“دوما تحت الأرض”.. فيلم سوري قصير يرصد القصف من وجوه الخائفين

آثار الدمار الذي لحق بالجامع الكبير في دوما بعد تعرض المدينة لقصف النظام على مدار سنوات_ 2018 (أحد مشاهد فيلم دوما تحت الأرض)

ع ع ع

يواصل الفيلم السوري القصير “دوما تحت الأرض” حصد المزيد من الجوائز في مهرجانات سينمائية حول العالم، وآخرها جائزة “القمر الذهبي” للأفلام الوثائقية، الصادرة عن مهرجان “القمر السابع” الفرنسي، في 28 من حزيران الماضي.

ويسعى العمل المصوّر على مدار نحو 12 دقيقة في الملاجئ، لالتقاط انطباعات الناس ومشاعر الخوف والقلق عن وجوههم في لحظات قد تكون الأخيرة في حياتهم، فالغرض أن يحبس المشاهد أنفاسه أيضًا، كما يحبسها أبطال العمل الحقيقيون خوفًا من قذيفة أو انفجار قد ينهي المشهد.

وجرى تصوير العمل بالكامل خلال عدة أشهر من عام 2018، في مدينة دوما، إحدى أكبر مدن دمشق، قبل أن يهجر النظام السوري أهلها باتجاه الشمال السوري، في العام نفسه، وعُرض لأول مرة في مهرجان “لوكارنو” بسويسرا، ليفتتح بذلك طريقه إلى المهرجانات والتكريمات في دول مختلفة حول العالم، من بينها كندا والسويد.

تيم السيوفي مخرج “دوما تحت الأرض”، ومصوّر شاب أقام العديد من المعارض في لبنان وألمانيا، تحدث إلى عنب بلدي حول مراحل صناعة فيلمه والصعوبات التي واجهها.

وأوضح السيوفي أن أولى المشكلات التي اصطدم بها الفيلم في أثناء العمل عليه، مشكلات تقنية تتجلى بصعوبة شحن الكاميرا في وقت كانت فيه الكهرباء دائمة الانقطاع في دوما، ما دفع بالمخرج للاعتماد على البطاريات الخارجية، وشحن الكاميرا في الأماكن والملاجئ المزودة بالكهرباء، إضافة إلى صعوبة ترك وسائل الأرشفة (الهارد) في أي مكان خوفًا من ضياعها أو تعرضها للتلف جراء القصف.

نيران مشتعلة جراء تعرض دوما لقصف ليلي عام 2018 (أحد مشاهد الفيلم)

مشاهد العمل لم تكن بحاجة إلى المؤثرات والإبهار البصري، فما يظهر في الفيلم نتيجة حقيقية للقصف الذي تعرضت له مدينة دوما التي خرجت عن سيطرة النظام السوري عام 2013، قبل أن يعيد السيطرة عليها بالحديد والنار عام 2018، إثر ارتكاب العديد من المجازر فيها، ومن أبرزها قصف المدينة بالأسلحة الكيماوية عام 2018.

ولا يزال أكثر من ألفي شخص من أبناء دوما محتجزين في سجون النظام، بعد وعود بالإفراج عن المعتقلين وفق ما أُسمي “مبادرة الوفاء”، التي أطلقها بشار الأسد، حين انتخب نفسه في أيار الماضي، من المدينة التي اعتبرت أبرز معاقل المعارضة السورية بين عامي 2011 و2018.

وعن أكثر اللحظات تأثيرًا خلال تصوير العمل، يتحدث السيوفي عن أب خرج لإحضار قطعة بسكويت لابنته الصغيرة التي كانت تبكي جراء الخوف وأصوات القصف، ليصاب فور خروجه من الملجأ بقذيفة أودت بحياته.

ويعرض الفيلم في مشاهده الأخيرة صورة الطفل عمران الذي قُتل مع أفراد أسرته جراء القصف الذي يتعامل معه النظام السوري كأداة ووسيلة للنصر، لا باعتبارها جرائم تصفية وإبادة بحق السوريين، بحسب السيوفي.

ورغم جمال التكريم وقيمته، يرى المخرج الشاب أن التكريم الأفضل كان وصول الفكرة، وقدرة العمل على التأثير وتحريك مشاعر المشاهد، خاصة في البلدان الأوروبية التي كرمت العمل ومنحته الجوائز، لكن الشعور بجدوى أي عمل إنساني أو فني في ظل استمرار النظام بقصف المدنيين، يظل شعورًا ناقصًا.

تيم السيوفي أهدى الفيلم لكل السوريين الذين قضوا في سجون النظام تحت التعذيب، وللمعتقلين ومن مات تحت القصف.

غروب الشمس في دوما قبل سيطرة النظام عليها عام 2018- من أحد مشاهد الفيلم

ويعتبر تيم السيوفي أن النخب الثقافية المعارضة لم تقدم أفضل ما لديها لخدمة الثورة وإيصال صوتها، في حين استغل النظام، رغم ضلوعه في قتل مئات آلاف السوريين وتهجير الملايين واعتقال أكثر من مئة ألف شخص، جميع أدواته وأبواقه الإعلامية والفنية لتلميع وجهه الإجرامي.

يقول، “تنتصر الثورة بالحب والصدق والشعور بالآخر والابتعاد عن عقلية النظام السوري، على مستوى الأفراد والمؤسسات”.

جوائز

وحصد الفيلم خلال أكثر من عام، جائزة “الفيلم القصير” في مهرجان “البحر المتوسط من خلال الصور” في مرسيليا، وجائزة “أفضل فيلم وثائقي قصير”، وجائزة “منظمة العفو الدولية” في الدورة الـ17 لمهرجان “أندي ليزبوا” البرتغالي.

وعلّقت حينها لجنة تحكيم جائزة “منظمة العفو الدولية” على الفيلم بالقول، “في 12 دقيقة مؤلمة نشعر أننا انتقلنا إلى واقع بعيد جدًا عن واقعنا، يذكرنا بمدى أهمية الاستمرار في التصوير، حتى عندما ينهار كل شيء من حولنا”.

كما نال الفيلم استحسان اللجان المشرفة في أكثر من مهرجان ومسابقة سينمائية، من أبرزها مهرجان “كويناكواتو” الدولي في المكسيك، حيث أشارت لجنة التحكيم  إلى الفيلم باعتباره صُنع “من أجل لحظة عابرة وذاتية لواقع يتطلب منا التوقف عنده”.

وفي الدورة الـ24 لمهرجان “روكارد” الكندي، نال “دوما تحت الأرض” تنويهًا من لجنة تحكيم المسابقة الرسمية التي أبدت إعجابها بالفيلم بقولها، “إنه فيلم قوي يعرض لنا من منطقة حرب صورًا مغايرة، لقد شاهدنا نتيجة التغطية الإعلامية الكثير من الصور، ولكن هنا مع هذا الفيلم نشعر أننا جزء من الناس هناك”.

صور التقطها تيم السيوفي وشاركت في أحد المعارض بألمانيا الشهر الماضي

والفيلم من إخراج وتصوير تيم السيوفي ومونتاج قتيبة برهمجي، وإنتاج مؤسسة “بدايات”.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة