غنينا للثورة وللساروت.. وغنينا لبيروت

صورة نمطية تتجاهل الوجه الثاني لإدلب

الرسام السوري عزيز أسمر يرسم منزلًا مع الأطفال على أحد جدران مدينة بنش في إدلب_ 2019 (عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي – حسام المحمود

دفع العجز عن تطويع محافظة إدلب شمال غربي سوريا وإرضاخها بالسلاح النظام السوري إلى تزييف الحقائق، ومحاولة خلق الإشاعات، وتصوير حربه على السكان في إدلب حربًا ضد جماعات إرهابية متطرفة، بهدف تشويه صورة المحافظة، بحسب ما يراه الفنان سمير أكتع، وهو مطرب وملحن يعيش في إدلب.

محاولات النظام هذه قابلها سمير بالبحث عن الكلمة التي تجسد واقع الثورة، وتفضح الأكاذيب التي تُلفَّق حولها، بحسب ما قاله لعنب لبدي، فاتجه لتقديم فن إيجابي يلقى قبول المستمع، ويعزز المواقف الإيجابية، ويظهر الصورة المشرقة لإدلب والمقيمين فيها، فالغرض من الثورة رفع قيمة الإنسان، وصون كرامته، وليس ظلمه بتصنيفه وإطلاق أحكام مسبقة بحقه، كما يفعل النظام.

وقبل اندلاع الثورة السورية عام 2011، كانت المحافظة تُلقّب بـ”إدلب الخضراء” لغناها بأشجار الزيتون، لكن أبناءها يعتبرونها “منسية” منذ حكم الرئيس السابق، حافظ الأسد، بسبب التجاهل الحكومي لها وغياب مظاهر التطوير والمؤسسات الحيوية والبنية العمرانية.

كيف كانت إدلب.. عبد اللطيف صادق | ذاكرة سورية 15

تجاوزت المحافظة هذه الصورة، وفرضت حضورها خلال الثورة، فصارت ملاذ السوريين المهجرين من مختلف المناطق السورية بموجب “تسويات” فرضها النظام بالقوة، إذ اتجه منذ عام 2014 لتحويلها إلى مركز تجميع للسوريين الذين رفضوا حكمه.

بدأ ذلك بإجلاء السكان والمقاتلين من أحياء حمص القديمة إلى إدلب في أيار من العام نفسه، ومع توسّع رقعة “التسويات” على الأراضي السورية، تحولت إدلب إلى خزان بشري ضخم تضم مواطنين ومقاتلين قدموا من دمشق وريفها ودرعا وحمص وحماة وغيرها، إذ يعيش أكثر من أربعة ملايين سوري في الشمال السوري، بحسب دراسة نشرها مركز “جسور للدراسات” في آذار الماضي.

في هذا الوقت، سخّر النظام لغة خطابه باعتباره وجهًا حضاريًا أمام الغرب، مستندًا إلى مختلف الأنشطة الفنية والحفلات والمهرجانات، في مقابل من يصفهم بـ”الإرهابيين” المتطرفين، محاولًا في الوقت ذاته تشويه صورة الشمال، بالإضافة إلى حالة التحريض والتعبئة النفسية لقواته بالحديث عن معركة مقبلة في إدلب، رغم بحث الدول الضامنة في مستار “أستانة” (روسيا وتركيا وإيران)، الذي تخضع المنطقة بموجبه إلى “خفض التصعيد”، عن سبل دعم التهدئة.

من إدلب.. أغنية للآخرين

الفنان سمير أكتع، أحد الأصوات التي خرجت من إدلب لتغني للثورة وهمومها وقضاياها الملحة والقضايا الإنسانية العابرة للحدود، تحدث لعنب بلدي عن قدرة الفن على كسر النمطية التي يسعى النظام لترسيخها حول إدلب.

وقال إن الفن واحد من أشكال الحرية التي تنشد التعبير عن الذات والمجتمع في الوقت نفسه، وبأسلوب معبر ومؤثر، معتبرًا أن دور الفنان إبراز المشاعر الإنسانية دون تكلف ومبالغة، وبشكل نابع من الإيمان الذاتي بأحقية القضية والثورة.

يرى سمير أكتع أن مهمة الفنان تقديم انعكاس لواقعه، وأن يكون أكثر استعدادًا للاستجابة وسرعة من فئات المجتمع المختلفة، فبالكلمة والأغنية يجسد الفنان واقع الظلم والمعاناة الذي يتعرض له شعب يطالب بالحرية.

وبرز في إدلب خلال الثورة العديد من المظاهر الفنية والثقافية التي تسعى لإيصال رسالتها إلى العالم، ونقل رسالة للآخر البعيد حول الحياة وطبيعة الناس فيها.

ويطرح سمير أكتع من وقت لآخر أغنية تعبر عن أحد المواضيع الملحة زمنيًا، فغنى للمعتقل الحي، وللمعتقل المقتول، وللمخيمات، ولذكرى الثورة العاشرة، ولرحيل عبد الباسط الساروت، كما غنى لبيروت إثر انفجار مرفئها، لتخرج تلك الأغنيات من إدلب إلى العالم العربي، مع إمكانية إسقاط تلك الأغنيات على كل الشعوب المضطهدة، طالما أن المستبدين لا يختلفون سوى بالأسماء.

وحول تلك المظاهر الفنية، أكد سمير أكتع أن معركة السوريين ضد الاستبداد والديكتاتورية لا تتجزأ.

“العالم لا يقف مع ثورة لا تعبّر عن نفسها، فالحرية والكرامة قضية لكل شعوب العالم الحر”.

الفنان سمير أكتع

 

واقع معقّد دون تناقض

تشكّل إدلب اليوم للمعارضين السوريين نبض وروح الثورة، ورمزية مستمرة منذ فقدان النظام سيطرته على المنطقة كليًا في 2015، لتتسلّم “الحكومة المؤقتة” إدارتها، قبل تشكيل حكومة “الإنقاذ” في أواخر 2017.

وتفرض “هيئة تحرير الشام”، منذ عام 2017، سيطرتها العسكرية على إدلب وريفها، في ظل وجود حكومة “الإنقاذ” التي تُتهم بالتبعية لـ”الهيئة”.

وتشهد المدينة تنوعًا في القوى التي تسيطر عليها إلى جانب “هيئة تحرير الشام”، مثل “الجبهة الوطنية للتحرير” التابعة لـ”الجيش الوطني”، و”جيش العزة”.

وكانت الولايات المتحدة صنفت “الهيئة”، عام 2017، كجهة “إرهابية”، بعد أن غيّرت اسمها من “جبهة فتح الشام”، التي ضمت فصائل عسكرية معارضة كان أبرزها “جبهة النصرة” بعد أن انفكت عن “القاعدة” عام 2016.

إدلب أرضية خصبة وحاضنة لمكونات متنوعة من الشعب السوري دون تناقض رغم تنوع الرؤى، برأي سمير أكتع، الذي يعتبر أن المقيمين في المنطقة يتشاركون ذات الهدف والطموح والأمل بأن تكون بلادهم واحدة من الدول التي تلبي طموحات وتطلعات شعبها.

ألوان من إدلب إلى العالم

يُعتبر الباحث الأمريكي جورج جيربنر أول من وضع نظرية “الغرس الثقافي” في أواخر ستينيات القرن الماضي، وتنص النظرية في أبسط أشكالها على أن التعرض للتلفزيون (مصدر الصورة ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي) يزرع بمهارة مع مرور الوقت مفاهيم المشاهدين عن الواقع، ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، ذهب جزء من هذا التأثير لمصلحة هذه الوسائل، ما يعني أن التأثير على المتلقي هو تأثير على الثقافة العامة بالضرورة.

وسخّر النظام أدواته الإعلامية عبر التلفزة والصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي لتقديمه بصورة مدنية يرضى عنها المجتمع الدولي، معتمدًا إعادة تدوير الرواية الرسمية ذاتها التي تدين معارضيه وتضعه فريسة للمؤامرة.

عزيز الأسمر رسّام سوري يقيم في إدلب، اتخذ من حطام المباني التي دمّرها قصف النظام والروس في إدلب أرضية للوحاته التي تحاكي واقع القضايا الإنسانية، ليس في إدلب فقط، بل في العالم ككل، فرسم تعبيرًا عن مناهضة العنصرية إثر مقتل الأمريكي جورج فلويد، ولرحيل مارادونا، ولاعتداء القوات الإسرائيلية على القدس، كما رسم للثورة وهمومها، ورحيل أبرز وجوه مظاهراتها عبد الباسط الساروت.

قال عزيز الأسمر لعنب بلدي، إنه تعمّد اختيار الجدران المهدمة لأنها “أصدق في التعبير عن حجم المأساة والإجرام الذي مورس بحق السوريين من قبل النظام وحلفائه”.

ورسم الأسمر عن القصف والتهجير والاعتقالات، عن الحياة اليومية للمواطن، وما يعانيه من فقر وبطالة وارتفاع أسعار على امتداد الجغرافيا السورية.

وأوضح أن ألوانًا قليلة فقط كانت كافية وكفيلة بشرح الكثير ودون كلمات، ليعي العالم أن الثورة السورية ليست سلاحًا وقاتلًا وقتيلًا فقط، وأنها ثورة ثقافة وفن وإنسانية.

لسراقب وكفرنبل في ريف إدلب وداريا بريف دمشق أسبقية في فن “الجرافيتي” والتعامل مع الألوان خدمة للثورة، بحسب عزيز الأسمر، ويحاول اليوم بناء جسر للجيل المقبل، بمشاركة الأطفال رسوماته، معبرين عن أحلامهم وأمنياتهم التي يرغبون بتحققها، معتبرًا أن مشاركتهم في هذا المشروع الفكري تغني وتمنح الكثير من الصدق والقيمة الإنسانية.

 “ما زال الحلم يراودنا، أن ننتصر قريبًا ونرسم لوحة النصر على جدران القصر الجمهوري في دمشق”.

الرسام عزيز الأسمر

لا نطلب مجتمعًا بديلًا

الشاعر السوري ظافر صالح الصدقة يقيم في إدلب، وقدّم قصائد وكلمات أغنيات كثيرة سمعها السوريون بصوت سمير أكتع الذي شكّل مع الشاعر ثنائيًا منسجمًا فنيًا، إذ يقدّم الأول الكلمة ويبعث الآخر فيها الموسيقى والصوت.

وحول دور المثقفين في إبراز الجانب الإيجابي من إدلب، الذي يسعى النظام لتمييعه وتهميشه، قال ظافر صالح الصدقة، في حديث إلى عنب بلدي، إن الكاتب أو الأديب أو الفنان الذي لا يشعر بآلام أهله وناسه وأبناء مجتمعه هو أجير مثقف، وامتلاك النظام آلة إعلامية منظمة بالمقارنة مع الوضع في إدلب لا يعني تفوقها طالما أنها لا تمتلك الحقيقة، ومن يمتلك الحق والحقيقة ينتصر.

انحاز خلال الثورة السورية عدد كبير من الفنانين بمختلف المجالات للنظام السوري الذي استخدمهم كأدوات للدعاية عبر مقابلات تلفزيونية أو حفلات موسيقية ونشاطات مختلفة، بغرض تقديم النظام بمظهر حضاري، يخفي وراءه القصف والتهجير والاعتقال والخوف الذي يعيشه السوريون.

وأوضح الصدقة أنه ليس مطلوبًا من السوريين في الشمال خلق مجتمع بديل أو جديد، فهناك مجتمع قائم وحقيقي وغني ومتنوع، خاصة بعد تهجير السوريين من مختلف المدن نحو الشمال السوري، وعلى من يمتلك الأدوات إبراز صورة إدلب ووجهها الحقيقي.

“ارتفاع صوت البندقية لا يعني استمرارية هذا الصوت أو قدرته على مواكبة الكلمة والأغنية التي يتعدى تأثيرها الزمان والمكان”

الشاعر ظافر صالح الصدقة

كيف تشكّلت الحالة

كان النظام متيقنًا من عجزه عن السيطرة على جميع الأراضي السورية، بالإضافة إلى إدراكه أن الجماعات المقاتلة ضده في إدلب، خاصة ذات “التوجهات الدينية”، يمكن أن تخدم موقفه بغير قصد، وتقدم صورة انطباعية لا تخدم الثورة السورية، وفق رأي الباحث السياسي ماجد علوش.

وأوضح علوش، في حديث إلى عنب بلدي، أن النظام سعى لتحويل إدلب إلى مركز تجميع للفصائل الإسلامية التي ارتكبت أحيانًا أخطاء تتنافى مع القيم الثورية التي ينادي بها السوريون، مشيرًا إلى وضع “هيئة تحرير الشام” على لوائح الإرهاب الأمريكية بسبب ذلك.

وأوضح الباحث أن النظام استغل أخطاء الفصائل المسلحة في الشمال السوري، لإجراء مقارنات في العقل العام الغربي بين أسلوبه وأسلوب الفصائل في التعاطي مع السكان ضمن مناطق سيطرة كل منهما.

كما حاول إيصال رسالة للمجتمع الدولي مفادها أنه، وإن كان متوحشًا، فهو الأقل سوءًا بالنسبة للغرب ومصالحه.

وحول تسخير النظام الإعلام لتقديم رواية مضللة حول ما يجري في إدلب، يرى علوش أن المسألة لا تتعلق بضعف الإعلام في إدلب، أو بغياب مادة إعلامية يمكن العمل عليها، بل بتوفر مواد كثيرة يمكن للنظام الاستفادة منها واستثمارها لمصلحته.

ومن غير المنطقي، برأي علوش، الحديث عن صراع ثقافي بين النظام والنماذج التي انفردت بمواجهته بعد دخول الثورة في طورها العسكري، فالصراع مع النظام أخلاقي في المقام الأول، لأنه صراع بين شعب أغرته الظروف بالثورة من أجل الحرية والكرامة، ونظام لا يملك من أدوات الصراع سوى القتل.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة