منع دخول المنتجات الزراعية إلى إدلب.. قرارات ارتجالية لضبط المنافسة

انتشار عناصر الأمن العام في إدلب (جاهز الأمن العام)

ع ع ع

عنب بلدي – علي درويش

“منروح على دير بلوط ومنجيب فليفلة، بس عم ننطر وما عم يمرقولنا ياها”، كلمات وصف بها أحد سكان مناطق سيطرة المعارضة شمال غربي سوريا حاله بعد انتظاره لساعات دون السماح له بالدخول إلى مناطق نفوذ حكومة “الإنقاذ”، بسبب شرائه فليفلة من ريف حلب الخاضع لسيطرة الحكومة “السورية المؤقتة”.

على ضفة نهر “العاصي”، يجلس المدني ويصف حاله لأصدقائه بضحكة تهكمية بحسب تسجيل مصوّر اطلعت عليه عنب بلدي، محاولًا الحفاظ على الفليفلة من التلف بتفريغها من أكياس النايلون وتقطيعها إلى أجزاء، نتيجة الحرارة العالية والانتظار الطويل.

ويتزامن قرار منع الفليفلة مع موسم المؤونة الذي يعد ركنًا أساسيًا في تأمين الأسر السورية بعض مستلزماتها الغذائية على مدار السنة، لكن المنع لا يتعلق بالفليفلة، إذ مُنع قبل فترة إدخال الملوخية من ريف حلب.

ويعاني مواطنون التقت بهم عنب بلدي من مشكلات في نقل الخضراوات بين المنطقتين، إذ قال محمد (اسم مستعار) لعنب بلدي، إن حواجز “تحرير الشام” سمحت له بإدخال كمية محدودة من الفليفلة من ريف حلب إلى إدلب بعد انتظار، موضحًا أنهم لم يمنعوه منعًا كاملًا، لكنه عانى بسبب إيقافه جانبًا لفترة طويلة، وسياسة التجاهل من الحاجز لفترة، ثم السماح له بإدخال كيسين أو ثلاثة فقط (أقل من 100 كيلو غرام).

ومُنع إبراهيم (اسم مستعار) من إدخال الفليفلة على حاجز “دير بلوط”، ونقل لعنب بلدي رد عناصر الحاجز على سبب المنع بقولهم، “منضرب الاقتصاد الوطني”.

وكان حاجز “تحرير الشام” يمنع دخول السيارات التجارية المحملة بالفليفلة، في حين يسمح بدخول المدنيين الذين يحملون مؤونتهم المنزلية بعد عناء. لكن في وقت لاحق سمح حتى لأصحاب السيارات بإدخال الفليفلة مع وضع رسم عشرة دولارات على كل طن، وهو ما يزيد الأسعار على المستهلكين.

وتنقسم مناطق سيطرة المعارضة عسكريًا وخدميًا منذ العام 2017 إلى نفوذين مختلفين هما الحكومة “السورية المؤقتة” في ريف حلب، وحكومة “الإنقاذ” في إدلب وجزء من ريف حلب الغربي.

وتعتبر “هيئة تحرير الشام” الذراع العسكرية لـ”الإنقاذ”، وتُتهم “الهيئة” بتحكمها بمفاصل إدلب، أما “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا فهو الذراع العسكرية للحكومة “المؤقتة”.

ويربط بين المنطقتين معبران داخليان هما “الغزاوية” الذي يصل مدينة دارة عزة بمنطقة عفرين بريف حلب الغربي، و”دير بلوط” الذي يصل إدلب بريفي حلب الشمالي والغربي.

هل للمنع فوائد

أوضح الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور يحيى السيد عمر، أنه في بعض الحالات، وخاصة في حالة الحركات المستقلة غير المنضوية تحت عباءة الدولة، “تكون القرارات ارتجالية وغير خاضعة لدراسات معمقة من قبل اختصاصيين، لذلك فقد يراد لأي قرار أن يكون إيجابيًا، ولكن في الحقيقة لا يترك إلا الآثار السلبية”.

ويشمل هذا، بحسب حديث الباحث يحيى السيد عمر إلى عنب بلدي، القرار المتعلق بمنع دخول المنتجات الزراعية إلى إدلب، إذ يقلل من الفوائد الاقتصادية للقرار حتى على حكومة “الإنقاذ” وعلى “تحرير الشام”.

ولكن إذا كان يراد من القرار الإيحاء للجمهور العام المحلي والإقليمي بأن للحركة أو الجهة (تحرير الشام/ الإنقاذ) أنشطة اقتصادية، وأنها تسعى لتطبيق الحماية للمنتجين المحليين “هنا يندرج الأمر في خانة الدعاية والترويج ليس أكثر”، بحسب السيد عمر.

ومن جهة أخرى، فإن قرار المنع لا يمكن تطبيقه 100%، فنقل المنتجات سيستمر ولكن بوتيرة أقل وبقيود قاسية، خاصة أن حواجز “تحرير الشام” ستتمكن من فرض إتاوات عالية على المنتجات الواردة كونها ممنوعة، وهذا قد يشكّل إيرادًا لها وإن كان منخفضًا.

ونوه السيد عمر إلى أن العوائد التي ستجنيها “تحرير الشام” من هذا القرار تعتبر زهيدة للغاية، إلا أن الأثر الاقتصادي للقرار على مستوى المستهلكين سيكون قاسيًا، وهذا ما يؤكد أن القرارات “ارتجالية ولا تستند إلى فكر اقتصادي حقيقي”، بل هي قرارات تصدر بهدف التذكير بأن “تحرير الشام” هي الحاكم الفعلي، وهذه القرارات دعائية أكثر منها اقتصادية.

تبريرات “الإنقاذ”

وزير الزراعة والري في حكومة “الإنقاذ”، الدكتور محمد طه الأحمد، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن المنتجات الزراعية المحلية تتعرض لمنافسة شديدة من البضائع المستوردة وخاصة في الأسعار.

وتؤدي المنافسة إلى “انخفاض أسعار المنتجات الزراعية دون حدود تكاليفها”، وبالتالي خسارة المزارع، إذ “تمتاز البضائع المستوردة بقلة التكاليف، وانخفاض الجودة، وتتلقى دعم المواد المصدرة، ما يجعل طرحها في الأسواق المحلية بأسعار أخفض من المنتج المحلي”.

وضُبط الأمر، بحسب الأحمد، في معبر “باب الهوى” الحدودي الذي يربط الشمال السوري بالأراضي التركية، بمنع دخول المنتجات الزراعية المشابهة على عكس بقية المعابر في شمال حلب، ما يؤدي إلى انخفاض أسعارها، وهو ما دفع “الإنقاذ” إلى “تنظيم دخول المنتجات الزراعية المشابهة من ريف حلب الشمالي باتجاه إدلب”.

الباحث يحيى السيد عمر يرى أن مبررات هذا القرار منخفضة للغاية، فالإنتاج الزراعي في إدلب وحلب لا يرقى لأن يكون في مستوى كمي يسمح له بإغراق السوق، وبالتالي خسارة المنتجين من خلال انخفاض الأسعار.

إذ يتناسب الإنتاج مع الاستهلاك و”لا خطر من إغراق الأسواق”، وحجة حماية المنتجين المحليين في إدلب من خلال هذا القرار “تعتبر غير مقنعة أبدًا، لذلك يمكن القول إنه لا أثر إيجابيًا حقيقيًا لهذا القرار”.

والقرار فيما يتعلق بالمستهلكين سلبي عليهم، حسب السيد عمر، خاصة أنه أتى في وقت ذروة الإنتاج الزراعي، إذ تكون الأسعار متناسبة مع دخل الفرد، مشيرًا إلى أن أغلبية الأسر السورية تعتمد على الإنتاج الزراعي الصيفي لتخزين المؤونة كون الأسعار تكون مقبولة في ظل وفرة الإنتاج.

لكن قرار المنع من شأنه رفع الأسعار، وبالتالي عدم قدرة العديد من الأسر على تخزين مؤونة للشتاء، وهذا ما قد يفاقم الأوضاع المعيشية لاحقًا في الأشهر المقبلة.

وتصدر إدارة معبر “باب الهوى” قرارات بين فترة وأخرى تمنع دخول منتجات زراعية محددة خلال موسم قطافها في سوريا، بهدف “دعم الإنتاج الزراعي في الداخل السوري”، وتشجيع المزارعين على الاستمرار في الإنتاج الزراعي، وتوفير المنتجات الزراعية في الأسواق المحلية.

وكانت “الإدارة” حددت، في أيار الماضي، منع استيراد البصل اليابس والثوم والبطاطا، من بداية حزيران حتى 31 من تموز الماضيين، والكوسا والخيار والجبس والبندورة من 1 من حزيران الماضي حتى 31 من آب الحالي.

وفي شباط الماضي، أدت غزارة الأمطار التي شهدتها مناطق شمالي سوريا خلال الثلث الأخير من كانون الثاني الماضي، إلى غرق مخيمات وتضررها، وغمر الأراضي الزراعية أيضًا، نتيجة تشكل السيول، ما أحدث أضرارًا في بعض الأراضي، وهدد إنتاج المحاصيل فيها، وتعرضها لأمراض.

وتقدر مساحة الأراضي الزراعية في مناطق سيطرة المعارضة شمال غربي سوريا بنحو 1500 كيلومتر مربع، بحسب إحصائية لمركز “نورس للدراسات” في شمال غربي سوريا، أفاد بها عنب بلدي.

لكن جزءًا من هذه المساحة غير مزروع لأسباب من أبرزها قرب بعض الأراضي الزراعية من خطوط التماس، خاصة في جبل الزاوية جنوبي إدلب وسهل الغاب، إذ قُتل مدنيون وأُصيب آخرون خلال محاولتهم زراعة أراضيهم أو تجهيزها للزراعة.

كما أُنشئت مخيمات عشوائية في عدد من الأراضي الزراعية، وبالتالي لم تُزرع، وهي المخيمات الأكثر تضررًا خلال العاصفة المطرية.

وبحسب تقييم لمبادرة “REACH”، في آذار الماضي، للأسواق في شمال غربي سوريا، فإن كميات ونوعية المنتجات المتوفرة في الأسواق المحلية غالبًا تكون دون المستوى المقبول للسكان، الذين يضطرون للانتقال بحثًا عن مناطق أخرى لشراء حاجاتهم، في حين يترافق ضعف القدرة الشرائية للسكان مع ارتفاع أسعار المنتجات المباعة.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة