نقاش مجتمعي لفهم المشكلة العقارية في سوريا.. الجدوى والتوصيات

ع ع ع

تشكّل العقارات والأموال غير المنقولة ثروة وطنية في أي بلد، إلا أنه خلال العقد الأخير في سوريا نزعت القوى المتصارعة، أبرزها قوات النظام السوري، الملكية العقارية لمئات آلاف السوريين، كتكتيك عسكري وعقاب تشريعي جماعي بحق المعارضين، ما شكّل اعتداء واسع النطاق بحق هذه الملكية، فضلًا عن عدم تأمين سكن لائق للمهجرين.

استباحة المحظور أمر واقع في دولة تسمح بتجاوز الشروط القانونية، خلقت هذه التجاوزات في قضية الملكية العقارية مشكلة حقيقية في سوريا لن تخرج منها إلا بإعادة بناء منظومة دستورية، وقانونية، وإدارية، وثقافية قادرة على استيعاب هذه الانتهاكات ومعالجتها.

نتيجة لذلك الاعتداء ظهرت العديد من الأبحاث من قبل الخبراء، في محاولة للدراسة والفهم التحليلي لمعالجة الخلل في حماية هذه الملكية من عدة جوانب.

خلال يومي 24 و25 من آذار الحالي، عقدت منظمة “اليوم التالي” في مدينة اسطنبول التركية، فعاليات “المؤتمر الأول لحقوق الملكية والأراضي والسكن في سوريا”، بحضور مجموعة من الخبراء والقانونيين السوريين والدوليين.

اقرأ أيضًا: اسطنبول.. أول مؤتمر لمناقشة حقوق الملكية العقارية في سوريا

فرصة للتركيز أكثر

يقع على عاتق الباحث مهمة تطوير دائرة معلوماته ليتمكّن من رسم خططه ومساراته ضمن مشكلة معيّنة بشكل أفضل، ما يستدعي منه عدم تفويت أي فرصة تساعده في تحقيق ذلك.

عُقد هذا المؤتمر بعد مرحلتين من البحث أجرتهما “اليوم التالي”، كانت المرحلة الأولى عام 2020، وسلّطت الضوء على مشكلات الملكية العقارية، وصدرت ضمن أربع أوراق بحثية.

وقدّمت “اليوم التالي” نتائج المرحلة الثانية من مشروعها، التي ستركّز على قضايا الملكية العقارية من وجهات نظر أوسع تتعلق بالدساتير، وعودة اللاجئين، والعدالة الانتقالية، والجندر.

تعد مثل هذه الفعاليات ضمن مشكلة القضية العقارية في سوريا العمود الفقري للتواصل البحثي بين الخبراء في هذا المجال، من أجل الاطلاع على أفكار وخبرات ووجهات نظر المهتمين من خبراء ومنظمات دولية، ومجتمع مدني، ووكالات الأمم المتحدة، ومراكز الأبحاث.

اقرأ أيضًا: مقيمون في مناطق سيطرة النظام محرومون من أملاكهم في إدلب 

توصيات دستورية

يكمن الأثر في مثل هذه الفعاليات بأهمية بناء مرجعية وطنية من أجل “البحث عن آليات توثيق الممتلكات كي لا تضيع هذه الحقوق، خصوصًا أنه يوجد 17% فقط من السوريين لديهم وثائق لملكيتهم العقارية”، وفق ما قاله المحامي والباحث الفلسطيني- السوري أيمن أبو هاشم في حديث إلى عنب بلدي.

كما تُصنف مثل هذه المؤتمرات البحثية ضمن المجتمع المدني بأنها من فئة المناصرة العلنية لقضية انتهاك الملكية العقارية في سوريا، “تهدف إلى تحريك العملية السياسية باتجاه قضايا الملكية والأراضي والسكن، لأنه دون عملية حكم انتقالي ضمن العدالة الانتقالية، لا يمكن تنفيذ برامج جبر الضرر والتعويض”، بحسب ما نوّه إليه المحامي.

وخلال أعمال اللجنة الدستورية السورية الحالية، “يجب نص الدستور بشكل واضح على حماية حق الملكية في سوريا، باعتباره حقًا لا يجوز المساس به على الإطلاق”، لأنه في حال انبثق عن هذه اللجنة دستور سوري، فإن من المرجح أن يحكم سوريا لفترة طويلة، بحسب ما يراه المحامي، ويجب التمسك بوضوح بالنص الدستوري ضمنه فيما يتعلق بالملكية العقارية.

اقرأ أيضًا: ما موقع “حقوق الملكية العقارية” في أجندة العملية السياسية؟

فهم أوسع للمشكلة

أفرز النزاع في سوريا ضرورة نظرية وعملية لفهم التغيرات العميقة التي أصابت المشهد العقاري السوري، والتي بدأت أبعاده القانونية بالوضوح مع إصدار القانون رقم “10” لعام 2018.

لم يكن موضوع الملكية العقارية ذا أولوية اجتماعية قبل 2011، ولم يكن هناك وعي جمعي واسع النطاق للمحافظة على الحقوق غير المنقولة، بحسب ما قاله الباحث الاجتماعي السوري سلطان جلبي في حديث إلى عنب بلدي.

وانتشار الدراسات المتعلقة بهذه المسألة لم يكن بنفس القوة خلال بداية الثورة السورية بالمقارنة بهذا الوقت، “يعتمد المجتمع المدني كثيرًا على مثل هذه المؤتمرات لنشر الأبحاث الخاصة بالملكية العقارية، ولفت انتباه الناس، سواء العاديون أو الفاعلون، إلى وجود مشكلة حقيقية يجب معالجتها بمجهود وطني”، وفق ما أوصى به جلبي.

النقاش في مثل هذه المؤتمرات “تأسيس” لحلول مستقبلية قد يتبناها السياسيون السوريون، كما يأمل به جلبي، لأن المشكلة العقارية في سوريا يجب أن تعالجها الدول، وليس منظمات المجتمع المدني، كونها من الملفات السيادية.

ومن المحتمل إنشاء روابط من المنظمات المهتمة بالشأن العقاري في سوريا، من أجل التركيز أكثر على هذه القضية، كونها تحمل طابعًا مصيريًا لعشرات المدن والبلدات السورية، وتعزيز دور المناصرة المحلية والدولية بشأن الملكيات العقارية.

اقرأ أيضًا: أملاك السوريين ضحية التزوير داخل مؤسسات القضاء السورية

رسم محددات مستقبلية

من الآثار المهمة لهذه الفعاليات خلق محددات تُصاغ من قبل خبراء لوضعها بيد السياسيين السوريين والأطراف الدولية من أجل تنفيذها عمليًا، كونه يوجد ضعف لدى السوريين عمومًا في فهم هذه المشكلة، بحسب ما أوضحه المهندس محمد مظهر شربجي، الذي شغل سابقًا رئيس شعبة المهندسين بريف دمشق، في حديث إلى عنب بلدي.

وتكمن أهمية هذه الفعاليات بكونها تعكس دلالات على وجود مجموعة من الخبراء مهتمين بمصير البيوت والأراضي التي سُلبت من السوريين.

وأوصى شربجي بأن تعمم مثل هذه الأبحاث والنقاشات الخاصة بالملكية العقارية على مختلف المناطق السورية، عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، كي تصل إلى الفئة المستهدفة من جميع هذه الجهود.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة