامين والناشطين المحليين في سوريا.

قوس النصر الأثري في تدمر (DPA)

روسيا تستثمر

أمام هذا الواقع، تتمثل خطة روسيا في استخدام المواقع التاريخية كطريقة لإشراك نفسها في سوريا ما بعد الحرب، وتعمل في الوقت نفسه كطريق لتطبيع العلاقات مع الغرب بعيدًا عن المجال السياسي الذي أصبح معقدًا.

مدير متحف “إدلب”، أيمن النابو، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن قطاع الآثار يعتبر ملفًا سياديًا لدى الدول التي “تحترم نفسها”، لكن في الحالة السورية مع التدخل الروسي فالأمر مختلف.

ويعود اعتبار الآثار ملفًا سياديًا، لأنها تعبر عن الجذور التاريخية والهوية الحضارية للبلد، لذلك تأخذ جانبًا إعلاميًا وترويجيًا كبيرًا، وهذا المفهوم الذي تعمل عليه روسيا.

كما أن ملف الآثار مهم وسيكون له “حصة الأسد” في إطار إعادة الإعمار مستقبلًا، حسب النابو، من حيث إعادة الترميم وتأهيل المواقع الأثرية، من الناحية الفنية والعمرانية، وتطوير النظرة السياحية مستقبلًا في إعادة الإعمار، لذلك ستُضخ أموال ضخمة في القطاع، ولذلك فروسيا منتبهة لذلك، وتعمل ليكون هذا الملف تحت إدارتها وسيطرتها.

ونشرت مجلة “OZY” الإعلامية العالمية، في شباط 2020، مقالًا بعنوان “هدف روسيا التالي في سوريا هو إرثها”، ذكرت فيه أن روسيا أصبحت تجد المواقع الثقافية القديمة أحدث طرقها لاكتساب النفوذ في الشرق الأوسط.

ويرى عالم الأنثروبولوجيا والأستاذ المساعد في التراث الثقافي بقسم التاريخ وتاريخ الفن في جامعة “أوتريخت” الهولندية، جيرتجان بليتس، أن مدينة تدمر شرق حمص تشكّل أهمية كبيرة بالنسبة للروس، إذ يتم استخدام المدينة باستمرار من قبل وسائل الإعلام خلال تصوير الحرب في سوريا”، حسب ما ورد في التقرير.

ونشر بليتس بحثًا ذكر فيه أنه منذ العام 2017 حتى شباط 2020، نشرت وكالة أنباء “ريا نوفوستي” الروسية الحكومية، 31 مقالًا خاصًا عن التراث السوري وحده، وذلك كجزء من جهد أوسع لإضفاء الشرعية على مشاركة موسكو وقواتها في سوريا أمام الجمهور الروسي.

وبينما شهدت معظم الفرق الأثرية الدولية من البلدان التي تعارض حكوماتها النظام السوري انتهاء صلاحية أوراق اعتمادها في سوريا، سُمح للفرق وعلماء الآثار الروس بالعمل في بعض المواقع، على الأقل في تدمر وحلب.

لا تنسيق.. اكتشاف المكتشَف

النشاط الروسي في قطاع الآثار السورية تشوبه العديد من الانتقادات، أبرزها محاولة تعزيز المكاسب السياسية على حساب الملف، وغياب التنسيق مع السلطات المحلية ممثلة بالمديرية العامة للآثار والمتاحف.

ومن أبرز الأمثلة على غياب هذا التنسيق، إعلان مدير معهد العلوم الاجتماعية والعلاقات الدولية الروسي، ديمتري تاتاركوف، عن اكتشاف بعثة روسية- سورية بقايا أثرية يُعتقد أنها لميناء قديم قبالة الساحل السوري غربي سوريا، في 28 من كانون الثاني الماضي.

وقال مدير عام المديرية العامة للآثار والمتاحف، نظير عو، إن هذا الاكتشاف معروف بالنسبة للمديرية العامة للآثار والمتاحف ودائرة آثار طرطوس، مشيرًا إلى أن المديرية كانت تنتظر تقريرًا مفصلًا من الجانب الروسي بخصوص الاكتشافات، وإجراء مشاورات بين الطرفين بخصوص كيفية نشر هذه المعلومات.

الخبير في الآثار سعد فنصة، الذي عمل قرابة 30 عامًا في متحف “دمشق الوطني”، والمدير السابق لقسم التصوير والأرشيف الوثائقي للآثار السورية، أكد في حديث إلى عنب بلدي، أن هذا الميناء مكتشَف سابقًا من بعثة فرنسية، قبل عقود، وحُددت معالمه الأولية وعهد بناء بقايا حجارته القديمة، التي تعود إلى عصر ازدهار مملكة أرواد، التي سيطرت على كل مرافئ الساحل الفينيقي القديم.

ولكن المعلومات المتسرعة من قبل الروس حول تاريخ الميناء “تؤكد أن أصحاب البحث لا علاقة لهم بتاريخ الآثار السورية، وليسوا أثريين أصلًا، وأن كل هذه الأعمال الجارية اليوم هي غطاء للبحث عن ثروات وكنوز أخرى”، حسب سعد فنصة.

وانتقد فنصة غياب القرار الوطني، معتبرًا أن القرار الروسي هو الأول والأخير اليوم في سوريا، وأن ملف الآثار السورية جزء صغير من ملفات معقدة وأكثر أهمية للمافيا الروسية.

ثالوث الإله بعل شمين archeologie

مكاسب روسية من الاهتمام بالآثار السورية

تاريخيًا، أشرف الأوروبيون بشكل كامل على أعمال الترميم والتنقيب في سوريا، ومع إدخال أنظمة الأتمتة إلى دائرة الآثار والمتاحف السورية، بدأت رقمنة بعض مشاريع الترميم والمواقع الأثرية، بتمويل أوروبي (خاصة فرنسا وإيطاليا وسويسرا)، بحسب ما قاله الخبير السوري سعد فنصة، لعنب بلدي.

وبقيت المشورة الأوروبية في قضية الآثار السورية طوال العقود الماضية حاضرة، نظرًا إلى ضعف الخبرات السورية الوطنية.

واليوم، وضعت روسيا يدها على موارد سوريا بصك بيع قطعي بتوقيع بشار الأسد، ومن أهم المكاسب التي يمكن أن تحققها روسيا من قضية الآثار السورية، رسالتها الرمزية إلى العالم بتحسين صورتها الثقافية.

والأهم، بحسب فنصة، وهو أحد مؤسسي جمعية “العاديات” لحماية الآثار بدمشق وعضو مجلس إدارتها، الحصول على التمويل من المنظمات الدولية وفي مقدمتها “يونسكو”، وهي أموال طائلة تُرصَد عادة لإدارة المواقع المحمية عالميًا بقرار من المنظمة الأممية، وتتسرب إلى الجيوب لدى منظومة الفساد المعتادة عند الأنظمة الشمولية، التي تفتقر لأدنى معايير الشفافية والمحاسبة.

كما أن الكشف عن مواقع أثرية جديدة بالتنقيب يمكن أن يكون له أكبر الأثر في تغذية المتاحف الروسية بدفعة جديدة من الآثار.

الصحفي السوري الناشط في الدفاع عن الآثار السورية عمر البنيه، أكد لعنب بلدي أسباب وضع روسيا يدها على ملف الآثار في سوريا، ملخصًا إياها بسببين، هما نقل القطع من سوريا إلى روسيا بالطائرات والمتاجرة بها، ووضع اليد على أموال إعادة الترميم بقطاع الآثار، عبر عقود بعوائد مادية كبيرة، يصل جزء منها من منظمة “يونسكو” ومن بعض المؤسسات الدولية المعنية بحماية التراث.

توجهت عنب بلدي بالأسئلة إلى “يونسكو”، لكن المنظمة لم تعطِ تفاصيل حول كيفية تمويل المشاريع المتعلقة بالآثار في سوريا، والجهات التي تحصل على التمويل.

واكتفت المنظمة بالإجابة عن تساؤلات طرحتها عنب بلدي، عبر البريد الإلكتروني، بأنها تموّل من خلال مشاريع صندوق التراث العالمي في مواقع التراث العالمي السورية، وعبر مشاريع المساعدة الدولية المدرَجة على موقعها الإلكتروني.

مشاريع ممولة من “يونسكو” في قطاع الآثار

موّلت “يونسكو” منذ عام 2011 حتى عام 2021 ثلاثة مشاريع بقيمة 90 ألف دولار أمريكي، حسب معلومات مشاريع المساعدة الدولية، المدرَجة على موقعها الإلكتروني:

مشروع حماية سور دمشق والبنية العمرانية المجاورة للسوق في المنطقة الواقعة بين باب السلام وباب توما في مدينة دمشق القديمة.
بتاريخ 29 من تشرين الأول 2020، قيمة التمويل 30 ألف دولار أمريكي.
نوع المساعدة: ثقافية/ طارئة.

مشروع التوثيق والتدخل الإنشائي الطارئ في قلعة “الحصن” وقلعة “صلاح الدين”.
بتاريخ 3 من آذار 2020، قيمة التمويل 30 ألف دولار أمريكي.
نوع المساعدة: ثقافية/ حفظ.

خطة الإنعاش لمدينة بصرى القديمة.
بتاريخ 21 من كانون الأول 2018، قيمة التمويل 30 ألف دولار أمريكي.
نوع المساعدة: ثقافية/ طارئة.

وأوضح عمر البنيه أن الأموال التي تدفعها “يونسكو” لإعادة ترميم الآثار في سوريا، تذهب جميعها إلى روسيا ومديرية الآثار والشركات المنفذة، إذ تنفَّذ العقود من قبل شركات روسية.

وذكر موقع “ZANK” الروسي المعارض، في تشرين الثاني من عام 2019، أن سياحًا روسيين بدؤوا بالسفر في إجازة إلى سوريا، وتكلفة الجولة تتجاوز 100 ألف روبل روسي.

ويرسَل المصطافون إلى سوريا من قبل شركات تنظم رحلات روسية، وهي “كليمنجارو” و”ميراكل”، بعد الوصول إلى بيروت، ثم ينتقلون إلى الأراضي السورية برًا.

وتستمر الجولة ثمانية أيام، يزور خلالها الروس دمشق وحلب وحماة وكراك شوفالييه في حمص، ومدينة تدمر وبلدة معلولا بريف دمشق.

لكن عقب تقارير إعلامية عن الجولات، أصدرت الوكالة الفيدرالية الروسية للسياحة توصية لجميع شركات السياحة بوقف عرض الرحلات إلى سوريا، ونصحت السائحين الروس بتجنب الرحلات إلى البلاد حتى “تطبيع الوضع“.

من جهته، يرى المحلل السياسي السوري المختص بالشأن الروسي الدكتور محمود حمزة، في حديث إلى عنب بلدي، أن الاهتمام الروسي بالآثار السورية وتعدد التصريحات حول ذلك، هو “تلميع للصورة”، واستفادة من الجوانب العلمية والثقافية.

ويربط الدكتور محمود حمزة، المقيم في روسيا، بين تصريحات الروس حول قطاع الآثار في سوريا التي تتشابه مع تصريحاتهم السابقة حول تدخلهم العسكري، بأنهم قادمون لـ”تحرير” البلاد من تنظيم “الدولة الإسلامية”، وأن موسكو “لم تدخل كمحتل أو داعم للنظام بقدر ما تقوم بعمل إنساني يخدم البشرية”.

عالم الأنثروبولوجيا الهولندي جيرتجان بليتس، يرى أن ترميم الآثار في سوريا ليس مجرد سباق مباشر بين روسيا والغرب حول ثقافة سوريا، بل إن روسيا تحاول، من خلال “يونسكو”، إشراك فرق دولية في المشاريع السورية التي تدعمها الوكالة التابعة للأمم المتحدة، ويتمثل هدفها بأنه “إذا كانت روسيا والدول الغربية تعمل معًا من خلال (يونسكو)، فهذا في الأساس اعتراف من الغرب بنظام الأسد”.

استطلاع: النفوذ السياسي أولًا

أجرت عنب بلدي استطلاعًا للرأي عبر موقعها الإلكتروني ومنصاتها في مواقع التواصل الاجتماعي، عن أسباب ازدياد الترويج الإعلامي لما تقوم به روسيا من عمليات ترميم وتنقيب عن الآثار في سوريا.

شارك في الاستطلاع حوالي 400 مستخدم، وصوّتت نسبة 76.2% منهم على أن الهدف الروسي هو زيادة النفوذ السياسي، بينما رأت نسبة 23.8% أن السبب هو الاهتمام بالأماكن الأثرية.

معبد بعل شمين في تدمر – 2016 (تاس)

البداية من تدمر.. ملامح النشاط الروسي

عام 2016، حثّت روسيا “يونسكو” على إيلاء الاهتمام بالمساعدة في إعادة ترميم المدينة الأثرية في سوريا، التي تعرضت للتخريب.

والتقى نائب وزير الخارجية الروسي السابق، غينادي غاتيلوف، في أيار 2016، بالمديرة العامة للمنظمة، إيرينا بوكوفا، لبحث مدى استجابتها، وطلب تقديم المساعدة لسوريا في ترميم الآثار المتضررة في تدمر.

ودعا غاتيلوف، في جلسة للمجلس التنفيذي لـ”يونسكو”، حينها، الخبراء الدوليين للذهاب إلى تدمر، وقال، “الآن أصبح من الضروري أن تراقب (يونسكو) الوضع في منطقة تدمر، وترسل فورًا، بعد توفير الظروف الأمنية اللازمة، بعثة من الخبراء الدوليين لتقييم الأضرار”.

وخلال الأشهر الأخيرة، ازداد حديث الإعلام الروسي عن الأماكن الأثرية في سوريا، سواء المدن الأثرية أو المتاحف أو الكنائس، حسبما رصدت عنب بلدي.

في 8 من حزيران الحالي، تحدثت قناة “RT” الروسية عن ترميم الكنيسة المسيحية في مدرسة “الحلوية ” بحلب.

ونقلت القناة عن نائبة مدير معهد التاريخ والثقافة المادية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، ناتاليا سولوفيوفا، قولها، “لدينا نتيجة نهائية لعملنا، وهي إنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد، بصفته نظامًا معلوماتيًا جغرافيًا وأرشيفًا إلكترونيًا”.

ويروي النموذج قصة كل أثر تاريخي وحضاري، والمواد الأرشيفية المتعلقة به، على أن تقدم نظام المعلومات الجغرافي هذا للمجتمع العالمي، حسب قول سولوفيوفا.

واستخدم الروس في تصوير المواقع الأثرية طائرات دون طيار، تصوّر المكان من زوايا مختلفة، ثم تعالج الصورة الفوتوغرافية، وتشكل نموذجًا ثلاثي الأبعاد، كما يقيس العلماء درجة حرارة الحجارة ويحددون أضعف النقاط في هيكل المبنى، حسب إيغور بلوخين، الباحث في معهد التاريخ والثقافة المادية التابع لأكاديمية العلوم الروسية.

وأعلن الروس عن مشروع، في 2 من أيار الماضي، يشمل فحص عشر كنائس في مدينة حلب تعود إلى أوائل العصور الوسطى، والتقاط صور ومقاطع مصوّرة لها، وإعداد نماذج ثلاثية الأبعاد ومخططات تقويمية للمناطق التي تقع فيها، بقيادة علماء الآثار الروس، حسب “RT”.

أنشأ الروس نموذجًا ثلاثي الأبعاد لقلعة “دمشق”، حسبما أعلنت وكالة “تاس” في شباط الماضي، والأمر لم يتوقف عند قلعة “دمشق”، إذ أعدت نماذج لتدمر.

وفي 12 من نيسان الماضي، أعلن “صندوق ترميم تدمر” أن ترميم قوس النصر في مدينة تدمر الأثرية شرقي حمص، سيبدأ في 2022.

وأُسس “صندوق ترميم تدمر” من قبل روسيا لجمع الأموال من أجل ترميم مدينة تدمر، بالتعاون مع عدد من الجهات والمتاحف الدولية.

خطة الترميم تتألف من ثلاث خطوات هي: توثيق الأضرار الحالية، دراسة الأضرار للحصول على رسوم افتراضية لها، ثم الانتقال الفعلي إلى الترميم، حسبما نقلت وكالة “إنترفاكس” الروسية عن المدير التنفيذي للصندوق، سيرجي تيتلينوف.

وفي آذار الماضي، تحدثت وكالة “تاس” عن مشروع تجهيز قوائم رقمية للمواقع التاريخية في سوريا من قبل شركة روسية.

ونقلت الوكالة عن رئيس قسم التفاعل مع المؤسسات التعليمية لمجموعة شركات “Geoscan”، أوليج جوربونوف، أن الشركة تعتزم بالتعاون مع المعاهد التاريخية رقمنة المواقع التراثية والتاريخية في سوريا، وسيبدأ العمل خلال العام الحالي إذا سمحت الأوضاع بذلك.

وبحسب جوربونوف، صُوّرت الأمور الرئيسة في مدينة تدمر بريف حمص الشرقي، لكن الخبراء لا يستبعدون احتمال إعادة التصوير، لتوسيع نطاق المشروع وتوسيعه إلى مواقع أخرى، وهو ما جرى فعليًا في حلب ودمشق.

هل لدى روسيا الخبرة الكافية؟

تملك روسيا خبرة قليلة في علم الآثار، فالبعثات التي كانت تعمل في سوريا سابقًا هي أمريكية وفرنسية وألمانية، حسب الصحفي السوري المهتم بقطاع الآثار عمر البنيه.

وقال البنيه إنه لم تكن هناك إلا بعثة روسية وحيدة في موقع “تل خزنة” شمال شرقي مدينة الحسكة، وكانت نشاطاتها مجهولة المعالم ولم تنشر أي أبحاث أو نتائج.

المؤرخة وعالمة الآثار الفرنسية آني سارتر فوريا، والمتخصصة بآثار تدمر منذ أكثر من 40 عامًا، أعربت، في حديث عام 2016 لموقع “دويتشه فيله” الألماني، عن قلقها من الدور الروسي بالنسبة لآثار تدمر، إذ قالت إن روسيا تفتقد إلى الخبرة لترميم الآثار.

وقالت المؤرخة الفرنسية، إن “الروس لم يسبق لهم قط أن قاموا بالبحث بجدية في الموقع (الأثري) في تدمر، سواء كعلماء آثار أو علماء تاريخ”.

وأضافت سارتر فوريا أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ساعد رئيس النظام السوري، بشار الأسد، فقط في العودة للاستيلاء على تدمر “لكي يحتفي بنفسه بأنه منقذ”.

من جهتها، ترى “يونسكو”، في إجاباتها عن أسئلة عنب بلدي، أن الاتحاد الروسي هو واحد من 21 عضوًا في “لجنة التراث العالمي”، ولديه فرق خبراء تحت تصرفه.

وأضافت المنظمة أن متحف “أرميتاج” في مدينة سانت بطرسبرغ يحتوي على أكبر متحف خارج البلاد لآثار تدمر السورية، ويعمل المتخصصون الروس في هذا الصدد لفترة طويلة، كما شاركوا في الورشات ذات الصلة التي نظمتها “يونسكو”.

وتتعاون “يونسكو” مع عدد من الشركاء والتبادلات بشأن حماية مواقع التراث العالمي مع الهيئات الاستشارية، كـ”المجلس الدولي للمعالم والمواقع” (ICOMOS)، و”المركز الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية” (ICCROM)، ومؤسسة “آغا خان” في ترميم حلب، بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني، وخبراء في الشتات السوري، بحسب ما أفادت به المنظمة عنب بلدي.

عقوبات قانونية لكن “حاميها حراميها”

المحامي أحمد صوان تحدث سابقًا لعنب بلدي عن عقوبات تهريب الآثار والتنقيب عنها، وبيّن أن عقوبة تهريب الآثار جنائية الوصف، وهي عقوبة قاسية ورادعة وتتساوى مع عقوبة جريمة القتل بالقانون السوري.

إذ نصت المادة “56” من قانون الآثار السوري على أنه “يعاقَب بالاعتقال من 15 سنة إلى 25 سنة وبالغرامة من خمسمئة ألف ليرة إلى مليون ليرة كل من هرّب الآثار، أو شرع في تهريبها”.

أما عقوبة التنقيب عن الآثار من دون ترخيص فقد نصت عليها المادة “57/2” من قانون الآثار، وجاء فيها أنه “يعاقَب بالاعتقال من عشر سنوات إلى 15 سنة وبالغرامة من مئة ألف إلى خمسمئة ألف ليرة سورية كل من أجرى التنقيب عن الآثار خلافًا لأحكام هذا القانون”.

ويقصد بالتنقيب عن الآثار، “جميع أعمال الحفر والسبر والتحري التي تستهدف العثور على آثار منقولة أو غير منقولة في باطن الأرض أو على سطحها أو في مجاري المياه أو البحيرات أو حتى في المياه الإقليمية”.

وتضمنت المادة “57ج” من القانون عقوبة الاتجار بالآثار، إذ نصت على أنه “يعاقَب بالاعتقال من عشر سنوات إلى 15 سنة وبالغرامة من 100 ألف إلى 500 ألف ليرة سورية كل من: ج ـ اتجر بالآثار”.

وتهدف القوانين المحلية والدولية الخاصة بالآثار إلى حمايتها والحفاظ عليها من العبث والتخريب والسرقة.

الخبير سعد فنصة، وهو المدير السابق لقسم التصوير والأرشيف الوثائقي للآثار السورية، يرى أن قانون الآثار السوري منح صلاحيات وتسهيلات واسعة للهيئات ومراكز البحث الأثرية، وحدد بدقة قضية عدم السماح بإخراج القطع الأثرية المكتشَفة عن طريق البعثات الأجنبية، إلا للدراسة والفحص والإعادة الى المتاحف الوطنية بانتهاء البحوث.

ولكن الخبير قال لعنب بلدي، إن هناك قطعًا أثرية خرجت من سوريا ولم تعد في مراحل سابقة، دون سلطة حقيقية لمديرية الآثار، لمصلحة سلطة أكبر تتعلق بمنظومة نهب الآثار التي شرعنتها حكومة الأسد، وكان أغلبية المسؤولين الأمنيين في سوريا، يفتخرون باقتنائهم آثارًا نُهبت من المواقع الأثرية، بعلم هذه “السلطات الأثرية الكاريكاتيرية”، بحسب وصفه.

English version of the article

مقالات متعلقة