الإقامة الذهبية.. وسؤال الوطن والفن

ع ع ع

نبيل محمد

إقامة ذهبية فأخرى تمنحها دولة الإمارات لفنانين سوريين وعرب، يسارعون إلى إعلانهم الحصول عليها، بعد أن سمحت السلطات الإماراتية بمنحها لمشاهير وذوي اختصاصات متعددة لا بد أنها تسهّل عليهم قدرًا كبيرًا من المعاناة في التنقل بين البلدان، وتقي بعضهم من غير نجوم الصف الأول، من الإقامة ببلدانهم التعيسة، وتخلق أيضًا جدلًا غريبًا وصل به المطاف إلى المقارنة بين سوريا والإمارات، ومحاولة إضفاء الصفة الأخلاقية على “السيستم” السوري الذي يتيح الإقامة والاستثمار لمن شاء في أرض الشام، دون قيود ودون كفيل، الكفيل تلك الصفة “اللاأخلاقية” التي طالما طبّقتها الإمارات كشرط من شروط إقامة الأجانب على أرضها، وفق مواقع سورية حاولت خلق جدل حول قضية الإقامات الذهبية.

ليس مهمًا بالنسبة لك كمتابع حصول ممثل سوري على إقامة هنا أو جواز سفر هناك، لكنك تعي أن أي إقامة يحصل عليها أي سوري خارج بلاد الطوابير والجريمة المنظمة، هي خلاص فردي له الحق في أن ينعم به، ويتجنّب مزيدًا من الضغط اليومي ومشاهد المجاعة التي تنتشر في البلاد. ولعل كون هذا السوري الفنان الذي يحصل على الإقامة الذهبية في الإمارات هو بلا شك محسوم الموقف والانتماء، أيّد جريمة النظام في بلاده، وسوّق لقائدها، فإقامته الذهبية أو غرقه في مياه المحيط بحثًا عن وطن سيان بالنسبة لك كمتابع حانق على كل من يفتقد القدرة على نقد الجريمة أو الصمت على أقل تقدير، لكن الجدل الذي أثارته تلك الإقامات، خلق طبقية فنية واضحة في الوسط السوري، كان ينقصها هذه الإقامات لتطفو على السطح، فيثب زهير رمضان، نقيب الفنانين، وبعض الفنانين الذين ليس من السهولة بمكان مغادرتهم لبلادهم، لوصف حاملي الإقامة الذهبية بالمنسلخين عن أوطانهم، وإعلانهم الترفّع عن أي إقامة خارج “بلاد الصمود”، يدعمهم في ذلك أن الإمارات بلد مطبّع مع إسرائيل التي ترفع علمها فوق الأرض التي ينال الفنانون السوريون عليها إقامات استثنائية كتلك.

تجمع الإمارات بما لا شك فيه خبرات ونجومًا عربًا على أرضها، في ظل افتقادها للمكون المحلي القادر على صناعة الفن، ليكونوا كما هم أصلًا مكونًا من مكونات مشاريعها الإنتاجية التي تتماشى مع سياستها العامة، تنتج من خلالهم المسلسلات والأفلام، وتبثها عبر المنصات العالمية، ومنحهم تلك الإقامات وتسهيلها، خاصة وأنه من خلالها صاروا قادرين على الاستثمار بنسبة مئة بالمئة بدلًا من وجود شريك إماراتي مفروض عليهم بنسبة 51%، سيفعّل انتماءهم للمكان بشركاته ومنتجيه وتشغيل أموالهم، وسيعزّز مسألة سيطرة الخليج على الإنتاج بشكل مباشر، تلك المسألة التي طالما تنطّحت “الميديا السورية” بها بوصفها قضية مدمّرة للإنتاج المحلي، ولرسالة الفن، وكأن رسالة الفن السورية كانت قبل الإنتاج الخليجي رسالة إنسانية خالصة من أي معايير مفروضة من قبل الأنظمة السياسية وعمالقة المال.

لا تبشّر إقامات الفنانين السوريين الدائمة على أرض الإمارات بمستقبل زاهر للفن بالتأكيد، وما أُنتج بمال إماراتي سابقًا يشهد على ذلك، لكن إقامتهم خارج سوريا ستخلق لهم مجالًا على الأقل للحفاظ على نجوميتهم خارج الإنتاج المحلي المضمحل الفقير والمحكوم بسياسات لا تزيدها الأيام إلا قيودًا في المعايير وتفاهة في المحتوى، ولا جدوى اقتصادية، تاركين الدراما السورية المحلية لتمجيد بطولات الأسد، وتحويل المدن المدمرة إلى استديوهات تصوير مفتوحة يتردد فيها صدى صوت نجدة أنزور وباسل الخطيب وجود سعيد بحثًا عن جدار لم يقع أو نافذة لم تنكسر يمكن استغلالها في مشهد ما، هذا إن كانت إقاماتهم الذهبية ستؤدي إلى سلخهم كليًا عن هذه الدراما المحلية أصلًا، وليتها تفعل، ففقر هذه الدراما بالنجوم هو أكثر ما يمكن أن يتمناه متابع حيادي يعرف معنى إنتاج عمل تلفزيوني في “سوريا الأسد” اليوم.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة