يا ويل ويلي شاب الشعر يا بنية

ع ع ع

نبيل محمد

ليس من المعتاد أن تحظى أغنية سورية بهذا المستوى من المتابعة والحضور والمشاركة الذي حظيت به مؤخرًا أغنية “يا ويل ويلي” لفرقة “سفر” السورية، إذ قارب عدد متابعي الأغنية على موقع “يوتيوب” خمسة ملايين خلال شهر، لتكون الأغنية بالفعل ضربة رابحة للفرقة التي بقيت في الظل أكثر من 20 عامًا، وبقي إنتاجها محدودًا، وطغت على أعضائها صفة الهاوين الذين يحضرون بين عام وآخر بأغنية واحدة لا أكثر، تبدو كتجربة لتقديم محتوى فني جديد، تجربة تظهر وكأنها لم تكتمل بعد، تحاول بين عام وآخر التنويع أو الاتجاه نحو الاستقرار على هوية فنية معيّنة.

يحاكي “فيديو كليب” الأغنية الجديدة ظروف ندرة الكهرباء والاعتماد على إضاءة “الليدات” والولاعات في سوريا، ولعل ذلك أكثر ما يلفت في “الكليب”، الذي صُوّر في مكان ضيق، يوحي بالظروف الصعبة للإنتاج أيضًا، في حين يبتعد كليًا بالكلمات عن أي محاكاة للراهن أو الحياة العامة خلافًا لبعض ما اعتادت الفرقة فعله في أغانيها السابقة، التي لم تكن تخلو من إشارة أو جملة مرتبطة بالوطن بشكل يحاول الابتعاد عن إمكانية الوسم بأي توجه سياسي واضح، الأغاني التي أيضًا لم تحظَ بمتابعة حقيقية إلا بعد صدور الأغنية الأخيرة، التي لفتت النظر إلى الفرقة وتاريخ إنتاجها بشكل عام، ولعل أغلبية من عرفوا “سفر” إنما عرفوها بعد “يا ويل ويلي”.
لا يمكن إنكار أن الأغنية كانت أكثر إنتاجات الفرقة استقلالية في هويتها، ليست مضطرة لمحاكاة التراث أو توظيفه، بل كانت الخطوة الأجرأ لدى الفرقة في إنتاج أغنية مستقلة أكثر اكتمالًا من كل الإنتاجات السابقة، حتى على مستوى “الفيديو كليب” كانت كل المواد السابقة تقليدية لا تحقق اختلافًا واضحًا عن السائد بينما جاء كليب “يا ويل ويلي” خطوة متقدمة على هذا الصّعيد.

لم تكن “سفر” التي أسسها الممثل والمغني السوري شادي الصفدي، المعروف بقصة رفضه ست مرات في “المعهد العالي للفنون المسرحية”، مختلفة عن كثير من الفرق السورية، التي بدأت مسيرتها بإعادة توزيع أغانٍ تراثية، ذاك الأسلوب الذي يمكنه أن يسم أي تجربة فنية بالتكرار والافتقار إلى الخصوصية والموهبة، لتبدأ بعدها “سفر” بمحاولة صناعة أغنية خاصة، واتجهت نحو الإنتاج المستقل الذي يعتمد بالدرجة الأولى على وسائل التواصل وينعتق من الشروط الإنتاجية التي تفرضها الشركات، ويبحث دائمًا عن الجديد الذي يتيح قطاعًا جماهيريًا يشكل رأس مال الفرقة.

ولم يخلُ توجه فرقة “سفر” منذ تأسيسها من لوثة التراث في الموسيقى وفي الكلمات أيضًا، فأتى مفتقدًا للجديد الخالص، وهو ما تجاوزته “يا ويل ويلي” بموسيقاها وتوزيعها وجوّها، ونسبيًا بكلماتها.

نادرة هي التجارب السورية الجديدة في مجال الموسيقى والغناء، والتي تحوز متابعة وشعبية كبيرة، خاصة تلك الأغنية التي تنتمي إلى “الفن البديل المستقل” الذي لا يتيح بطبيعته كثافة في الإنتاج، كما أن استمراره مرتبط بعدد متابعيه بالدرجة الأولى، ولعل ما يتوفر لشادي صفدي في هذا السياق لا يتوفر لكثيرين غيره من منتجي الموسيقى، كونه ممثلًا قد تهيئ له شهرته على الشاشة جمهورًا جاهزًا لاستقبال المحتوى، شرط ألا يكون رديئًا.

قد لا تحمل الأغنية التي تصادفك يوميًا على صفحة أو أكثر من صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، تلك الفرادة والميزة التي تظهر بها، ولعل الآراء حولها تختلف كليًا بين من يرفض هذا الشكل من الموسيقى قطعيًا ومن لا ينتظر سواه، إلا أن الأغنية بلا شك تشير إلى أن هناك جمهورًا تواقًا لأشكال جديدة، ونماذج مستقلة، على الأقل مستقلة عن السائد الذي تصرّ شركات الإنتاج في العالم العربي على تكريسه وتكراره، ومستقلة أيضًا عن التراث.



مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة