أهداف تفاوضية أم حملة عسكرية؟

سيناريوهات تصعيد النظام في شمال غربي سوريا

عنصر من الدفاع المدني يحاول انتشال مدني من تحت أنقاض نزله جنوبي إدلب – 6 حزيران 2021 (الدفاع المدني)

ع ع ع

عنب بلدي- علي درويش

تشهد مناطق شمال غربي سوريا تصعيدًا عسكريًا، منذ 5 من حزيران الحالي، تسبب بموجة نزوح من ريف إدلب الجنوبي، وسط تخوف من عمليات عسكرية على الأرض.

واعتاد السوريون في المنطقة أسلوبًا موحدًا للنظام بدعم روسي وإيراني قبل شن حملة عسكرية، تبدأ بالقصف المدفعي للمناطق المدنية والبنية التحتية خلف خطوط التماس، ثم الانتقال إلى القصف وقطع طرق الإمداد عبره، وأخيرًا تكثيف القصف والتقدم بواسطة القوات البرية.

وتخضع المنطقة لاتفاق “موسكو”، الموقّع بين تركيا وروسيا، على وقف إطلاق النار، لكن الخروقات استمرت منذ توقيعه، إذ استجابت فرق “الدفاع المدني السوري” منذ بداية العام الحالي حتى أيار الماضي لأكثر من 420 هجومًا من قبل روسيا والنظام، ما تسبب بقتل 53 شخصًا بينهم عشرة أطفال وتسع نساء، بينما أُصيب 136 شخصًا.

ومنذ 5 من حزيران الحالي، كثّف النظام قصفه على مناطق سيطرة المعارضة بشكل مختلف عن السابق، ما أدى إلى وقوع ضحايا يوميًا، ونزوح 1867 مدنيًا، حسب بيان لفريق “منسقو استجابة سوريا”.

استبعاد عمل عسكري موسّع

رئيس وحدة المعلومات في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية”، الباحث نوار شعبان، استبعد شنّ النظام عملًا عسكريًا ضد مناطق سيطرة المعارضة، لأسباب “لوجستية ودولية”.

لكن النظام في هذه المرحلة يستهدف “عشوائيًا” دفاعات فصائل المعارضة واللوجستيات والبنى التحتية في مناطق سيطرة المعارضة، لإضعاف وإنهاك وتشتيت دفاعات معيّنة، حسب حديث الباحث نوار شعبان إلى عنب بلدي، وإذا استطاع أن يتقدم في منطقة معيّنة أو مساحة صغيرة، فإنه سيسيطر عليها.

وبتكثيف القصف عاد النظام إلى وضعه السابق قبل الانتخابات، حسب شعبان، بالتصعيد على عدة محاور في مناطق سيطرة المعارضة، وشنّ حملات أمنية في عدة مناطق (دمشق وحمص ودرعا)، والضغط على رجال أعمال موالين له.

بدوره، أفاد “المرصد- 80” المتخصص برصد التحركات العسكرية، عنب بلدي، أنه لا توجد تعزيزات على الأرض أو مؤشرات عمل عسكري، موضحًا أن القصف الأخير عبارة عن بنك أهداف، حُدّد خلال الأشهر الأخيرة من قبل طائرات دون طيار تابعة لروسيا وإيران.

ولا يعد القصف الأخير “تمهيديًا” لعملية عسكرية، مقارنة بقصف بداية الحملة العسكرية الأخيرة، التي بدأت في شباط 2019، واشتدت أواخر نيسان من العام نفسه، وتوقفت بتوقيع اتفاق “موسكو” بين روسيا وتركيا في 5 من آذار 2020، حسب “المرصد- 80”.

تعزيزات بالحد الطبيعي؟

“المرصد- 20” العامل في ريف حماة الشمالي، ذكر أن عناصر من الميليشيات الإيرانية، وآخرين من روسيا، دُرّبوا مؤخرًا في منطقة مصيف سلمى شمال شرقي اللاذقية، استُقدموا إلى قرية جورين في سهل الغاب شمال غربي حماة.

ونُشر العناصر من جورين حتى السرمانية والجب الأحمر شرقي اللاذقية، بينما سحب النظام عناصر المشاة.

وأضاف “المرصد- 20″، في إفادة لعنب بلدي، أن النظام نصب قواعد مضادة للدروع (م.د) لإطلاق الصواريخ من جهة جورين، إضافة إلى مدافع ودبابات.

القيادي في “الجبهة الوطنية للتحرير”، الرائد ماهر مواس، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن الحشود العسكرية للنظام متواترة خلال الفترة الأخيرة، وهي موجودة منذ الحملة العسكرية العام الماضي، التي حشد النظام فيها معظم قواته على حدود مناطق سيطرة المعارضة.

وعزز النظام قواته على جبهات جبل الزاوية وسهل الغاب والساحل، واستهدف مقرات عسكرية وضغط بقصف المدنيين، وهو ما يعتبره الرائد ماهر مواس مؤشرًا على أهداف سياسية، أو حملة عسكرية لكسب أراضٍ جديدة.

لكن الرائد يصف تحصينات فصائل المعارضة بـ”الجيدة” مقارنة بالحملة العسكرية الماضية، معوّلًا على دعم تركي إذا حدثت معارك على الأرض.

وتدعم تركيا “الجيش الوطني السوري” المؤلف من ثلاثة فيالق والذي يحظى بنفوذ في ريف حلب، إضافة إلى “الجبهة الوطنية للتحرير” العاملة في إدلب وأرياف حلب وحماة واللاذقية، والمنضوية ضمن غرفة عمليات “الفتح المبين” إلى جانب “هيئة تحرير الشام” و”جيش العزة”.

واستطاعت تركيا في الحملة العسكرية السابقة، بعد تدخلها أواخر شباط وبداية آذار 2020، دعم الفصائل العسكرية عبر طيرانها المسيّر، وإيقاف تقدم النظام، حتى توقيع اتفاق “موسكو”.

وأجرى النظام في الفترة الأخيرة تغييرات على بعض قادة الفيالق والفرق في محيط الأعمال العسكرية في جبل الزاوية والساحل والغاب، والتغييرات اختارتها أيدٍ روسية، من القادة الذين لديهم خبرة طويلة في القتال، حسب الرائد ماهر مواس.

تصعيد قبل اجتماعات سياسية دولية

من المقرر خلال حزيران الحالي عقد لقاء بين الرئيسين، الروسي، فلاديمير بوتين، والأمريكي، جو بايدن، إضافة إلى لقاء الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مع بايدن، وستتناول الاجتماعات عدة ملفات من بينها سوريا.

ومن المرتقب عقد اجتماع لمجلس الأمن في تموز المقبل، لبحث ملف المساعدات عبر الحدود، الذي تسعى روسيا إلى حصره بيد النظام عبر إغلاق معبر “باب الهوى” الحدودي مع تركيا، وهو آخر المعابر الخارجة عن سيطرة النظام.

والغرض من الإغلاق هو تسليم المساعدات للنظام السوري، واللجوء إلى فتح معابر داخلية لإيصال المساعدات، وهو ما يمكن أن يفتح بابًا لانتقام النظام من السوريين، واستخدامه المساعدات لأغراض تجارية.

وذكر مركز “جسور للدراسات” في تحليل لأسباب ودوافع التصعيد الميداني في إدلب ومستقبله، أن حملة التصعيد الأخيرة ذات أهداف تفاوضية، ومحاولة لدفع مسار التفاهمات إلى الأمام عن طريق التلويح بالخيار العسكري، وعلى الأرجح سيعود الهدوء تدريجيًا إلى منطقة إدلب بعد أن تتضح الصورة أكثر عقب إجراء القمتين الثنائيتين المرتقبتين (بوتين وبايدن، وبايدن وأردوغان)، أي أن موسكو تريد الضغط في ملف إدلب لتسبب قلقًا لأنقرة، في محاولة لضبط مسار الأخيرة مع واشنطن.

وبحسب تحليل المركز، فإن أي حملة عسكرية كاملة من دون تفاهم مسبق بين روسيا وتركيا، تعني الصدام المباشر مع الجيش التركي على الأرض، بالإضافة إلى دفع أنقرة للتقارب أكثر مع واشنطن من أجل تعزيز موقفها خلال المواجهة في إدلب، وهو ما يضر بالمصالح الروسية.

وجاء في تحليل موجز نشره معهد “واشنطن“، في 10 من حزيران الحالي، أن واشنطن ليست حليفًا لـ”هيئة تحرير الشام”، لكن عليها أن تدرك أن الضربات الروسية ضد الجماعة تهدف بشكل مباشر إلى إحباط الأهداف الأمريكية في جنيف، بما في ذلك الجهود المبذولة للحفاظ على المساعدات عبر الحدود.

وذكر معهد “واشنطن” في تحليله، أنه يجب النظر إلى مقتل قياديين في “تحرير الشام” في سياق مفاوضات الأمم المتحدة بين الولايات المتحدة وروسيا للحفاظ على استمرار دخول المساعدات الإنسانية عبر الحدود في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

وقُتل المتحدث العسكري باسم “تحرير الشام”، “أبو خالد الشامي”، في 10 من حزيران الحالي، بضربة روسية خلال وجوده في قرية إبلين بجبل الزاوية وإسعافه جرحى القصف، كما قُتل معه قياديان آخران هما مسؤول الإعلام العسكري، “أبو مصعب الحمصي”، والقيادي “أبو تمير الحمصي”، إضافة إلى مقاتلين من “الهيئة”.

ويريد بوتين إيصال رسالتين إلى بايدن قبل اجتماعهما في العاصمة السويسرية جنيف، في 16 من حزيران الحالي، بحسب معهد “واشنطن”، الأولى أن “إدلب لا تزال تديرها جماعة إرهابية مصنفة من قبل الولايات المتحدة، لذا فإن تقديم المساعدات الإنسانية لتلك المنطقة غير ضروري”.

والثانية، أنه لا يوجد شيء تفعله واشنطن يمكن أن يغير مسألة امتلاك روسيا النفوذ العسكري في سوريا، واستمرارها في اتباع سياستها.

استهداف يومي

مع دخول الأسبوع الثاني من تكثيف النظام قصفه مناطق سيطرة المعارضة شمال غربي سوريا، تعمل فرق “الدفاع المدني السوري” على إجلاء الجرحى وانتشال ضحايا القصف من المدنيين.

وأدت حملة التصعيد الأسبوع الماضي (بين 5 و11 من حزيران الحالي)، التي طالت قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي وسهل الغاب، إلى مقتل 17 شخصًا، 13 منهم في مجزرة إبلين الخميس الماضي، وإصابة 15 آخرين.

وردت الفصائل العسكرية على قصف النظام، باستهداف المناطق التي استخدمها لقصف مناطق سيطرة المعارضة.

الناطق باسم “الجبهة الوطنية للتحرير”، النقيب ناجي مصطفى، قال عبر حسابه في “تلجرام”، في 11  من حزيران الحالي، إن فوج المدفعية والصواريخ في “الجبهة الوطنية” استهدف بشكل مكثف مواقع وثكنات قوات الأسد “المجرمة”، ومصادر إطلاق النار الموجودة في مدن وبلدات كفرنبل وسراقب وكفر بطيخ وداديخ وتلة كوكبا ومعرة موخص وجورين ومواقع أخرى.

بدورها، استهدفت “هيئة تحرير الشام”، الجمعة الماضي، قوات النظام الموجودة في مدينة كفرنبل وبلدتي معرة حرمة وبسقلا في ريف إدلب الجنوبي بقذائف المدفعية وصواريخ “الغراد”.

كما استهدف فصيل “أنصار التوحيد” المستقل غرفة عمليات “الفيلق الخامس” المشكّل روسيًا، داخل بلدة حزارين بصاروخ “زلزال” محلي الصنع (من قبل الفصيل)، يبلغ وزنه طنًا ونصفًا.



مقالات متعلقة


43200

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة