دمار بعد إعمار..

ترميم المنازل.. قرار بعيد عن سكان درعا وسط التصعيد العسكري

رجل سوري يقود دراجة هوائية بالقرب من أبنية مدمرة في حي تسيطر عليه فصائل المعارضة السورية في مدينة درعا جنوبي سوريا- 2 من تشرين الأول 2018 (AFP\ محمد أبازيد)

ع ع ع

عنب بلدي – درعا

لم يغب عن بال محمد الإبراهيم، البالغ من العمر 65 عامًا، هاجس ترميم بيت ابنه وسط أجواء من التوتر العسكري تشهدها مدينة درعا جنوبي سوريا منذ تموز الماضي، لكنه فضّل التريث في عملية إعادة البناء حتى تستعيد المنطقة استقرارها الأمني.

بناء البيت غير مجدٍ في هذه الأوقات، وفق ما قاله محمد الإبراهيم لعنب بلدي، إذ يكلف هذا القرار حوالي 50 مليون ليرة سورية (15 ألف دولار)، وخطر هدم المنزل بالقذائف المدفعية أمر محتمل بشكل كبير.

يتردد سكان مدينة درعا في اتخاذ قرار إعادة بناء منازلهم التي دمرها الطيران الحربي قبل بدء اتفاق “التسوية” عام 2018، وتصاعد خوفهم من جديد بعد الحملة العسكرية الأخيرة على المحافظة وحصار درعا البلد منذ مطلع حزيران الماضي، مع غياب أي جهة قد تتحمل تكاليف عملية إعادة الإعمار.

ركام فوق ركام

لم ينتهِ سكان درعا من ترميم منازلهم التي دُمرت قبل اتفاق “التسوية”، حتى هُجّروا منها من جديد، بعضهم استصلحوا أجزاء من منازلهم لتأمين استقرار عوائلهم مؤقتًا، وبعضهم فضّلوا الاستئجار، إما لعدم القدرة المالية على الترميم، وإما خوفًا من عمليات عسكرية واسعة تدمر أي بناء جديد.

وشهدت مدينة درعا منذ تموز الماضي تصعيدًا عسكريًا بدأته قوات النظام السوري بسبب فشل المفاوضات بينها وبين ممثلين عن أهالي مدينة درعا البلد.

وأدى التصعيد العسكري الأخير إلى اشتباكات واقتحامات في مدينة درعا.

وبلغ عدد المباني المتضررة كليًا في محافظة درعا 224 مبنى مدمرًا، بالإضافة إلى وجود 498 مبنى مدمرًا بشكل بالغ، و781 بشكل جزئي، حيث بلغ مجموع المباني المتضررة 1503، وفقًا لتقرير نشره معهد “الأمم المتحدة للبحث والتدريب”.

وحدد التقرير معايير لقياس نسبة الدمار، وهي اعتبار أن المبنى مدمر كليًا إن كان الضرر فيه بنسبة من 75 إلى 100%، في حين يعتبر مدمرًا بشكل بالغ إن كانت نسبة الضرر من 30 إلى 75%، ويكون مدمرًا إلى حد متوسط إن كانت نسبة الضرر من 5 وحتى 30%.

وتقدر تكلفة بناء منزل في مدينة درعا (وفق الأسعار الحالية) بما لا يقل عن 50 مليون ليرة سورية (قرابة 16 ألف دولار أمريكي)، إذ بلغ سعر متر الرمل 40 ألف ليرة (حوالي 12 دولارًا)، وسعر طن الأسمنت 250 ألف ليرة (حوالي 80 دولارًا)، وسعر طن الحديد مليونين و800 ألف ليرة (حوالي 900 دولار)، وسعر قطعة الطوب (البلوك) الواحدة 900 ليرة (حوالي 30 سنتًا).

ويبلغ عدد سكان درعا المدينة، حسب السجلات المعتمدة في محافظة درعا، عشرة آلاف و700 عائلة، أي ما يقارب 50 ألف نسمة.

ترميم البيوت على حساب أصحابها

بعد انحسار النزاع بمناطق محددة في سوريا، لا يبدو أن هناك سعيًا كافيًا من قبل المنظمات المعنية بملف إعادة الإعمار في سوريا لمساعدة أصحاب العقارات المدمرة في إعادة تأهيلها بالمناطق التي لا يسيطر عليها النظام السوري، أو حتى تلك المناطق التي تقع تحت نفوذه.

ففي درعا، بعد اتفاق “التسوية” الذي نتجت عنه سيطرة قوات النظام على المناطق الجنوبية من سوريا، على حساب فصائل المعارضة، رمّم أغلبية سكان المدينة منازلهم المدمرة على نفقتهم الخاصة، باستثناء جهود خجولة من منظمات دولية مرخص لها بالعمل في المنطقة من قبل حكومة النظام السوري، بحسب ما قاله عضو “لجنة إغاثية” في درعا لعنب بلدي.

وأضاف عضو “اللجنة الإغاثية”، الذي تحفظ على نشر اسمه لأسباب أمنية، أن النظام السوري “لم يُقدم على إعمار المنازل التي دُمرت، إنما رمّمت المنظمة الفرنسية ما يقارب 100 منزل، كذلك منظمة دنماركية رمّمت نفس العدد تقريبًا في مدينة درعا البلد، في حين رمّم الأهالي ما يقارب 3000 منزل على نفقتهم الخاصة”.

وباع بعض السكان عقارات مقابل ترميم عقارات أخرى يملكونها، وبعضهم باعوا ما يملكونه من ذهب، بينما اعتمد آخرون على دعم مالي من أبنائهم المغتربين في دول الخليج وأوروبا.

ولم تُرمّم البيوت بشكلها التام والنهائي، بحسب عضو “اللجنة الإغاثية” التطوعية المحلية التابعة لمجلس العشائر في المدينة، إنما كانت حلولًا جزئية لتأمين مسكن مؤقت.

ووفق ما رصدته عنب بلدي من آراء بعض الأهالي في مدينة درعا، فإن جهود المنظمات تنصب في أغلب الأوقات على ترحيل الأنقاض فقط، في حين كانت تكاليف الترميم على نفقة الأهالي بشكل كامل.

يرى الناس أن مطلبهم بالاستقرار الأمني لم يتحقق بعد اتفاق “التسوية”، مترقبين تصعيدًا عسكريًا من قبل النظام، الذي لم يبدِ استعداده لإعادة بناء بيوت المدنيين بعد قصفها، بل كان يتعامل فقط مع الأوضاع في درعا بتوجيه نيرانه المباشرة والاشتباك مع من تبقى من مقاتلي المعارضة الذين رفضوا تسليم أسلحتهم الخفيفة للنظام، وهذا يعني مزيدًا من الدمار والتهجير وضياع الممتلكات.

ويؤدي هذا النهج في عدم الاهتمام بإعادة تأهيل المباني المهدمة في مناطق سورية إلى خلق “مظلوميات” عمرانية ونزاعات قانونية عقارية ستتراكم في مستقبل مجهول المصير، في ظل غياب أي حل سياسي تتبناه الدول الفاعلة في الملف السوري.

وحصار المدن، كما تعيشه منطقة درعا البلد في هذه الفترة، وتدمير ما فيها من أبنية وخدمات أو تسويتها بالأرض بالمتفجرات أو الجرافات، لم تكن عارضًا من عوارض النزاع في سوريا، بل نهجًا اتبعته قوات النظام السوري ضد المناطق المعارضة، فالأحياء السكنية والشوارع والمزارع والمنازل والمستشفيات والجسور صارت مسرحًا لهذا النزاع، وسلاحًا استخدمته قوات النظام في عملياتها العسكرية.



English version of the article

مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة