ع ع ع

“اضطررنا للخروج من عفرين بغصّة لن تُمحَ من ذاكرتنا، تركنا كل ما نملكه خلفنا، ذكرياتنا، أحلامنا، صورنا، بيوتنا، سياراتنا.. خرجنا فقط بما علينا من ثياب، كنا نركض في شوارع عفرين مع كل صاروخ تطلقه طائرات (إف-16) التركية أو قذيفة مدفع أو دبابة، نسعف الجرحى، ونتبرع بالدم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة المدنيين، كنا تائهين لا ندري إلى أين نسير ولا أين سنستقر”.

بهذه الكلمات، وصف الإداري في “اتحاد إيزيديي سوريا”، سليمان جعفر، حال الإيزيديين في أثناء الهجوم الذي شنّته تركيا بمساندة فصائل “الجيش الوطني السوري” على مدينة عفرين وريفها شمال غربي حلب، في كانون الثاني 2018، ما أجبر عددًا كبيرًا منهم إلى النزوح وترك كل ما يملكونه. 

أضاف سليمان، “بعد خروجنا من عفرين، تابع قسم منا سيره إلى مناطق شرقي الفرات، بينما اتجه آخرون إلى مدينة حلب وبلدتي نبّل والزهراء، أما القسم الأكبر فهام بوجهه إلى منطقة الشهباء في ريف حلب الشمالي”.

ومع سيطرة الفصائل العسكرية على عفرين، كانت المزارات الدينية الإيزيدية، كما يروي، “أول الأماكن التي تم تدميرها ونبش محتوياتها”، ما جعل الإيزيديين الذين اختاروا البقاء في عفرين “يعيشون حالة رعب دائم، فحياتهم مراقبة ولا يتمكنون من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية”.

أعلنت تركيا بمساندة فصائل “الجيش الوطني السوري” سيطرتها على مدينة عفرين وريفها شمال غربي حلب في 18 من آذار 2018، بعد توغل الفصائل داخل مركز المدينة، وتقدمها على حساب “وحدات حماية الشعب” (الكردية) في عملية أطلقت عليها اسم “غصن الزيتون”.

وأدت السيطرة إلى نزوح ما يزيد على 137 ألف شخص، بحسب الأمم المتحدة.

ومن  أبرز الفصائل المسيطرة في عفرين: “فرقة الحمزة”، “لواء سليمان شاه”، “لواء الوقاص”، “لواء السلطان مراد”، “أحرار الشرقية”، “جيش الشرقية”، “الجبهة الشامية”، “فيلق الشام”.

 

عناصر من الجيش الحر خلال المعارك الدائرة على محور شران شمالي عفرين - 28 شباط 2018 (عنب بلدي)

عناصر من الجيش الحر خلال المعارك الدائرة على محور شران شمالي عفرين – 28 شباط 2018 (عنب بلدي)

صعوبات النزوح

إلى منطقة الشهباء، حيث أنشأت “الإدارة الذاتية” (الكردية) أواخر آذار 2018 مخيمات عدّة بشكل عاجل لإيواء النازحين الفارين من عفرين، توجه سليمان بعد خروجه من عفرين. قطن بعض الفارين في منازل فارغة لم تكن مهيأة للسكن، بعدما شكّلت ساحة للمعارك التي شهدتها المنطقة على مدار سنوات بين مختلف أطراف النزاع السوري.

يقول بهذا الصدد، “عندما وصلنا منطقة الشهباء لم يكن فيها أحد، واضطر المهجّرون إلى تنظيف بيوت كانت مدمّرة ومليئة بالجثث والأوساخ وكل أنواع مخلفات الحرب”. ويستعيد كيف أنشأت الإدارة الذاتية مخيمًا على عجل في منطقة فافين أطلقت عليه اسم مخيم برخدان (المقاومة). وبعد اكتظاظه، اضطرت إلى إنشاء مخيم ثانٍ في منطقة تل سوسين اسمته مخيم سردم (العودة)، كما عملت على تأمين الاحتياجات الضرورية للمهجّرين.

يؤمن مهجّرو عفرين بأنهم سيعودون إلى مناطقهم وبيوتهم يومًا ما، وهو ما يعينهم على تحمّل الصعوبات التي يواجهونها جراء نزوحهم.

ويوضح جعفر، “خسر جميع المهجرين كل ما كانوا يملكونه، ويسكن في بيتوهم الآن نازحون من مناطق أخرى”، مضيفًا، “أنا شخصيًا خسرت منزلين وسيارة سياحية، وفيلا في قريتي باصوفان كانت مجهزة بكل وسائل الراحة والرفاهية، إلى جانب خمسة عقارات مزروعة بما يزيد عن خمسمائة شجرة زيتون وأكثر من مئتي شجرة مثمرة مختلفة”.

مخيمات الشهباء في ريف حلب الشمالي، 2021، المصدر: ANF.

مخيمات الشهباء في ريف حلب الشمالي، 2021، المصدر: ANF.

 

يؤمن الإيزيديون بالله الواحد، وسموا بهذا الاسم نسبة إلى ديانتهم “إيزي/إيزيد/يزدان”، وهي مفردات هندوإيرانية تعني الله أو “الروح العالية” أو “الروح الطاهرة الجديرة بالعبادة”، وهم يتحدثون اللغة الكردية، ويتواجدون بشكل أساسي في شمالي سوريا والعراق.

وقد واجه الإيزيديون في قضاء شنگال/سنجار العراقي مجازر وعمليات خطف على يد تنظيم “الدولة الإسلامية” في آب من عام 2014، الذي نفذ جرائم فظيعة بحقهم، كما اقتاد الفتيات الإيزيديات كسبايا وجاريات لعناصره، حتى الصغيرات منهنّ، إلى مناطق سيطرته في سوريا، وهو ما صنّفته الأمم المتحدة كـ “جريمة إبادة جماعية”.

قرى إيزيدية بلا إيزيدي واحد

يتواجد الإيزيديون في 22 قرية في منطقة عفرين، بات بعضها خاليًا تمامًا من السكان الأصليين، وفق ما يوضح الصحفي الكردي، ابن مدينة عفرين، محمد بلو. ويوضح أن عدد الإيزيديين في عفرين قبل عملية “غصن الزيتون” كان يُقدّر بحوالى 25 ألف نسمة، فيما لم يعد يتجاوز منذ دخول القوات التركية خمسة آلاف شخص موجودين في مدينة عفرين، بعدما علقوا فيها إثر هروبهم من القرى المحيطة. 

وتمكّن فارون إلى مناطق الشهباء وشرق الفرات، لاحقًا، من العبور إلى كردستان العراق أو الهجرة إلى أوروبا.

بعد انتهاء العمليات العسكرية في المنطقة، عاد بعض الإيزيديين إلى منازلهم، لكن منهم من عاود النزوح مجددًا نتيجة ما تعرضوا له من انتهاكات، ولا تزال المنطقة حتى اليوم  تشهد نزوحًا من العائلات الإيزيدية بسبب الظروف التي يواجهونها. 

ويلفت بلو إلى أن بعض القرى الإيزيدية خالية تمامًا اليوم من سكانها الأصليين، مثل قرية بافليون في ناحية شران، والتي تحتوي على نحو 150 منزلًا، ويسيطر عليها فصيل “الجبهة الشامية”. كما عاد جزء صغير من الإيزيديين إلى قرية فقيرا في جنديرس، التي تقع تحت سيطرة “فرقة الحمزة”، ويقطنها حاليًا مهجّرون من أهالي حمص والغوطة، إلى جانب وجود قرى مختلطة يعيش فيها إيزيديون ومسلمون مثل باسوطة وشاديرة أو (شيخ الدير).

نازحون من مدينة عفرين، المصدر: نون بوست، 2021.

نازحون من مدينة عفرين، المصدر: نون بوست، 2021.

قتل وسرقة واحتجاز للنساء 

عانى الإيزيديون في عفرين من انتهاكات ممنهجة على يد فصائل “الجيش الوطني”. فإلى جانب تهجيرهم، تعرض بعضهم للاعتداء ونهب ممتلكاتهم وتدمير مزاراتهم الدينية، وفق ما يشرح مدير مؤسسة إيزدينا، علي عيسو. ويشير إلى أن الوضع ذاته  تكرر في مدينة رأس العين (سري كانيه) شمال غربي الحسكة عقب سيطرة القوات التركية عليها بالتعاون مع “الجيش الوطني السوري” في تشرين الأول 2019، خلال عملية أُطلق عليها “نبع السلام”. 

ووثّقت مؤسسة إيزدينا، عبر فريقها الميداني الذي يتولى مهمة رصد الانتهاكات في مناطق عفرين بشكل سري نظرًا لتدهور الحالة الأمنية، تعرُّض العديد من المدنيين الإيزيديين للقتل المباشر عبر استخدام أسلحة فردية وقنابل يدوية “بدوافع دينية متطرفة”، بحسب عيسو، إلى جانب إجبار بعضهم على اعتناق الدين الإسلامي.

كما رصدت المؤسسة حالات اختطاف وقتل لنساء إيزيديات، عزتها إلى “استفزاز الإيزيديين وطرد المتبقين منهم في عفرين”، بينها مقتل الشابة الإيزيدية نرجس دادو (24 عامًا) في قرية كيمار بريف عفرين رميًا بالرصاص في تشرين الثاني 2019، والسيدة فاطمة حمكي التي قتلت داخل منزلها في حزيران 2018 بعد أن رمى عنصر من “فرقة الحمزة” قنبلة داخله، لرفضها الخروج منه وتركه لنازحين جدد.

وروت إحدى المعتقلات في شهادتها للمؤسسة تعرّضها لأسئلة ذات طابع ديني من عناصر “الجيش الوطني” ومحاولة إرغامها على اعتناق الدين الإسلامي. وبسبب رفضها تم تمديد فترة اعتقالها، وفقًا لعيسو. 

من جانبها، تتحدّث الرئيسة المشتركة لاتحاد الإيزيديين مقاطعة عفرين، سعاد حسو، عن تعرُّض نساء إيزيديات للعنف والاعتقال على يد فصائل “الجيش الوطني”، مشيرة إلى إطلاق سراح بعضهنّ بينما لا تزال أخريات يقبعن في السجون.

ومن بين المعتقلات غزالة سلمو، من قرية باصوفان التابعة لناحية شيراوا التي تم توقيفها في كانون الأول الماضي، بتهمة تفخيخ سيارة قيادي في “الجبهة الشامية” وفق حسو، التي أشارت إلى تعرض سلمو لتعذيب شديد، فقدت على إثره ذاكرتها، وهي لا تزال سجينة حتى اليوم. 

وتتواصل الانتهاكات بحق الإيزيديات في عفرين، كإكراههنّ على ترك ديانتهنّ واعتناق الإسلام تحت التهديد بالقتل، وفرض اللباس الأسود عليهنّ.

إضافة لذلك، تنتشر في عفرين عمليات خطف الإيزيديين مقابل طلب الفدية، وفرض ضرائب على أملاكهم، وتوطين عائلات الفصائل في منازلهم، وتدمير مزاراتهم الدينية، وبناء الجوامع في قراهم، وفقًا لحسو. 

أشارت “لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول سوريا”، في تقرير لها أصدرته بشهر أيلول  من عام 2020، إلى أن فصائل “الجيش الوطني” احتجزت نساء إيزيديات وقد دُعين في أثناء استجوابهنّ بمناسبة واحدة على الأقل إلى اعتناق الإسلام. 

 

نساء إيزيديات (Ezidi24)

نساء إيزيديات (Ezidi24)

تهديد للتنوع الديني الثري

يتعرض إيزيديو عفرين لتضييق ديني يتمثل بمنعهم من الاحتفال بمناسباتهم الدينية، ومن إعطاء الدروس الدينية الإيزيدية، وقد انتقدت “اللجنة الأمريكية للحريات الدينية” في تقريرها بشأن سوريا لعام 2020، ما تتعرض له الأقليات الدينية والعرقية، خصوصًا الكرد والإيزيديين والمسيحيين النازحين في المناطق الخاضعة للسيطرة التركية مثل مدينة عفرين من اضطهاد وتهميش.

ودعا التقرير إلى ممارسة الضغط على أنقرة لوضع جدول زمني لانسحابها من سوريا، “لما قد يسببه وجودها هناك من تفاقم التطهير الديني والعرقي للإيزيديين والمسيحيين والكرد”. 

يروي سليمان جعفر أنه بعد توجيه “اللجنة الأمريكية” في تقريرها نقدًا لاذعًا لتركيا، تفاقم الضغط على الإيزيديين المتواجدين في عفرين.

ويوضح، “ما جرى بعدها كان فظيعًا، فقد عقدت مجموعة من أبناء الغوطة اجتماعًا لم يحضره إيزيدي واحد، وأصدروا بيانًا (على أنهم إيزيديون) قالوا فيه إنهم لا يرون مانعًا من بناء المساجد في القرى الإيزيدية، وارتداء النساء الإيزيديات اللباس الإسلامي الشرعي…”، وهو ما يتم فرضه على الإيزيديين حتى اليوم، بالتزامن مع حرمانهم من ممارسة شعائرهم الدينية.

ووجه جعفر نداءً إلى الدول ذات الشأن، خصوصًا الولايات المتحدة وروسيا، وإلى منظمات حقوق الإنسان، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، للضغط على تركيا للخروج من الأراضي السورية وتسهيل عودة المهجرين قسرًا إلى ديارهم.

منازل على الطريق بين قرى جلبل ومريمين وأناب في عفرين – 11 آذار 2018 (عنب بلدي)

منازل على الطريق بين قرى جلبل ومريمين وأناب في عفرين – 11 آذار 2018 (عنب بلدي)

استهداف المزارات الدينية

يتجاوز عدد المزارات الدينية الإيزيدية في عفرين ثمانية عشرة مزارًا تعرّض معظمها بشكل متعمد للتدمير أو التخريب أو لسرقة محتوياتها، فضلًا عن قطع الأشجار المقدسة، وهدم المقابر الإيزيدية.

وأظهر مقطع فيديو نشرته مؤسسة “إيزدينا” في أيار 2018 تدمير مزار “شيخ جنيد”، الذي يحظى بأهمية بالغة لدى الإيزيديين، في قرية فقيرا بريف عفرين بعد نبش القبر وسرقته.

كما أظهر مقطع فيديو آخر نشرته المؤسسة في آذار 2018 حرق “شجرة مقدسة” في قرية كفرجنة بريف عفرين مقابل “مزار هوكر” (قره جرنه).

ووثقت المنظمة تدمير مزار “الشيخ علي” في قرية باصوفان بريف عفرين في نيسان 2020، من الخارج عبر هدم أجزاء من قبته بجرافة، وذلك بعد تعرضه لسرقة محتوياته ورمي الأوساخ فيه عام 2018. 

ويرى عيسو أن الهدف من تخريب المزارات الدينية هو “محاولة إبادة الإيزيديين ثقافيًا بشكل ممنهج، واستهداف انتمائهم الديني، وطمس هويتهم التاريخية من خلال تدمير كل الآثار التي تدل على وجودهم في أرضهم التاريخية في عفرين”.

ويعتقد عيسو أن هذا الاستهداف “يأتي بدوافع دينية متطرفة تشبه كثيرًا ما كان يرتكبه مسلحو تنظيم داعش الإرهابي في هجومهم على الإيزيديين” في شنگال/سنجار عام 2014. ويتابع، “فضلًا عن أن تدمير القبور التي تعود للإيزيديين، هدفها تحطيم شواهدها المكتوبة باللغة الكردية، وما عليها من أشكال ورموز دينية إيزيدية”.

وثقت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” في تقرير بعنوان: “انتقام أعمى: تخريب مقابر ومزارات دينية من قبل أطراف النزاع في سوريا”، تعرُّض العديد من المقابر والمزارات التاريخية والدينية إلى انتهاكات واسعة من قبل أطراف النزاع المختلفة، لأسباب قد تبدو انتقامية أو على خلفيات دينية و/أو إيديولوجية، وفقًا للمنظمة.

وتضمنت الانتهاكات حرق المقابر أو تخريبها أو سرقة محتوياتها، كما امتد بعضها إلى طمس معالمها بشكل كامل من خلال تجرفها وتحويلها لقواعد عسكرية أو إلى أسواق للماشية.

وفي عفرين، يحصي الباحث الميداني لدى المنظمة تدمير ما لا يقل عن ثمانية مقابر تضم رفات مدنيين وعسكريين، إضافة إلى نبش مزارين إيزيديين وسرقة محتويات آخر، خلال الفترة الواقعة بين شباط 2018 ومنتصف العام 2020.

وأشارت المنظمة إلى تخريب مقبرة قرية “شيخ خورز” في ناحية بلبل على يد عناصر “الجيش الوطني”، مرتين، الأولى في شباط 2018، والثانية في تموز 2020، لافتة إلى أن التدمير طال  بشكل واسع القبور التي كتبت شواهدها باللغة الكردية.

أكدت “لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول سوريا”، في تقرير لها، هدم عدة أضرحة ومقابر إيزيدية عمدًا في جميع أنحاء عفرين مثل قسطل جندو وقيبار وجنديريس وشران، مشيرة إلى أن ذلك زاد من الصعوبات التي يواجهها الإيزيديون كأقلية دينية في المناطق التي يسيطر عليها “الجيش الوطني السوري”، وأثّر في جوانب مادية وغير مادية من تراثهم الثقافي بما في ذلك ممارستهم لطقوسهم الدينية.

وأضافت اللجنة في تقريرها أن لديها أسبابًا معقولة للاعتقاد أن مقاتلي “الجيش الوطني”، وبخاصة أفراد “الفرقة 14″، و”لواء سليمان شاه”، و”لواء الحمزة”، و”لواء السلطان مراد”، ارتكبوا مرارًا وتكرارًا جريمة الحرب المتمثلة في النهب بمنطقتي عفرين ورأس العين، وربما كانوا مسؤولين أيضًا عن جريمة الحرب المتمثلة في تدمير ممتلكات الخصم أو الاستيلاء عليها.

هدم مزار الشيخ علي في قرية باصوفان بريف عفرين، مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا.

هدم مزار الشيخ علي في قرية باصوفان بريف عفرين، مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا.

كيف رد المجلس المحلي

ينفي “المجلس المحلي في عفرين”، وجود أي انتهاكات بحق الإيزيديين في المنطقة، أو عوائق بوجه ممارسة شعائرهم الدينية.

ويقول مدير المكتب الإعلامي في مجلس عفرين، أحمد حماحر، “لا يوجد أي انتهاك ممنهج ضد أي مكوّن في عفرين، سواء كانوا عربًا أم كردًا أم مسيحيين أو إيزيديين، وما يصيب أحدهم جراء الحرب الدائرة يشمل بقية المكونات”.

ويضيف أن واقع معيشة الإيزيديين وأعمالهم موجود على الأرض ويمكن رؤيته من قبل أي أحد يزور المنطقة. 

لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود “تجاوزات فردية” من قبل بعض الفصائل العسكرية، وهي تطال الجميع دون استهداف مكوّن بعينه، بحسب تعبيره. ويؤكّد أن التجاوزات التي قد تحدث على يد “بعض العناصر المسيئة”، يتم حلّها بشكل مباشر عن طريق تتبّع الأمر ومعالجته، من قبل جهات مختصة تتمثل بالشرطة المدنية والعسكرية والقضاء.

وينفي المسؤول المحلي نزوح أي مكون من المنطقة، مضيفًا أن الجميع يمارسون شعائرهم الدينية بحرّية ودون التعرض لمضايقات.

وحول إسكان عائلات مهجّرة من الغوطة وحمص وإدلب في منازل الإيزيديين، يؤكد حماحر أنه في حال عودة أهالي المساكن، ممّن هم غير موجودين حاليًا في عفرين، يمكن لأي منهم استرجاع منزله بعد تقديمه العقد الذي يثبت الملكية.

عنصران من "الجيش الحر" يتجولان بين قرى جلبل ومريمين وأناب في عفرين - 11 آذار 2018 (عنب بلدي)

عنصران من “الجيش الحر” يتجولان بين قرى جلبل ومريمين وأناب في عفرين – 11 آذار 2018 (عنب بلدي)

قوانين لا تراعي الخصوصية 

طوال العقود الماضية، لم تعترف الحكومات السورية المتعاقبة بالديانة الإيزيدية كديانة لها خصوصيتها وشعائرها الدينية الخاصة بها، كما يشرح القاضي السوري، رياض علي، إذ كانت تتعامل معهم كمسلمين دون إيلاء أي اعتبار لخصوصيتهم الدينية، في مخالفة صريحة وواضحة لحق الإنسان في الديانة والمعتقد الوارد في “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” لعام 1948، و”العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” لعام 1966.

في المقابل، منح قانون الأحوال الشخصية هذه الخصوصية لأبناء الديانات والطوائف الأخرى الموجودة في سوريا، كالدرزية والمسيحية واليهودية، إذ خصّها في المادتين 307 و308  بأحكام تشريعية دينية، في ما يتعلق بقضايا الأحوال الشخصية، كالزواج والطلاق والنفقة والحضانة والإرث وغيرها.

كما صدرت قوانين عدّة خاصة لتنظيم الأحوال الشخصية لأبناء الكثير من الطوائف والديانات الموجودة في سوريا، منها، القانون رقم 2 لعام 2017 الناظم للإرث والوصية لأبناء الطائفة الإنجيلية في سوريا، والمرسوم التشريعي رقم 7 لعام 2011 الناظم للإرث والوصية للروم الأرثوذوكس والسريان الأرثوذوكس. إلا أنّه لم يصدر أي تشريع خاص بأبناء الديانة الإيزيدية، الذين كانوا ملزمين بمراجعة المحاكم الشرعية على غرار المسلمين في سوريا، رغم أنهم لا يدينون بالديانة الإسلامية.

خارطة تظهر التوزع العرقي والديني في سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، المصدر: Gallica.

خارطة تظهر التوزع العرقي والديني في سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، المصدر: Gallica.

تشير منظمة “إيزدينا” إلى أن تعداد الإيزيديين في سوريا بلغ قبل عام 2011 نحو 200 ألف نسمة، وفقًا لإحصائيات غير رسمية، إلا أن أعدادهم تناقصت كثيرًا خلال الحرب السورية. 

ويتوزع الإيزيديون في عفرين وحلب، وكذلك بمنطقة الجزيرة، وتحديدًا في الحسكة والقامشلي وعامودا والدرباسية ورأس العين (سري كانيه) والقحطانية (تربه سبي).

ولفت علي عيسو إلى أن إيزيدي سوريا عانوا من آلام ناجمة عن السياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة على الحكم، إذ لم ينالوا أي اعتراف دستوري بوجودهم، ولا قانون يحميهم من الإساءات والإبادات، ولم توفر لهم هذه الحكومات السبل الممكنة لحماية انتمائهم الديني وتعزيز دورهم. 

كما تم استثناء الإيزيديين من المشاركة في العملية السياسية، ومُنعوا من دخول البرلمان، فضلًا عن تهميشهم وعدم منحهم أي مساحة إعلامية أو ثقافية أو اجتماعية تهدف إلى تعزيز روح السلم الأهلي.

نتيجة ما ذاقه الإيزيديون في سوريا على مر السنوات الماضية، تضاءل عددهم بشكل كبير. ومع تفاقم الانتهاكات بحقهم مؤخرًا وما رافقها من نزوح وتهجير، بات وجودهم مهددًا، ما يرخي بظلاله على اكتمال لوحة الفسيفساء السوري وتنوّعها.

مقالات متعلقة