“عالم ليس لنا”.. نظرة أقرب إلى حياة الناس ومتاعبهم

الروائي الفلسطيني غسان كنفاني ومجموعته القصصية "عالم ليس لنا"

ع ع ع

في مجموعته القصصية “عالم ليس لنا”، يروي الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني أكثر من فكرة ترتدي ثوب أكثر من قصة لتمريرها للقارئ.

وإذا كان اسم غسان يرتبط بشدّة بالقضية، ويتقاطع منتجه الأدبي روائيًا كان أم قصصيًا مع فلسطين، فـ”عالم ليس لنا” تحكي عن عالم مختلف، لا تحضر فيه القضية مقدار حضور التعب والمعاناة والألم البشري الذي يقاسم كثيرًا من أمسيات الناس وأحلام رقادهم، ما يعطي القصص قابلية أكبر لتحريرها وإسقاطها على أي حدث مشابه، طالما أن الحياة ليست سياسة فقط.

وتنقسم المجموعة إلى 15 قصة قصيرة، تتنوع مواضيعها والقضايا التي تتناولها، إلا أن البطل الأبرز المشترك بين كل قصص المجموعة هو الفكرة، إذ يسخّر كنفاني لإيصال رسائله أحداث قصصه التي يميل بعضها للبساطة والبراءة في الطرح، من خلال إشراك الأطفال في صناعة الحدث والحوار، مع التركيز على الفكرة ومراعاة القالب الأدبي المناسب لإيصالها.

وفي القصة الأولى ضمن المجموعة، والتي حملت اسم “جدران من الحديد”، يسقط الكاتب الفكرة على الطفل حسان، وطائر الحسون، حبيس القفص الذي لا يهدأ ولا ينسجم مع سجانه، في الوقت الذي يراهن فيه الطفل على الزمن ليصادق طائره الجميل، لكن شيئًا من المرجو لم يحدث.

فبعد تغيير القفص أيضًا حافظ الطائر على عنفوانه ورفضه وفوضاه، لتنتهي القصة باحتضاره، كرسالة غير منطوقة بأن المرء لا يصادق سجّانه، حتى لو كان سجنه واسعًا ومُقامًا على شعارات جميلة الظاهر، تتنافى مع الواقع.

وتعتبر قصة “نصف العالم” واحدة من أبرز قصص المجموعة، وفيها ينعى الكاتب انقلاب المفاهيم وتغير المعاني بما لا يخدم نهضة المجتمعات ويظلم أهلها.

فالسيد عبد الرحمن، بطل القصة، وضحية حادثة تضاربت الأنباء حول كيفية وقوعها، فقد إحدى عينيه، ليؤكد الطبيب بعد هذا الفقد أن تغيرًا محتملًا في عالم الأفكار قد يحدث لدى المريض الذي صار يرى نصف الأشياء، ولا يحيط بأي مشهد كاملًا.

كُتبت قصص المجموعة بين عامي 1959 و1965، وفي تلك الفترة تنقّل كنفاني بين أكثر من بلد للإقامة والعمل، وهذا ما جعل القصص المحكية عن بيئة التنقل تحمل الصبغة الواقعية والقريبة من حاجات الناس ومتاعبهم، وفيها تركيز واضح على مشاعر الإنسان في ظروف عمل واغتراب قاسية، خاصة المشاعر التي يحتفظ بها المرء لنفسه، ويتركها حبيسة الصدر، دون بوح.

وفي قصة “عشرة أمتار فقط”، يقول الكاتب “لقد قبلنا بنوع من الاختيار البطل أن ننفي أنفسنا مقابل أن نرسل لعائلاتنا ما يقيم أودها، وحينما التقينا هناك حاولنا جعل الحياة محتملة بشكل من الأشكال”.

ولد غسان كنفاني عام 1936، واغتاله “الموساد” الإسرائيلي عام 1972، بسبب التأثير القوي لقلمه والأفكار التي فردها بكثافة على صفحات قصصه ورواياته، حتى التي لم تكتمل منها.

ومن أبرز رواياته “عائد إلى حيفا” و”رجال في الشمس” و”ما تبقى لكم”، بالإضافة إلى ثلاث روايات انقطع خيطها الأدبي برحيل كنفاني، هي “برقوق نيسان” و”العاشق” و”الأطرش والأعمى”.



مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة