تمهيد لقبول دولي؟

ساحة صراع جديدة تخلقها الأمم المتحدة بتعاملها مع النظام السوري

رئيس النظام السوري بشار الأسد (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي – زينب مصري

تواجه وكالات الأمم المتحدة انتقادات بعد زيادة وتيرة تعاملها مع النظام السوري ومسؤوليه، خلال الأشهر القليلة الماضية، خارج إطار المساعدات الإنسانية والعمل الإغاثي، في حين توثق هذه الوكالات انتهاكات وجرائم ارتكبها النظام بحق المدنيين في سوريا.

فبعد أشهر من استخدام منظمة الصحة العالمية، وهي السلطة التوجيهية والتنسيقية ضمن منظومة الأمم المتحدة فيما يخص المجال الصحي، شركة طيران سورية معاقَبة أمريكيًا لنقل مستلزمات طبية من الإمارات إلى ليبيا، انتُخب النظام السوري لعضوية المجلس التنفيذي فيها.

أثار هذا الانتخاب، في 28 من أيار الماضي، موجة استياء وغضب واسعة محليًا ودوليًا تجاه الوكالة الأممية، لإدراج النظام ضمن منظومتها على الرغم من انتهاكاته الموثقة في القطاع الطبي، واستهدافه العاملين الصحيين، وتدمير المستشفيات والمراكز الصحية.

وتجددت الانتقادات للمنظمة بعد إدانة حساب “تويتر” الرسمي للمكتب الإقليمي للمنظمة لشرق المتوسط (WHO EMRO)، قصف مستشفى “الشفاء” في مدينة عفرين شمال غربي سوريا من قبل قوات النظام، دون ذكر مسؤوليته عن القصف، وبعد أيام من مباشرة عمله في عضوية المجلس التنفيذي للمنظمة، وذلك بمشاركته بأعمال جلسة المجلس المنعقدة في 2 من حزيران الحالي.

وأسفر قصف مستشفى “الشفاء” عن مقتل وإصابة عشرات المدنيين، من بينهم طبيب وثلاثة موظفين من كوادر المستشفى، وخروج المستشفى عن الخدمة.

لكن مسؤولة الإعلام والاتصال في المنظمة، إيناس همام، أوضحت في مراسلة إلكترونية سابقة مع عنب بلدي، أن مهمة المنظمة تتمثل في تحقيق نتائج صحية أفضل لجميع الناس، بمن في ذلك السكان في جميع البلدان، والمنظمة ليست مجهزة أو مفوضة لإيجاد حلول سياسية.

وأشارت إلى أن “الصحة العالمية” تدعو باستمرار جميع الأطراف في البلدان المتضررة من النزاعات إلى احترام الحق في الصحة، وضمان حصول الفئات الأكثر ضعفًا على الرعاية الصحية وحمايتها.

مَخرج للتعامل مع النظام

تفرق الأمم المتحدة من خلال عملها مع الدول الأطراف بين النظام السياسي المتهم بارتكابه جرائم حرب وبين الدولة التي يديرها هذا النظام، وفق ما قاله مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، في حديث إلى عنب بلدي.

ففي سوريا يوجد نظام سياسي متهم بارتكابه جرائم حرب بموجب تقارير “لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا“، ولكن الأمم المتحدة تتعامل مع الدولة السورية التي تتمتع بشخصية اعتبارية قانونية، وكيان ذاتي مستقل عن الأشخاص الذين يديرونها سياسيًا وعسكريًا، وفق الأحمد.

وأضاف الأحمد أن العقوبات التي فُرضت على النظام السوري والشخصيات المقربة منه والتي تعمل لمصلحته، هي عقوبات أحادية الجانب، مصدرها دول محددة بذاتها وليست بإشراف الأمم المتحدة، وبالتالي لا ترسم الأمم المتحدة تعاملها مع حكومة النظام السوري على أساس العقوبات الأمريكية أو الأوروبية.

ولذلك استخدمت منظمة الصحة العالمية شركة “أجنحة الشام” الموجودة على قائمة العقوبات الأمريكية، لنقل 16 طنًا من الأدوية والإمدادات والمعدات الطبية من مستودعات المنظمة في مدينة دبي الإماراتية إلى بنغازي.

ولمجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، بموجب الفصل السابع من الميثاق، أن يتخذ تدابير إنفاذ لحماية المدنيين وإعادة إحلال السلام والأمن في أي دولة طرف، وتشمل تدابير العقوبات بموجب المادة رقم “41” من الميثاق مجموعة واسعة من الجزاءات.

ولكن بسبب “الفيتو” الروسي، يعتبر اللجوء إلى الفصل السابع لفرض عقوبات أممية على سوريا أمرًا مستحيل الحدوث، ولذلك تلجأ الدول إلى العقوبات الاقتصادية الأحادية الجانب.

وورد مصطلح “حقوق الإنسان” سبع مرات في الميثاق التأسيسي للأمم المتحدة، ما يجعل تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها غرضًا رئيسًا ومبدأ أساسيًا للمنظمة.

لكن الاتجاه نحو التعاون الأممي مع شركات وأشخاص منتمين إلى الدائرة الداعمة للنظام السوري هو اتجاه في نفس الوقت لـ“إعادة قبوله” داخل المشهد الدولي، بحسب رأي الأحمد، حتى وإن كان هذا التعاون ضمن الأحكام القانونية للمنظمة، لكنه لا يراعي الجوانب الأخلاقية ولا يدفع نحو إحقاق العدالة وحماية حقوق السوريين، كما في ميثاقها.

وبالتالي، فإن جميع المعاهدات الدولية التي تدعو إلى حماية حقوق المدنيين في أوقات السلم والحرب، لا جدوى لها في حال لم يكن هناك إلزام للدول الأعضاء بالتقيد بتلك المبادئ.

جهود لإعادة تأهيل النظام

تلتزم الأمم المتحدة وكل المنظمات التابعة لها بالتعامل مع الدول الأعضاء بغض النظر عن وجود أو عدم وجود انتهاكات ضد حقوق الإنسان داخل إحدى تلك الدول.

وهذا التعامل يتبع قوانين الأمم المتحدة، إذ لا شيء يمنع من انتخاب دولة عضو في المجلس التنفيذي لدى منظمة الصحة العالمية حتى وإن كان النظام القائم في تلك الدولة العضو ارتكب جرائم حرب، وفق ما قاله الصحفي والحقوقي السوري منصور العمري، في حديث إلى عنب بلدي.

ويضرب العمري مثالًا على ذلك بدولة أخرى، فالسعودية انتُخبت عضوًا من مجلس حقوق الإنسان نفسه، وأجهزتها الأمنية ترتكب انتهاكات بحق المعتقلين في سجونها بإثبات المنظمات الحقوقية.

“كل ذلك التعامل هو قانوني”، وفق العمري، ولكن من باب الضمير الأخلاقي يجب على الدول الأعضاء الاعتراض على مثل تلك التعاملات مع أنظمة مثل النظام السوري الذي ارتكب انتهاكات بحق المدنيين.

وهذه التعاملات تعتبر “جهودًا من النظام لإعادة تأهيله دوليًا وأمميًا”، بحسب ما يراه الحقوقي، وهو ينجح في ذلك، بدليل أنه موجود الآن كعضو في مجلس “الصحة العالمية” التنفيذي.

وتوجد آليات قانونية لمنع إعادة تأهيل النظام السوري لنفسه في الميادين الدولية والأممية، عن طريق المناصرة السياسية والإعلامية لملف حقوق الإنسان في سوريا، والبحث القانوني لإيجاد ثغرات قانونية في الأنظمة التشريعية لدى الأمم المتحدة، لمنع النظام من الوصول إلى أهدافه، لأن البحث القانوني “أكثر حسمًا وجدوى”.

وهي “ساحة صراع جديدة” مع النظام والسوريين يجب الانتباه إليها وعدم إهمالها، وفق ما أوصى به العمري، ولكن “لا توجد جدية في مواجهة الأسد”، لأن المنظمات السورية المعنية بحقوق الإنسان “مؤطرة بسياسات التمويل والتريند”، بحسب توصيف العمري، والصحافة السورية “ضعيفة وليست جدية” في التعامل مع مثل هذه القضايا.

بحسب الموقع الرسمي للأمم المتحدة، كانت مصر وسوريا عضوين أصليين في الأمم المتحدة منذ 24 من تشرين الأول 1945.

وبعد استفتاء أُجرى في 21 من شباط عام 1958، قامت الجمهورية العربية المتحدة بالوحدة بين مصر وسوريا، واستمرت باعتبارها عضوًا وحيدًا.

وفي 13 من تشرين الأول 1961، وبعد أن استعادت سوريا مركزها كدولة مستقلة، عادت إلى عضويتها المستقلة في الأمم المتحدة.

“انتخاب مثير للاشمئزاز”

كان برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، شكر روسيا حليفة النظام لدعمها السوريين في تغريدة عبر “تويتر” قبل أن يحذف التغريدة بعد حملة انتقادات، في 14 من حزيران الحالي.

وفي نفس اليوم، انتخبت اللجنة الخاصة المعنية بحالة تنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة، المعروفة باسم لجنة “إنهاء الاستعمار” التابعة للأمم المتحدة، بالتزكية، مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، بسام صباغ، مقررًا للجنة لعام 2021.

وأدى إعلان الأمم المتحدة، في شباط الماضي، أنه من المقرر انتخاب صباغ لمنصب رفيع في لجنة “إنهاء الاستعمار”، إلى إدانته من قبل منظمة “Unwatch” المستقلة التي تراقب عمل الأمم المتحدة، ومقرها جنيف.

وقال تقرير صادر عن المنظمة حينها، إن إعلان الأمم المتحدة عن نيتها تعيين صباغ، تزامن مع اتهامات للنظام السوري من قبل لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية”، و”جرائم حرب”، و”جرائم دولية بما فيها الإبادة الجماعية”.

واعتبر المدير التنفيذي للمنظمة، هيليل نوير، إعلان الأمم المتحدة في هذا الوقت “أمرًا مثيرًا للاشمئزاز من الناحية الأخلاقية”، مشيرًا إلى أن وضع النظام السوري على رأس لجان الأمم المتحدة، يساعد فقط نظام الأسد على تصوير نفسه كحكم للأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان، معتبرًا أن ذلك “إهانة لملايين الضحايا في سوريا”.

وشغل منصب مُقرر لجنة “إنهاء الاستعمار” ثلاثة مسؤولين حاليين لدى النظام، أولهم فيصل المقداد، الذي شغل المنصب لمدة ثماني سنوات، تلاه بشار الجعفري، مندوب النظام السابق لدى الأمم المتحدة، الذي تسلّم المنصب لمدة 14 سنة منذ 2007 وحتى عام 2020، وانتهاء بصباغ.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة