الأصوليات المتراكمة

ع ع ع

إبراهيم العلوش

مع اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، تحركت تحت أقدام السوريين أصوليات متراكمة عبر الزمن، وزلزلت الأرض تحت أقدام الثائرين الذين كانوا ينظرون إلى مستقبل جديد لهم وللأجيال القادمة.

أصرّ النظام على النظر إلى المطالب الشعبية بتكبّر مشوب بالاستهزاء وبالعجرفة، واستعاد رجاله أصول خطة أحداث الثمانينيات التي نفذها حافظ الأسد مع أخيه رفعت وبقية قادة المخابرات والجيش، والتي كانت مذابحها مصدر فخر للنظام ولـ”شبيحته” الذين اعتمدوا مبدأ سلب السلطة بالقوة بعيدًا عن كل الدساتير والنظريات القومية والثورية التي يرددها نظام الأسد كل يوم.

وفي المقابل، أعاد “الإخوان المسلمون” نفس تكتيكاتهم الأصولية التي تعتمد مبدأ سلب السلطة على الطريقة البعثية بحجة الأحقية السنية الغالبة، وقداسة المذهب السني ونقائه في مواجهة المذهب العلوي الذي اعتمدته السلطة كجوهر صلب لحمايتها، وكرّست قادة النظام الكبار من تلك الطائفة في خطط جهنمية للحفاظ على النظام حتى آخر علوي.

الطرفان تجاهلا التفاعلات الجديدة للمجتمع السوري وروح المواطنة وشعارات مثل “الشعب السوري واحد”، التي كان يرفعها ثوار آذار في وجه استبداد السلطة وتحالفاتها الاقتصادية والاجتماعية المستفزة للناس، وخاصة ضد أبناء الأرياف والمدن الصغيرة.

لم تمر عدة أشهر حتى استعاد النظام تشكيل “شبيحته” الذين شكّلهم في الثمانينيات باسم “المظليين” و”الكتائب البعثية المسلّحة”، ولكن بأسماء جديدة وبإشراف إيراني، وكان من أبرز التنظيمات الجديدة “الدفاع الوطني” الذي أسسه أحد قادة “الحرس الثوري الإيراني”، وكان له دور كبير في الاستفزاز الطائفي والغطرسة، بالإضافة إلى الارتزاق من تشليح الأهالي بحجة عدم دفع فاتورة كهرباء، أو عدم تجديد تسجيل سيارة، أو غيرها من الأسباب الواهية التي تجلب المال للميليشيات الإيرانية التي صارت تتكاثر بمسميات وطنية ترفع صور بشار الأسد، ولاحقًا صارت ترفع الصور والأعلام الإيرانية، كما يحصل اليوم بشكل واضح وصريح، بعد استيلاء إيران وروسيا على قطعات الجيش والمخابرات.

الأصولية الإيرانية بشكلها المذهبي كان لها دور كبير في تأجيج الصراع المسلح والدفع نحو دولة الفوضى والميليشيات على الطريقة اللبنانية التي فجرها “حزب الله” وجعل بقايا الدولة مرتهنة بيد ميليشياته الطائفية التي تعلن ولاءها لإيران أكثر من ولائها للدولة اللبنانية، مثل الميليشيات التي تتكاثر في سوريا اليوم تحت الراية الإيرانية المباشرة في استهتار تام لوجود دولة سورية حتى على الورق.

الأصوليات المدعومة بالمال البترولي (الإيراني والخليجي) كان لها أكبر دور في الدمار الحاصل اليوم في سوريا، ففي مقابل الميليشيات الأصولية الإيرانية، جاءت التنظيمات “الجهادية” ذات الأصول الخليجية التي ترعرعت في أفغانستان والعراق، مثل تنظيم “القاعدة” ممثلًا بـ”جبهة النصرة” وبـ”داعش” وغيرها من التنظيمات التي كانت تحمل أسماء مراوغة، ولكن توجهها الأصولي العنيف لا يقل خطورة وتدميرًا عن توجه الميليشيات الإيرانية وميليشيات “الشبيحة” التي تعتمد الخطابات الطائفية في تكوينها وفي قيادتها.

ولا تقتصر الأصوليات المتراكمة في الحياة السورية على الأصوليات الطائفية والمذهبية، بل إن الكثير من الأحزاب الشيوعية والقومية اعتمدت الأصولية الأيديولوجية، وأسهمت في المذابح بحجة الحفاظ على علمانية النظام المزعومة، وذلك بعد تجاهل كل الممارسات الطائفية التي اعتمدها النظام لتوريط الطوائف في قتال وحشي لا ينتهي.

أما الأصولية القومية الكردية فقد تفاقمت بعد سقوط تنظيم “داعش”، واستولت على ربع مساحة سوريا في مناطق الفرات وأطلقت عليها اسم “روج آفا”، ولعل تنظيم حزب “العمال الكردستاني” التركي أكبر رافد لهذه الأصولية، بالإضافة إلى دعم القوات الأمريكية والغربية لهذه الأصولية التي استطاعت أن تتخفى بأزياء حداثية براقة رغم مضمونها الاستبدادي ضد الكرد، ومضمونها العنصري ضد العرب الموصومين دائمًا بوصمة الإرهاب من قِبلها.

وخارج السياسة، فإن الأصولية ضد المرأة مثلًا تعتبر بندًا مهمًا من هويّة الدولة السورية والمجتمع السوري التي ترسخت خلال سيطرة دولة البعث. وكذلك تنامي أصولية احتقار أبناء المدن لأبناء الأرياف، فأبناء المدن الكبيرة، مثل دمشق وحلب، يرددون حتى اليوم أنهم مثل السمك لا يستطيعون أن يعيشوا خارج مدنهم، رغم أنهم اليوم مشردون في مدن العالم وقاراته، وكأنهم كانوا يقصدون اشمئزازهم من السكن في الأرياف المهملة، التي لا تبعد أكثر من عدة كيلومترات عن حدود المدينة الكبيرة التي تزخر بالخدمات، وبالتعليم، وبأعمال حديثة.

ولا يزال السوريون يمارسون أصولية التعليم ضد أبنائهم بدفعهم إلى دراسة الطب والهندسة والحقوق، وترسيخ هذا التوجه منذ سن الطفولة، متجاهلين رغبات الأولاد والبنات، ومتجاهلين حاجة المجتمع إلى العلوم الأخرى وخاصة العلوم التي تخاطب المجتمعات المضيفة لنا، كالعلوم السياسية و”الميديا” والفن والعلوم الاجتماعية.

وفي عودة أخيرة إلى الأصوليات المتراكمة، فإن السوريين الذين صاروا أكثر تدينًا نتيجة الأحداث القاسية التي عصفت بحياتهم وباستقرارهم، لا تزال أغلبيتهم ترفض أن يدرس أبناؤها علوم الدين بشكل أكاديمي، فمثل هذه الدراسات تخضع أيضًا لإقصاء أصولي مترسخ اجتماعيًا، جعل علوم الدين صيدًا سهلًا للمغامرين، وللهواة، وأخيرًا لمحترفي الإرهاب بكل أسف!



مقالات متعلقة


Array

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة