“المد العربي”.. ثقافة يفرضها التراث والنزوح في إدلب

مضافة عربية في إدلب شمالي سوريا - 1 تشرين الأول 2020 (عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي – خالد الجرعتلي

كان “الأثاث العربي” يعتبر بالنسبة لفئة ليست قليلة من السوريين من الجماليات التي يمكن أن يحظوا بها في المنزل، تدفع بعضهم لصناعة “المجالس العربية” (المضافات) بتكاليف تفوق أضعاف ما يمكن صناعته من “المجالس الإفرنجية” التي تدمج بين الخشب والقماش.

هذه الحال تبدّلت مع التطور العمراني خلال الألفية الجديدة، وغياب المساحات الكبيرة في المساكن، مع تمسك نسبة من السوريين بتراثهم وطريقة “المد العربي” في بيوتهم أو مضافاتهم.

لكن هذه الثقافة عادت للانتشار بشكل واسع اليوم في الشمال السوري، بطريقتين: الأولى لا تعد ترفًا وإنما ضرورة يفرضها النزوح المتكرر وغياب الاستقرار، والثانية محاولات لاستذكار التراث والتمسك به.

المفروشات العربية كانت مقرونة دائمًا بطبائع العرب من الكرم وحب الضيف والاستضافة، إذ تتسع المضافات العربية لعدد أكبر من الضيوف مقارنة بتلك التي تحتوي على طاولات ومقاعد خشبية.

ويقصد هذه المضافات أو “المجالس العربية” الضيوف من مختلف الأعمار، إذ حظيت هذه “المجالس” في الثقافة البدوية بمداخل معزولة عن مدخل المنزل، ويقصدها أي محتاج أو مستجير أو زائر، وتلبى احتياجاته لدى دخولها.

وبالنسبة للسوريين، امتدت ثقافة المضافات و”المجالس العربية” من العرب الرُحّل الذين كانوا يعتمدون على الترحال بشكل دائم، فكان من الصعب الانتقال والترحال بأثاث منزلي ثقيل، وصارت الفكرة شعبية مع مرور الزمن بين السوريين.

نازحون استبدلوا الأثاث العربي بأثاث منازلهم

خلال الحملة العسكرية التي شنتها قوات النظام وروسيا على مدن وقرى شمالي سوريا والتي انتهت بسيطرة النظام على مناطق واسعة فيها، شهدت المنطقة نزوح أكثر من 72 ألف شخص، بحسب تقرير أصدره فريق “منسقو الاستجابة” في حزيران 2020، منهم من استقر في العراء، ومنهم من تمكن من استئجار منازل في مناطق تعتبر آمنة بالقرب من الحدود التركية، ومنهم من استقر في مخيمات الشمال السوري.

عبد السلام الكروزي، وهو مدير أحد المخيمات على الحدود التركية، قال لعنب بلدي، إن العديد من العائلات النازحة التي استقرت في المنازل، لجأت لاحقًا إلى محاولات فرشها بالأثاث العربي أو الأثاث الشعبي.

وقال إن الكثير من النازحين يفضلون هذا النوع من الأثاث بغض النظر عن الحاجة إليه، لانخفاض سعره، وسهولة نقله، بينما يرغب به بعض سكان المخيمات المنحدرين من عشائر بدوية سورية.

ويتكون الأثاث العربي عادة من البسط والوسائد والفرش، ويتوسطها موقد الفحم أو مدفأة الحطب و”دِلال القهوة”، بالإضافة إلى الستائر التي تكون في كثير من الأحيان ذات ألوان مطابقة لألوان البسط.

وفي عام 2015، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) القهوة العربية و”المجالس العربية” في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لـ”يونسكو” خلال اجتماع المنظمة العاشر الذي أقيم بالعاصمة الناميبية ويندهوك.

“المجلس العربي” البسيط “ضرورة في النزوح”

محمود (32 عامًا)، المقيم في إدلب والمهتم بـ”المد العربي”، قال لعنب بلدي، إن الفترة التي كان يهتم فيها السوريون بجمالية المفروشات انتهت منذ مدة طويلة، وصار ما يهمهم الآن هو الحصول على مفروشات كافية لتقيهم برد الشتاء وحر الصيف، بالإضافة إلى سهولة نقلها في ظل حركات نزوح عديدة ومتكررة مر بها السوريون على مدار السنوات العشر الأخيرة.

الرفاهية لم تعد أولوية في هذا السياق، بحسب محمود الذي يقيم في أحد مخيمات النازحين شمالي إدلب، ورغم خبرته الواسعة في أنواع القماش المحفور وأشكال الحشوة التي يمكن أن توجد داخل القماش في تصاميم “المجالس العربية”، يكتفي بـ”مجلس عربي” بسيط، مكون من قطعة قماش محشوة بالصوف تُستعمل للجلوس والنوم.

ويعتقد محمود أن هذا النوع الخفيف والبسيط من المفروشات يعتبر أيضًا أقل تكلفة إذا ما صُنع بمواد بسيطة كالقماش الرخيص والصوف أو الإسفنج، ويعتبر أيضًا سهل الحمل في حالات النزوح، ما يجعله شائعًا الآن بين السوريين، كما أنه النوع الوحيد من المفروشات الذي ينتشر في المخيمات السورية.

ويوجد في شمال غربي سوريا نحو مليوني نازح من أكثر من منطقة في سوريا، من أصل نحو أربعة ملايين نسمة، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.

ما رأي العلم بالجلوس على الأرض

ربما سيرى مؤرخو المستقبل عندما ينظرون إلى حقبتنا الحالية التي يُطلق عليها اسم “الأنثروبوسين” أن التقنية المُمَيِّزة لعصرنا الحديث هي الكرسي، وليس أجهزة الكمبيوتر، وأن لهذه القطعة من الأثاث تأثيرًا كبيرًا على أجسادنا، بحسب ما كتبه الصحفي فيبار كريغن، في موقع “BBC”.

وأصبحنا نعيش في وقت صار الجلوس يُوصف في بعض الأحيان بأنه “عادة سيئة” قد تعتبر بمثابة “تدخين من نوع جديد”، وبتنا الآن نعرف أن قضاء وقت أطول من اللازم في الجلوس على الكراسي مضر بالصحة.

المسألة لا تقتصر على كون الكراسي واستخدامها أمرًا غير صحي، بل يمتد إلى أنه أصبح في حكم المستحيل أن يتجنبها الإنسان الحديث، على غرار عدم قدرته تقريبًا على تحاشي تلوث الهواء، بحسب “BBC“.

وفق “المجلة الدولية للسلامة المهنية وبيئة العمل” فإن الأدلة القصصية والسريرية، أظهرت أن الطرق المختلفة للجلوس تضع ضغوطًا جسدية مختلفة على أجسامنا، إذ عادة يؤثر الجلوس في نفس الوضع لفترة طويلة على بنية أسفل ظهرك، التي تسمى المنطقة القطنية من العمود الفقري وخصائص حركة الحوض، ويُعتقد أن هذا قد يؤدي إلى مشكلات صحية على المدى الطويل، مثل التهاب المفاصل.

وذكرت مجلة “healthline” الأمريكية المختصة بالمجال الطبي، أن الجلوس على الأرض دون الحاجة إلى الكرسي يدفعك إلى تمديد عضلات جسدك، كما يقلل من الضغط على منطقة الوركين، كما أن حالات الجلوس هذه تشمل العديد من الوضعيات التي يمكنك تبديلها باستمرار، ما يدفع لتنشيط العضلات وتحريكها.

وكما توجد الإيجابيات في وضعية الجلوس هذه فإن السلبيات موجودة أيضًا، برأي المجلة الطبية، إذ تشكّل وضعية الجلوس على الأرض مزيدًا من الضغط على المفاصل مقارنة بالجلوس على الكرسي، كما تقلل من نشاط الدورة الدموية في القسم السفلي من الجسد، وتمثل هذه الوضعية صعوبة بآلية الجلوس والوقوف مجددًا مقارنة بالجلوس على الكرسي.



مقالات متعلقة


Array

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة