السوريون في تركيا يفتقدون إلى “طقوس الجمعة”

مصلون في أحد الجوامع التركية (Haberler)

ع ع ع

عنب بلدي – زينب مصري

أوقف عبد الله مصري (21 عامًا) محاضرته الجامعية وخرج على عجل للالتحاق بصلاة الجمعة في المسجد القريب من منزله في مدينة أنطاكيا بولاية هاتاي جنوبي تركيا.

عبد الله طالب في كلية “الإلهيات” (الشريعة الإسلامية) بجامعة “أنقرة” في سنته الثالثة، وهو سوري لجأ إلى تركيا عام 2012، بسبب قصف قوات النظام السوري على مدينته بنش في ريف إدلب الشرقي.

وعلى الرغم من إلمامه “الجيد” باللغة التركية بحكم دراسته بجامعة تركية، يجد عبد الله صعوبة في فهم خطبة الجمعة التي يلقيها إمام المسجد، لكنه يحاول الاستماع إليها كونها فرضًا دينيًا، وشرطًا لإتمام الصلاة، بحسب ما تقوله بعض المذاهب الدينية.

قال الشاب لعنب بلدي، إن معظم من يعرفهم من جيرانه السوريين الذين يرتادون المسجد يجدون نفس الصعوبة عند استماعهم إلى خطبة الجمعة، لعدم إلمامهم باللغة التركية.

تُحدَّد موضوعات خطبة الجمعة في تركيا وتُعدّ بشكل ربع سنوي، اعتمادًا على المبادئ الأساسية للإسلام، والأولوية لمواضيع “العقيدة والأخلاق والحياة الاجتماعية ووحدة المجتمع وتضامنه وقضايا الحياة”، بحسب المدير العام للخدمات الدينية في رئاسة الشؤون الدينية التركية (DİB)، بنيامين البيرق.

وقال البيرق في تصريحات لصحيفة “The independent” بنسختها التركية، في 29 من كانون الثاني الماضي، إن اختيار المواضيع يجري من فريق مكوّن بالكامل من خبراء عملوا مفتين أو خطباء أو مدرّسين في مراكز التعليم لفترات طويلة، كما يؤخذ الدعم عند الضرورة من أكاديميين وعلماء أيضًا.

ويوفر موقع المديرية العامة للخدمات الدينية على الإنترنت خطبة الجمعة بعدة لغات، التركية والعربية والإنجليزية والروسية والألمانية، كما يوفر أرشيفًا لخطب الجمعة والأدعية التي تُقرأ خلالها.

مصليات غير رسمية للسوريين

بعد قدوم السوريين إلى تركيا، انتشرت في بعض المدن والبلدات التي يقيمون فيها، وخاصة المدن الحدودية مع سوريا، مصليات تقام فيها صلاة الجمعة وتُلقى الخطبة باللغة العربية.

تعتمد هذه المصليات على تبرعات السوريين، وتكون عادة صالات في أبنية سكنية، لكنها مصليات غير حكومية ولا تتبع لرئاسة الشؤون الدينية.

وتحدث عبد الله عن إغلاق الحكومة التركية أحد المصليات في أنطاكيا، كان يرتادها سوريون وأتراك ممن يعرفون اللغة العربية في المنطقة.

اعتمد سوريون هذا المصلى في أحد الأبنية السكنية بعد إكتمال بنائه، وتركوا مداخله مفتوحة للصلاة فيه، وتبرع سكان المنطقة بتجهيزه بسجاجيد ومصاحف وأي أجهزة يحتاج إليها.

إمام جامع في ولاية هاتاي التركية (طلب عدم ذكر اسمه لأنه لا يمتلك تصريحًا بالحديث إلى الإعلام) أوضح لعنب بلدي أن شرط إتاحة مسجد للعامة للعبادة هو الحصول على ترخيص من رئاسة الشؤون الدينية.

لا أحد يعارض إنشاء جامع كبناء، بحسب الإمام، لكن فتحه للعبادة يجب أن يحصل على “ميثاق افتتاح المسجد” (cami ibadete açılış beratı)، ولهذا تعد مصليات السوريين مخالفة للقانون ولا تسمح الحكومة التركية بوجودها.

دوام رسمي يعطّل السنن والعادات

يفقد يوم الجمعة سننه الدينية وطقوسه الاجتماعية في تركيا، بحسب ما أضافه عبد الله، إذ اعتاد في سوريا عندما كان طفلًا أن يتحضر مع والده قبل الصلاة، كأن يستحم ويرتدي عباءة بيضاء، بعد فطور جماعي مع العائلة.

لكن انتقاله إلى تركيا يمنعه من هذه التحضيرات، بسبب أن يوم الجمعة يوم دوام رسمي (أو يوم عمل) لا يسمح باجتماع العائلة قبل موعد الصلاة، ولا يتيح الوقت للعودة إلى المنزل من الدوام الرسمي كالعمل أو الجامعة والاستعداد أو لبس العباءة البيضاء التي “يستهجنها” الأتراك من أبناء المنطقة، أو يدل ارتداؤها على كونه أجنبيًا، ما يسبب له بعض المضايقات.

ويوما الجمعة والسبت عطلة أسبوعية رسمية في سوريا، بينما العطلة الأسبوعية الرسمية في تركيا يوما السبت والأحد.

وإلى جانب كونه يومًا مقدسًا عند المسلمين عامة، ارتبط يوم الجمعة عند السوريين بعادات اجتماعية، كلقاء الأقارب والأصدقاء بعد الصلاة، والاجتماع على موائد الطعام، وفض نزاعات المتخاصمين، بحسب ما قاله فايز عبد السلام، إمام سابق لمسجد سوري في تركيا وخريج كلية الشريعة الإسلامية.

وقال فايز لعنب بلدي، إن العادات المرافقة ليوم الجمعة كالزيارات واجتماعات الأصدقاء والأقارب، وتطبيق السنن الدينية المتعلقة بهذا اليوم، كالذهاب مبكرًا إلى المسجد، لم يعد ممكنًا في تركيا بسبب الدوام الرسمي.

عمل فايز إمام مسجد غير حكومي في ولاية شانلي أورفا جنوبي البلاد قبل انتقاله إلى اسطنبول قبل مدة، لكنه لم يستطع أن يكون إمامًا وخطيبًا في المساجد الحكومية التركية بسبب عدم إتقانه اللغة التركية، الذي يُعد شرطًا لعمل الأئمة في المساجد التركية، بحسب ما أضافه.

الإمام الذي التقت به عنب بلدي، أوضح أن إمام الجامع في تركيا يجب أن يكون موظفًا من رئاسة الشؤون الدينية ومعتمدًا من وزارة المالية لكي تمنحه راتبه.

وعن الأئمة السوريين الحاصلين على الجنسية التركية، بيّن الإمام التركي أن شهادة كلية الشريعة من جامعة أجنبية لا تكفي للتوظيف، إذ يجب على الإمام السوري أو الأجنبي أن يعادل شهادته.

كما يجب عليه أن يجتاز الامتحانات التي تحددها رئاسة الشؤون الدينية لتوظيف الأئمة والخطباء، ليتم توظيفه في أحد المساجد.

ويُشترط في خطبة الجمعة أن تكون باللغة التركية، بحسب الإمام، لكنه يُسمح بشكل شفهي (غير مكتوب بصيغة رسمية) من قبل مفتي الولاية أو اللجنة الإدارية للقضاء للإمام بإلقاء الخطبة باللغة العربية.

ويكون ذلك عند الطلب بإلقاء الخطبة باللغة العربية في حال كانت القرية أو المنطقة يتكلم سكانها بشكل عام باللغة العربية ولا يعرفون اللغة التركية الرسمية، كسكان بعض القرى على الشريط الحدودي مع سوريا، بشرط أن يكون موضوع الخطبة مطابقًا للخطبة المحددة من قبل رئاسة الشؤون الدينية.

وبعد تفشي جائحة فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) خلال الأشهر الماضية، فرضت السلطات التركية على المساجد إجراءات للحد من انتشار الجائحة، كإيقاف جميع صلوات الجماعة في المساجد، بما فيها صلاة الجمعة.

لكن السلطات سمحت لاحقًا بإقامة الصلوات مع فرض إجراءات أخرى كارتداء المصلين الكمامة، وإحضارهم سجاجيد صلاة خاصة بهم، إلى جانب التباعد الاجتماعي.

وأنشأت رئاسة الشؤون الدينية التركية ثلاثة آلاف و817 جامعًا، و465 مسجدًا، و2465 دورة تعليمية للقرآن الكريم، وثمانية مراكز تدريبية، منذ اكتمال بناء مسجد “كوجاتيبي” في أنقرة الذي بدأ بناؤه عام 1967، بسبب النمو السكاني السريع، وارتفاع معدلات الهجرة إلى المدن التركية، بحسب موقعها الرسمي.

ويقيم في تركيا نحو ثلاثة ملايين و700 ألف سوري بموجب الحماية المؤقتة، تقيم النسبة الكبرى منهم في ولايات اسطنبول وغازي عينتاب وهاتاي وشانلي أورفا وأضنة ومرسين وبورصا وإزمير وقونيا وكلّس، بحسب بيانات المديرية العامة لإدارة الهجرة التركية لعام 2021.



مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة