“الميمز”.. السخرية تخدم قضايا الشعوب

ع ع ع

عنب بلدي- صالح ملص

– “خدي انشري هالبيان بسرعة، الشباب ناطرين ولو خبر عن التسريح، هاد الفستان مو نفسو المتصورة فيه مع الوالد المؤسس؟”

– “يعمم على جميع دوائر التجنيد والهيئات الإعلامية، تبديل صيغة الخدمة الإلزامية، بالخدمة المؤبدة”.

– “خطي، الترقب لوّع قلوب الشباب، هاد اللون جلاب أو موسخ؟”

تسخر هذه “الميم” المعدة من قبل صفحة “عوعو” عبر “فيس بوك” من طول فترة الخدمة الإلزامية العسكرية في سوريا، إذ تحتفظ قوات النظام السوري بآلاف من عناصرها الشباب الذين أنهوا خدمتهم فعليًا، مع عدم اكتراث الجهة المسؤولة بتسريحهم.

تعج مواقع التواصل الاجتماعي بمحتوى “الميمز” (Memes) الذي يهدف إلى إيصال فكرة أو نقد سلوك نمطي لدى الأفراد، من خلال طرح يميل إلى السخرية، يأخذ عدة أشكال، الصورة أو المقاطع المسجلة أو النص المكتوب.

مادة تشد انتباه الجمهور

توصف “الميمز” بأنها مجموعة من “الماكرو صور”، وفق معهد “ماساتشوستس للتكنولوجيا”، وهي وسائل رقمية تضم صورة أو مجموعة صور بالإضافة إلى نص مكتوب أعلى الصورة أو أسفلها أو بجانبها، مستخدَمة من مجموعة واسعة من الناس، بنسخ محتواها كما هو أو بإضافة تعديلات بسيطة، ما يجعلها لفترة قصيرة محتوى متداولًا ودارجًا بين الأفراد.

وتدخل “الميمز” في نقد الحياة اليومية للناس والمجالات المهنية، حتى تصل إلى الشؤون السياسية العامة، لتشد الجمهور عبر عناصر أساسية هي: طريقة العرض، والموقف، والهدف من “الميم”، فالصورة يجب أن تستند إلى نص قصير ومفهوم، وموقف يميل إلى السخرية عادة.

ولم تعد هذه الوسيلة في إيصال الأفكار أو لفت الجمهور إلى قضايا بعينها مقتصرة على العامة، إنما تُستخدم أيضًا من قبل الباحثين والمفكرين وقادة التغيير، إذ استعمل الباحث الإسلامي طارق سويدان عبر صفحته في “فيس بوك” طريقة “الميمز”، في أيار الماضي، للسخرية من الانتخابات الرئاسية التي جرت في سوريا.

متى انتشرت “الميمز”

انتشرت “ثقافة الميمز” حين زاد استخدام الأفراد للإنترنت، وصار مرتبطًا بروتين يومهم، وأول من استخدم هذا المحتوى في منطقة الشرق الأوسط هم المصريون، وفق ما يراه المتخصص بكتابة المحتوى السوري سالم أبو السعود، المعروف باسم “سمير المطفي”، كون “ثقافة الميمز” تعتمد على المخزون الفني لصنعها، ويملك المصريون مخزونًا سينمائيًا ومسرحيًا غنيًا يستندون إليه لصنع “ميمز” خاصة بقضاياهم.

وفتحت الثورة في سوريا، عام 2011، الباب لاستخدام هذا النوع من السخرية في المجتمع السوري، ولكن “لم يكن المخزون الفني السوري بقوة انتشار الأعمال الفنية المصرية”، وفق ما قاله “سمير المطفي” في حديث إلى عنب بلدي، كي يفهم الجمهور المغزى من “الميمز” التي تعتمد على الأعمال الفنية السورية، فتم الاستعانة بالأعمال الفنية المصرية في كثير من الحالات ضمن المحتوى السوري كي يفهم الجمهور فكرة “الميمز” والهدف منها.

السخرية بالصورة

لا يمكن أن تنتشر فكرة ما دون وجود صورة ذهنية لدى الإنسان تعكس تفاصيل هذه الفكرة كي ترسخ في عقله، وفي كتابه “سيكولوجيا الجماهير”، يميز غوستاف لوبون بين نوعين من الفكر، الأول يقوم على المفاهيم (الكلمات)، والآخر يستخدم المجاز (الصور).

والفكر الأول يعتمد على قوانين العقل والبراهين المنطقية، بينما يستند الثاني إلى قوانين الذاكرة والخيال والتحريض.

وقوة انتشار “الميمز” كثقافة رقمية بين الناس عبر مواقع التواصل، وفق رأي “سمير المطفي”، هي بسبب إقناع الجمهور بفكرة ما عن طريق الصور التي تعطي تعبيرًا أوسع يتضمن إيحاء أو ترميزًا يداعب بسخرية أحاسيس الجمهور، ويُفهم بطريقة أسرع، ويرسخ بذاكرتهم لفترات أطول.

النقد بعيدًا عن العنف

تفاعل الجمهور مع “الميمز” المنشورة عبر صفحة “عوعو” في “فيس بوك” محدود، وفق ما قاله مدير الصفحة، أيهم ديب، في حديث إلى عنب بلدي، ولكن بعض المتابعين لديهم تقبّل لما يُنشر، وهذا يُلاحَظ من الإعجابات والتعليقات.

والتهكم بهدف النيل من فكرة ما أو شخصيات عامة مسؤولة عن الوضع السيئ الذي يعيشه السوريون هو أمر يراه أيهم ديب إيجابيًا، لأن هناك حالة من الاعتراض على أحداث معيّنة، يُعبّر عن هذا الاعتراض عن طريق النكتة، وهي طريقة للتعبير غير عنفية.

وعندما يسخر الأفراد من مشكلاتهم فهم يحفزون عقولهم على النقد بطريقة بعيدة عن العنف، وهو ما ركز عليه مدير صفحة “عوعو”، بالإضافة إلى أن الجمهور يشعر بالأمان عندما يضحك.

“الميمز” أداة لمناصرة القضايا

كي يقنع شخص مجموعة من الأفراد بقضية ما، فالسخرية أفضل وسيلة لذلك، وفق رأي “سمير المطفي”، لأن “الإنسان الذي يستطيع أن يسخر من خصمه يعتبر قوي الحجة”.

وفقًا لاستطلاع رأي أجرته عنب بلدي عبر منصاتها في وسائل التواصل الاجتماعي، شارك فيه 441 مستخدمًا، يعتقد 347 مستخدمًا من المصوّتين أن “الميمز” الساخرة بالصور والرسومات تساعد على إيصال القضايا لأشخاص أوسع بطريقة بسيطة، بينما يمتلك 94 مستخدمًا اعتقادًا بأنه لا إمكانية للسخرية على خدمة القضايا العامة.

هناك عدة أنواع من ثقافة السخرية في المجتمعات، وتعتبر “الميمز” واحدة منها، تتميز بأنها سريعة التأثير لدى الشعوب بالأحداث التي يعيشونها، وفق ما يراه ثائر والي، وهو منتج محتوى لوسائل التواصل الاجتماعي السوري، في حديث إلى عنب بلدي.

ويضرب ثائر مثالًا على أهمية “الميمز” في إيصال القضايا بشكل أبسط للجمهور، فإذا شهد العالم أي حدث مهم، فبينما وسائل الإعلام التقليدية ستحتاج إلى التأكد من مصداقية معلومات هذا الحدث وتصدر موافقة بنشره، يمكن خلال دقائق إيصاله إلى الناس عن طريق “الميمز” بإعداد نص ساخر يليق بالحدث مع صورة تحتوي على رد فعل معروف لدى الجمهور كي يتأثر فيه ويتفاعل معه.

السخرية قانون راسخ في المجتمعات من أجل انتقاد الأفكار والسلطة بهدف التغيير، لا من خلال خوض الحروب بالأسلحة والدبابات، بل من خلال الكلام فقط، وهو ما يدفع الناس كي يصنعوا سخريتهم من قضايا ذات صلة بواقعهم، ويعبروا عن أنفسهم عبر النكات دون فرض رقابة من أحد، أو إحساس بالإهانة من قبل أشخاص أو حكومات، وهذا لبّ حق التعبير بحرية.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة