الأسد يرفد خزينته من أموال المساعدات الأممية في سوريا

فندق "فورسيزون" دمشق (Waseelatv)

ع ع ع

عنب بلدي – زينب مصري

بالتزامن مع دعم سياسي وتعاون خارج إطار المساعدات الإنسانية صار متكررًا خلال الأشهر الأخيرة، كشفت تقارير مالية إحصائية صادرة عن الأمم المتحدة، رفد الوكالات الأممية العاملة في مناطق سيطرة النظام السوري خزينة حكومته بالأموال والقطع الأجنبي، تحت مسمى مشتريات وخدمات.

وبيّنت هذه التقارير تعامل وكالات الأمم المتحدة ماليًا مع مؤسسات سورية معاقَبة دوليًا، ما دفع للمطالبة بالمراقبة و”إصلاح” المساعدات الأممية، والتعامل بشفافية لضمان أن عمليات المنظمة في سوريا تتوافق مع “معايير مساعدة الأمم المتحدة في سوريا”.

ملايين الدولارات دخلت جعبة النظام

تبيّن الإحصائيات السنوية لعام 2020 حول مشتريات الأمم المتحدة، أن الوكالات الأممية اشترت ما قيمته 244.5 مليون دولار من السلع والخدمات في سوريا العام الماضي.

وسلّط تقرير صادر عن “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” (FDD)، الضوء على إخفاء موقع مشتريات الأمم المتحدة على الإنترنت المعلومات حول الموردين لـ212 عقدًا متعلقًا بسوريا، بقيمة إجمالية تبلغ 44.4 مليون دولار، على الرغم من سرده جميع الموردين الذين حصلوا على عقود بقيمة 30 ألف دولار أو أكثر.

واستعاض الموقع عن ذلك بالإشارة إلى أن اسم المورد “حُجب لأسباب أمنية” أو “حُجب لأسباب تتعلق بالخصوصية”.

أُنشئت مؤسسة “الدفاع عن الديمقراطيات”، وهي منظمة بحثية غير ربحية، في شباط عام 2008، تركز على السياسة الخارجية والأمن القومي، مقرها واشنطن.

تجري إدارة المؤسسة أبحاثًا معمّقة، وتنتج تحليلات دقيقة، وتحدد الأنشطة غير المشروعة، وتوفر خيارات سياسية، بهدف تعزيز الأمن القومي للولايات المتحدة، وتقليل أو القضاء على التهديدات التي يشكلها أعداء الولايات المتحدة والدول الحرة الأخرى، بحسب ما تعرف عن نشاطاتها في موقعها الرسمي.

وقال التقرير الصادر في 22 من تموز الحالي، إن استمرار الأمم المتحدة بمنح عقود للكيانات التي يسيطر عليها النظام السوري، يُظهر إلى أي مدى حوّل “الديكتاتور السوري” المساعدات الإنسانية إلى مصدر دخل لحكومته التي تعاني من ضائقة مالية.

وأوضح التقرير أن الأسد يدعم بشكل فعال موارده المالية بدولارات دافعي الضرائب الأمريكيين والأوروبيين، نظرًا إلى أن التبرعات من الولايات المتحدة وحلفائها هي المصدر الرئيس لتمويل مساعدات الأمم المتحدة.

كما أن هذا التحويل للمساعدات يقوّض فعالية العقوبات الأمريكية والأوروبية التي تهدف إلى الحد من قدرة النظام على تمويل مجهوده الحربي، الذي ينطوي على “فظائع متعمدة” ضد المدنيين.

في حديث إلى عنب بلدي، أوضح الدكتور السوري في الاقتصاد والباحث في معهد “الشرق الأوسط” بواشنطن كرم شعار، أن هذا المبلغ مقتطع من مبالغ تندرج في “التقرير الإحصائي السنوي”، الذي يشمل فقط العقود التي منحتها الأمم المتحدة للمؤسسات الأخرى لتنفيذها، كأن تتواصل الأمم المتحدة مع شركة فندقية داخل سوريا، على سبيل المثال، وتطلب منها إسكان موظفيها مقابل دفع أجرة الإقامة.

وهذه البيانات مرتبطة بتأمين الاحتياجات، ومن المهم ذكره، بحسب ما قاله الباحث، هو أن قيمة هذه العقود لا تتجاوز 10% من القيمة الكاملة لإنفاق الأمم المتحدة، ونسبة الـ90% المتبقية تُنفَق بأشكال أخرى، كرواتب لدعم التعليم في أحد البرامج، على سبيل المثال.

وأضاف شعار أن من ضمن بيانات تأمين الاحتياجات، نجد بيانات تتعلق بشركات مثل “الهرم” أو “الفورسيزونز”، وهي شركات مرتبطة بالنظام السوري بشكل مباشر، كما أن شركات الصرافة مرتبطة بالنظام ارتباطًا عضويًا، وعلاقتها بالمصرف المركزي علاقة يومية، وليست علاقة تشغيلية فقط.

ويرى الباحث أن النظام يستفيد بشكل مباشر من هذه العقود، كما يستفيد بطرق أخرى، أهمها فارق سعر الصرف بين السوق السوداء والسوق الرسمية.

وعندما تتعاقد الأمم المتحدة مع الشركات في مناطق نفوذ النظام، يكون الدفع بالليرة السورية وفق السعر الذي يفرضه المصرف المركزي، وليس وفق سعر الصرف في السوق السوداء الأقرب للقيمة الحقيقية أو الواقعية، إذ إن السعر الذي تحدده حكومة النظام هو سعر وهمي، والفارق بين هذين السعرين هو “مكسب” لخزينة النظام.

وهذا الأمر ينطبق على جميع إنفاقات الأمم المتحدة في سوريا، وليس فقط على إنفاق تأمين الاحتياجات.

ويبلغ سعر الصرف المطبّق على وكالات الأمم المتحدة حاليًا 2500 ليرة سورية للدولار الواحد، بينما يبلغ سعر السوق السوداء تقريبًا 3200 ليرة للدولار (أعلى بـ28%).

إنفاق مستمر لحساب “فورسيزونز دمشق”

سلّط تقرير “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” الضوء على إنفاق وكالات الأمم المتحدة 14.9 مليون دولار في العام الماضي على الإسكان والخدمات الأخرى في فندق “فورسيزونز” بدمشق، ووصول مجموع الإنفاق في الفندق إلى 70 مليونًا و100 ألف دولار منذ عام 2014.

وكان تحقيق لصحيفة “الجارديان” البريطانية، صادر في آب 2016، بيّن أن الأمم المتحدة منحت عقودًا بقيمة عشرات الملايين من الدولارات لأشخاص مرتبطين ارتباطًا وثيقًا برئيس النظام السوري، بشار الأسد، كجزء من برنامج مساعدات.

وقال التحقيق، إن رجال الأعمال الذين تخضع شركاتهم للعقوبات الأمريكية والأوروبية، تلقوا مبالغ كبيرة من قبل بعثة الأمم المتحدة، وكذلك الإدارات الحكومية والجمعيات الخيرية، بما في ذلك واحدة أنشأتها أسماء الأسد زوجة رئيس النظام، وأخرى لابن خاله رجل الأعمال رامي مخلوف.

ومنحت الأمم المتحدة حينها، بحسب التحقيق، فندق “فورسيزونز” 9.3 مليون دولار.

وقالت الأمم المتحدة، عند استجوابها، إن الفندق هو المكان الأكثر أمانًا لموظفيها للبقاء في العاصمة السورية التي مزقتها الحرب، لكن حتى بعد انتقال الخطوط الأمامية إلى محافظات بعيدة عن دمشق، ظل الموظفون في فندق “فورسيزونز”، بحسب تقرير مؤسسة “الدفاع عن الديمقراطيات”.

وفقًا للطبيبة وباحثة الصحة العامة آني سبارو، أجبر نظام الأسد الأمم المتحدة على تعيين موظفيها في الفندق المملوك جزئيًا لوزارة السياحة السورية.

وكانت سلسلة فنادق “فورسيزونز” أعلنت إسقاط الخدمة عن فرعها في العاصمة السورية دمشق بعد العقوبات المفروضة على مالكه، عقب فرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات اقتصادية على 16 شخصًا وكيانًا مقربًا من الأسد، في حزيران 2019.

لجنة محاسبة معطلة

بعد أن وثقت وسائل إعلام دولية ومنظمات حقوقية “مصادرة الأسد الممنهجة للمساعدات الإنسانية”، أصدرت الأمم المتحدة وثيقة تسمى “معايير ومبادئ مساعدة الأمم المتحدة في سوريا”، وأنشأت مجموعة مراقبة مكلفة بضمان تنفيذها.

لكن هذه المجموعة لم تجتمع ولو مرة واحدة، بسبب إحجام الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن “استعداء” حلفاء الأسد الروس، أو الوكالات الأممية الميدانية التي “تشعر بالاستياء من التعرض للانتقاد”، بحسب ما نقله تقرير مؤسسة “الدفاع عن الديمقراطيات” عن الدبلوماسي السابق في الأمم المتحدة كارستن فيلاند، في كتاب أصدره في تموز الحالي.

وبناء على ذلك، طالبت المؤسسة وزير الخارجية وسفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة بالضغط على غوتيريش لعقد اجتماع لمجموعة المراقبة “الخاملة”، وتوجيه جميع وكالات الأمم المتحدة لضمان أن عملياتها في سوريا تتوافق مع وثيقة المعايير الجديدة.

وأشارت إلى ضرورة إنشاء اتحاد من كبار المانحين للأمم المتحدة للضغط بشكل مشترك من أجل إصلاح مساعدات الأمم المتحدة لسوريا، وضمان وجود قدر أكبر من الشفافية حول متسلّمي العقود الذين حُجبت أسماؤهم حاليًا لأسباب مزعومة تتعلق بالخصوصية أو الأمان.

كما طالبت بوجوب نظر “الكونجرس” في جعل الدعم المالي الأمريكي لتلك المساعدة مشروطًا بإصلاحات الأمم المتحدة السريعة.

إشراك الأسد بمساعدات الشمال السوري

قبل قرار مجلس الأمن الأخير بتمديد آلية المساعدات الإنسانية العابرة للحدود إلى سوريا، دعت الأمم المتحدة المجلس إلى تمديد الآلية بإشراك النظام السوري في هذه المساعدات، بعد اقتراح أمريكي مشابه، كحل للتعنّت الروسي بحصر طريق المساعدات عبر مناطق سيطرة النظام، إلا أن روسيا غيّرت موقفها، بعدم الاعتراض على الآلية.

وقال الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، في 7 من تموز الحالي، إن “هناك حاجة ماسة إلى أن نكون قادرين على الاستمرار في توزيع المساعدات العابرة للحدود، ونريد أيضًا أن نقدم المساعدات عبر الخطوط (أي بإشراف النظام السوري)، على الرغم من وجود مزيد من التحديات هناك بسبب القتال المستمر”.

وكانت سفيرة أمريكا لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، اقترحت على بقية أعضاء مجلس الأمن توسيع تقديم المساعدات الإنسانية في جميع أنحاء سوريا، ما يعني أن جزءًا منها سيكون تحت إشراف النظام السوري.

وأشار الباحث الاقتصادي كرم شعار إلى أن نشاط الوكالات الأممية في مناطق سيطرة النظام والأموال التي تضخها، تعد من أسباب تمسك النظام خلال الفترة الماضية بحصر إيصال المساعدات التي ترد عبر الحدود من خلال مناطق سيطرته.

وكان الحديث دائمًا عن حصر إيصال المساعدات من مناطق سيطرة النظام سياسيًا، وأُغفل الجانب الاقتصادي للقضية، بحسب شعار، وللنظام منفعة اقتصادية كبيرة من إدخال كامل المساعدات الأممية عن طريق مناطق نفوذه، يحصل عليها من خلال الاستفادة من فروقات سعر الصرف.

ولا تتعارض زيادة نطاق تعامل الأمم المتحدة مع النظام السوري سياسيًا وماليًا مع العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على أفراد من النظام وكياناته، بحسب رأي الباحث، إذ تتعامل الأمم المتحدة من مبدأ أن العقوبات المفروضة على النظام أحادية الجانب وليست عقوبات أممية، على عكس العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية أو العراق في فترة حكم صدام حسين.

وتؤثر العقوبات الأمريكية والأوروبية على عمل وكالات الأمم المتحدة، ولكن لا تعني لها شيئًا من جهة الالتزام، بحسب الباحث.

 كيف تدعم الأمم المتحدة النظام

برز خلال الأشهر القليلة الماضية دعم وكالات الأمم المتحدة للنظام السوري بعيدًا عن مجال المساعدات الإنسانية والإغاثية، وتعاملها المكثف معه.

في 12 من تموز الحالي، أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا (UNDP Syria) في بيان عبر حسابه في “فيس بوك“، عن بدء تنظيم مسابقة في جميع الجامعات السورية، كخطوة أولى للإعلان عن ممثل للجامعات كمدير للحرم الجامعي.

وكان بيان الأمم المتحدة موجهًا إلى طلاب الجامعات السورية في حال اهتمامهم بالعمل التطوعي ليحصل الفائز على الجائزة، ويكون ممثلًا لبرنامج “هالت”، مرفقة رابط التسجيل للطلاب الراغبين في الانضمام، حتى تاريخ 15 من تموز الحالي.

ويعتبر “الاتحاد الوطني لطلبة سوريا”، بحسب وصف “الاتحاد” عبر موقعه الرسمي، منظمة شعبية أُسست في نيسان 1963، وتضم طلبة الجامعات السورية الحكومية والخاصة والمعاهد العليا، ولها فروع داخل سوريا وخارجها.

وفي 20 من حزيران الماضي، اعتمد النظام السوري مندوبًا دائمًا له لدى مكتب مكافحة المخدرات والجريمة وشؤون القضاء الخارجي التابع للأمم المتحدة في فيينا، في حين تتحدث دراسات عن أن سوريا أصبحت مركزًا عالميًا لإنتاج “الكبتاغون” المخدّر، وأنها أصبحت أكثر تصنيعًا وتطورًا تقنيًا في إنتاج المخدرات من أي وقت مضى.

وفي 14 من حزيران الماضي، انتخبت اللجنة الخاصة المعنية بحالة تنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة، المعروفة باسم لجنة “إنهاء الاستعمار” التابعة للأمم المتحدة، بالتزكية، مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، بسام صباغ، مقررًا للجنة لعام 2021.

وفي 28 من أيار الماضي، انتخبت منظمة الصحة العالمية بالإجماع في دورتها الـ74، سوريا لعضوية المجلس التنفيذي فيها، من بين أعضاء آخرين انضموا حديثًا إلى المجلس، ما أثار استنكارًا دوليًا ومحليًا لهذه الخطوة.

وفي 6 من كانون الثاني الماضي، استخدمت منظمة الصحة العالمية، التابعة للأمم المتحدة، شركة الطيران السورية المعاقَبة أمريكيًا “أجنحة الشام”، لنقل 16 طنًا من الأدوية والإمدادات والمعدات الطبية من مستودعات المنظمة في مدينة دبي الإماراتية إلى بنغازي الليبية.



English version of the article

مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة