مشروع مضاد يواجه تمدد “تحرير الشام” في حلب

عناصر من غرفة عمليات عزم خلال حملة أمنية – 15 تموز 2021 (السلطان مراد)

ع ع ع

عنب بلدي – علي درويش

انحصرت المناطق الخاضعة لسيطرة قوات المعارضة السورية في شمال غربي سوريا، بعد موجات التهجير القسري لمقاتلين من المعارضة ومدنيين من مختلف الجغرافيا السورية.

وانقسمت مناطق سيطرة المعارضة عسكريًا وخدميًا منذ العام 2017 إلى منطقتين: إدلب وتسيطر عليها “تحرير الشام” عبر أذرعها، وريف حلب تحت سيطرة “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا.

ويربط بين المنطقتين معبران داخليان هما “الغزاوية” الذي يصل مدينة دارة عزة بمنطقة عفرين بريف حلب الغربي، و”دير بلوط” الذي يصل إدلب بريفي حلب الشمالي والغربي.

عنب بلدي حصلت على معلومات من عناصر في “هيئة تحرير الشام” تفيد بزيارات لقياديين من الصف الأول في الفصيل، عقدوا لقاءات في ريف حلب مع قيادات في فصائل عسكرية، بقصد التقارب والتنسيق مع “الهيئة”، وهو ما أكدته زيارة القيادي جهاد الشيخ (أبو أحمد زكور) إلى مدينة اعزاز بريف حلب، ولقاؤه بقياديين ووجهاء من المنطقة، في تموز الماضي.

وأثارت جهود “الهيئة” خلال الأشهر الأخيرة، ومحاولات تمددها إلى ريف حلب، تساؤلات حول ما سيؤول إليه مصير مناطق سيطرة المعارضة، وهل تتجه الأمور إلى تقارب بين فصائل المنطقتين أم ترسيخ لمشروعين سياسيين- عسكريين.

مشروع مضاد يحضّر في ريف حلب

أعلن فصيلا “الجبهة الشامية” و”السلطان مراد”، منتصف تموز الماضي، عن تشكيل غرفة عمليات “عزم”، لتنضم إليهما لاحقًا عدة فصائل عسكرية، وجميعها تتبع لـ”الجيش الوطني”.

وتسعى الفصائل المنضوية ضمن “عزم” لمزيد من التنسيق الأمني والعسكري على مستوى عالٍ فيما بينها، لاستهداف الشبكات والخلايا التي تهدد أمن المجتمع، وهو ما طُبّق فعليًا بحملة أمنية لملاحقة تجار المخدرات والمطلوبين أمنيًا في مدينتي اعزاز شمالي حلب وعفرين، حسب المعرفات الرسمية للفصيلين.

عمليات قصف “السلطان مراد” التي تستهدف قوات النظام و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) صارت تُنشر تحت اسم غرفة عمليات “عزم”، بحسب ما ينشره معرف الفصيل على “تويتر”.

في حين كانت جميع فصائل “الجيش الوطني” تصدر بياناتها تحت إطار “الجيش” وعبر صيغ محددة.

مدير المكتب الإعلامي في “الفيلق الثالث”، سراج الدين عمر، أكد، في حديث إلى عنب بلدي، أن “غرفة القيادة الموحدة (عزم) تعمل في الإطار العام لـ(الجيش الوطني) وليست بديلًا عنه”.

واستبعد عمر خروج أي من الفصائل المنضمة إلى مشروع الغرفة في الوقت الحالي، بل تحاول بعض الفصائل التي ما زالت خارج المشروع الالتحاق به.

وانضمت فصائل “جيش الإسلام”، و”فرقة أحرار الشرقية”، و”جيش الشرقية”، و”فرقة الحمزة”، و”فرقة ملك شاه”، و”صقور الشمال”، و”فرقة سليمان شاه”، إلى الغرفة بعد إعلان انطلاقها.

ما وجه الأنظار إلى ريف حلب بشكل أكبر، زيارة رئيس “المجلس الإسلامي السوري”، الشيخ أسامة الرفاعي، إلى اعزاز، وإلقاؤه خطبة الجمعة، في 6 من آب الحالي، وافتتاح أول مركز للمجلس في الشمال السوري.

كما أن عددًا من قادة أبرز الفصائل كـ”الجبهة الشامية” و”أحرار الشام” ظهروا إلى جانب الرفاعي في صورة جماعية، وهو ما يُنظر إليه على أنه توجه لتأسيس تيار إسلامي وسطي في ريف حلب، يوازن أو يواجه تمدد تيار “تحرير الشام”.

ماذا يقول الخبراء؟

المحلل العسكري العقيد أحمد حمادي، المطلع على شؤون “الجيش الوطني”، لا يرى أن مشروع “عزم” مختلف عن “الجيش الوطني”، فغرفة “عزم” تضم “السلطان مراد” وعدة فصائل وجميعها ضمن “الجيش الوطني”.

وأضاف العقيد حمادي أن نشاط “عزم” حتى الآن ينحصر بملاحقة المجرمين وتجار المخدرات، وتنفيذ المذكرات القضائية، ولكن من الممكن أن “تتطور إلى غرفة عمليات عسكرية لتنفيذ مهام خاصة”.

وتختلف نظرة الباحث عباس شريفة، المطلع على وضع الفصائل في الشمال السوري، عن العقيد أحمد حمادي، بقوله إن الشمال السوري يتجه إلى إفراز قوتين أساسيتين، هي إدلب تحت سيطرة “تحرير الشام” ومعها “الجبهة الوطنية للتحرير”.

والثانية مناطق ريف حلب التي تتجه إلى إنتاج قوة واحدة في غرفة “عزم”، بقيادة “الجبهة الشامية”، وهو ما “سيسهم بشكل كبير في الحد من الفوضى الفصائلية، وقيادة أكثر مركزية للمنطقة من قبل هذه القوى”.

مرت “الجبهة الشامية” بعدة تطورات حتى وصلت إلى الهيكلية الحالية، فهي امتداد لـ”لواء التوحيد”، والقائمون عليها هم نفسهم القائمون سابقًا على “اللواء”.

وتتألف حاليًا من كتلة “لواء التوحيد” القديمة وكتلة “حركة أحرار الشام” في ريف حلب الشمالي، وفصائل أخرى.

وأوضح الباحث عباس شريفة، في حديث إلى عنب بلدي، أن مستقبل المشروعين مرتبط بعدة متغيرات، منها عملية الاستقرار ووقف إطلاق النار، وتوقف الحملات العسكرية الروسية تجاه هذه المناطق، ما “يعني أننا أمام حالة استقرار مؤقتة في هذه المنطقة”.

أما “الجيش الوطني”، فحالته التنظيمية لم تنضج إلى المستوى الذي يمكننا فيه تسميته بجيش، ولا تزال الحالة الفصائلية هي الطاغية، بحسب شريفة، وفي حال جرى الدفع إلى مشروع أكثر تنظيمًا وتماسكًا، وله شروط من النجاح والفاعلية، ستتجاوز الأجسام الحالية إلى المشروع القادم.

ورد شريفة على سؤال عنب بلدي حول مصير الفصائل غير الإسلامية (ليست ذات توجه إسلامي)، بأن “فكرة الفصائل الإسلامية وغير الإسلامية أصبحت من التاريخ”، واليوم جميع الفصائل لا تدعو إلى أي مشروع إلا المشروع الوطني، لكنه استدرك أن جميع الفصائل حاليًا هي فصائل محافظة، وهذا يعني أن “الشراكة بين الفصائل ذات التوجه المتشابه غير مستحيلة، وفرضية تفجر خلافات أيديولوجية بينها مستبعدة تمامًا”.

“تحرير الشام” تتحرك لكن دون إعلان

تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي أنباء عن عروض تنسيق وتعاون وتوحد قدمتها “تحرير الشام” لـ”الجبهة الشامية” خلال الأشهر الثلاثة الماضية، إلا أن سراج الدين عمر اعتبرها إشاعات تصدر كل فترة، نافيًا عرض هذه الأمور على “الجبهة الشامية” وأنها “ليست بصدد هذه الفكرة”.

كما تحدثت معرفات “تلجرام” معارضة لـ”الهيئة” عن انتقال عناصر من فرقة “السلطان سليمان شاه” (العمشات) إلى قرية أرمناز شمال غربي إدلب وسماح “تحرير الشام” لهم بافتتاح مقر، في مقابل ذلك انتقال عناصر من “تحرير الشام” إلى عفرين التي تعد معقلًا رئيسًا لـ”العمشات”.

ووجهت عنب بلدي عبر مراسلة إلكترونية مع مكتب التواصل في “تحرير الشام” سؤالًا حول تمدد عناصر “الهيئة” في ريف حلب، وعقد اجتماعات مع قادة عسكريين، والجهود المبذولة للتنسيق مع فصائل “الجيش الوطني” ومستقبل العلاقة بينهما.

لكن إجابة مسؤول مكتب التواصل، تقي الدين عمر، تمحورت حول أن “الظروف الحالية والقادمة تحتّم على الجميع وحدة صف حقيقية مع كل العاملين، عسكريين ومدنيين على حد سواء، لمواجهة الاستحقاقات والتحديات القادمة، بمشاركة نخب وعلماء وكوادر الثورة”.

وأضاف أن من الواجب على جميع الفصائل “التضامن والاتحاد لمواجهة الغزاة”، إذ استدعى النظام روسيا وإيران وعشرات الميليشيات لقتال الشعب السوري.

وأشار تقي الدين إلى أن وحدة الصف الداخلي و”الحفاظ على مبادئ الثورة وأسسها واجب ثوري، ومن باكورة ذلك كان مشروع غرفة عمليات (الفتح المبين)، التي جمعت كبرى الفصائل العاملة (…) ولا شك أننا نسعى إلى دعم هذا التوجه وتطويره ليكون على مستوى الحدث ويوازي تطلعات أهالينا الكرام”.

أي المشروعين يحظى بالقبول؟

اعتبر الباحث عباس شريفة أنه لا توجد ميزات تجعل أيًا من المشروعين متميزًا عن غيره، فهي “مشاريع خدّج لا تزال تعاني الكثير من نقص في المأسسة والاستقرار والقدرة على الضبط الأمني، لكن من سيعمل على اتخاذ خطوات تحسّن الوضع الأمني والمعيشي للمواطنين، سيكون المشروع الأكثر قبولًا ونجاحًا”.

والعلاقة بين المشروعين ربما تأخذ ثلاثة أشكال حسب شريفة: إما الصدام والصراع على الموارد والنفوذ، وإما حالة التعاون على المصالح، وإما نشهد حالة اندماج وتوحيد المنطقة في ظل حكومة واحدة وإدارة واحدة.

 هل تتنازل “تحرير الشام” عن مزيد من أيديولوجيتها

تتحكم “هيئة تحرير الشام” عسكريًا بأجزاء واسعة من محافظة إدلب وجزء من ريف حلب الغربي، إلى جانب مشاركة “الجبهة الوطنية للتحرير” و”جيش العزة”، ضمن إطار غرفة عمليات “الفتح المبين”.

أما على الصعيد الأمني والمدني فتسيطر “تحرير الشام” على المنطقة عبر “جهاز الأمن العام” التي تنفي ارتباطها به، إضافة إلى القوة الأمنية التابعة علنًا لها المعروفة باسم “الأمنية” محليًا، ومدنيًا عبر حكومة “الإنقاذ” التي أيضًا تنفي تحكمها بها.

وكان التمدد الأبرز لـ”تحرير الشام” وسيطرتها على المنطقة بعد المعارك التي خاضتها ضد “حركة أحرار الشام” و”حركة نور الدين زنكي” و”صقور الشام” خلال العامين 2017 و2018، وتأسيسها حكومة “الإنقاذ” التي بدورها أخرجت الحكومة “المؤقتة” من مناطق نفوذ “تحرير الشام”.

وكان الاتهام الأبرز للفصائل من قبل “تحرير الشام” تعاملها مع الدول الغربية وتنفيذ بنود الاتفاقات الدولية بالتعاون مع الأتراك، إلا أن “تحرير الشام” بعد اتفاق “موسكو” طبّقت بنوده وخضعت لأوامر الأتراك، وهو ما كان أحد أبرز التحولات في أيديولوجيتها.

وبحسب عباس شريفة، تسير “تحرير الشام” حاليًا وفق عقدة الاستمرار والسيطرة، ولا يهمها إن كان المشروع الذي يضمن لها ذلك إسلاميًا أو غير إسلامي، إلا أن العقبة الأساسية أمام الفصيل تبقى تصنيفه على قوائم “الإرهاب”.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة