“زعامات تيك توك” السوريون.. محتوى رائج لـ”تحقيق الرضا عن الذات”

ع ع ع

عنب بلدي – خالد الجرعتلي

يستعرض “بحبوح أبو جارح”، عبر حسابه في “تيك توك”، مواقف ومشاهد لنشاطاته في مدينة أضنة التركية، التي تبدأ بتقديمه المساعدة المالية في الطرقات أو منافسته مع “شلته” بسيارات “السوزوكي”، ولا تنتهي بتقديم النصائح للسوريين حول العالم.

يحاول “أبو جارح” رسم صورة حول نفسه مفادها أنه “الزعيم” و”الوصي” على سلوكيات الناس، ويحاول تصويبهم وإعادتهم إلى جادة الصواب، أو دعمهم في المصائب والضائقة المادية التي تواجههم، كما فعل ببيع ربطات الخبز بسعر مخفض مع ارتفاع سعر الربطة في تركيا.

لفظة “الزعيم” ليست اختراع “أبو جارح” بل هي مصطلح صار منتشرًا بكثرة في مجتمع “تيك توك”، إذ صارت تُعرف مجموعات بأنها مثلًا “زعامات مرسين” أو “زعامات اسطنبول”، وغيرها.

ويتفاوت المحتوى الذي يقدمه هؤلاء، لكنه يركز بكثرة على تفوقهم في قيادة مجتمعاتهم، وأنهم يصلون إلى مرتبة “زعماء مافيا”، أو شخصيات مهمة”، في الوقت الذي تكثر فيه القصص المختلَقة وغير الواقعية، التي يحاول منشئو المحتوى جعلها أكثر “درامية” من خلال تأثيرات صوتية يضيفونها في خلفية الفيديو.

“المراجل” أسلوب لكسب المال

سعيد (22 عامًا)، وهو أحد مستخدمي التطبيق ومنشئي المحتوى فيه، قال لعنب بلدي، إن شخصيات “زعامات تيك توك” تمارس أمام الكاميرا ما تمارسه في حياتها اليومية، في إشارة منه إلى أن هذه الشخصيات حقيقية حتى دون وجود كاميرا ترافقها، مشيرًا إلى العديد من منشئي هذا النوع من المحتوى ممن يعرفهم بشكل شخصي.

لكن معظم هذه الشخصيات تحولت فيما بعد إلى وسيلة لكسب المال، إذ يعمل منشئو هذا النوع من المحتوى على تسجيل الفيديوهات في مطاعم ومقاهٍ، ويتقاضون المال على هذه الفيديوهات.

ويقوم هذا النوع من المحتوى على ما يوصف بـ”المراجل”، ولهجة التهديد التي تُظهر صاحبها على أنه صاحب سلطة أو سطوة، وفي الكثير من الأحيان، يعمد منشئو المحتوى هؤلاء إلى نشر فيديوهات مرفقة بمؤثرات صوتية وأغانٍ تمتدح أصحابها.

وتظهر قضية المكسب المادي في المحتوى نفسه الذي يقدمه من يوصفون بـ”الزعماء”، إذ يتهم أحد الأشخاص الذين يظهرون بشكل متكرر في محتوى “أبو جارح”، وهو بائع “كبة” على “بسطة” في أضنة، بأن “الزعيم” اشترى سيارته “السوزوكي” من مكاسبه بعد الفيديوهات التي صوّرها معه.

ورغم أن هذا الدخل المادي ليس كبيرًا، يبقى مصدر دخل بالنسبة لمنشئي المحتوى، إلى جانب الدخل المادي الذي يحققه المنشئون من المنصة ذاتها مقابل هذه الفيديوهات.

وتصل أرباح بعض مستخدمي منصة “تيك توك” إلى آلاف الدولارات شهريًا وأحيانًا إلى مئات الآلاف، مثل “نجمة تيك توك” الأمريكية لورين جراي.

وتصل أرباح لورين، التي يبلغ عدد متابعيها على “تيك توك” 35 مليون شخص، إلى 175 ألف دولار لكل مقطع فيديو مدفوع مدته 60 ثانية تنشره، وهذا المبلغ يقترب من ضعف متوسط الرواتب السنوي في الولايات المتحدة، المقدر بـ74 ألفًا و700 دولار.

ممارسات تعكس حالة “الذات”

يشكّل المراهقون القسم الأكبر من منشئي هذا النوع من المحتوى، وتشيع في منصة “تيك توك” قصص خيالية، ينشرها أشخاص على أنها قصص من تجاربهم الشخصية، ومنهم من يحاول اتباع أسلوب التهديد والوعيد تجاه مجموعة من الناس، وفي أغلب الأحيان تكون هذه التهديدات موجهة بشكل عام لدرجة أنها لا تصيب أحدًا، أو لمجموعة ابتدعها منشئ المحتوى، على سبيل المثال تهديدات من قبل أحد منشئي المحتوى السوريين المقيمين في مرسين التركية، لمن يسميهم بـ”زعامات أضنة”.

ومع الأخذ بعين الأعتبار الأرباح التي يحققها منشئو المحتوى في المنصة من خلال المشاهدات التي تحصدها فيديوهاتهم، بغض النظر عن محتوى الفيديو أو مدى مصداقيته، لا يمكن أن نتنبأ فيما إذا كان أصحاب هذه الفيديوهات هم ممن يبحثون عن الربح المادي أو أنهم يبحثون فقط عن إظهار شخصياتهم على أنها شخصيات مهمة.

يعتقد الطبيب النفسي خالد البرادعي، في كتابه “صفات وخصائص المراهقة”، أن المراهقة هي مرحلة من مراحل النمو الإنساني ينتقل فيها الفرد من عالم الطفولة إلى عالم الشباب، إذ تحدث خلال هذه المرحلة تغيرات عضوية ونفسية وعقلية وانفعالية واضحة، تقلب الطفل الصغير إلى عضو في مجتمع “الراشدين”.

ومن التغيّرات التي تطرأ على المراهق “التمرد”، أي المشاكسة لإثبات الذات، واصفًا التغير بأنه “ثورة على بعض نواحي المجتمع”، كالتمرد في المدرسة أو في الأسرة أيضًا، والتوجه إلى الاقتران (الاقتداء) بشخصيات لإثبات الذات.

ومن هنا نرى محاولة بعض المراهقين إظهار شخصياتهم على بعض مواقع التواصل الاجتماعي على أنها تشبه شخصيات خيالية أو زعماء مافيا أو ممثلين، حتى ولو اضطروا لاختلاق بعض القصص والمواقف في الكثير من الأحيان.

محتوى أدى إلى تدخل الشرطة التركية

بعد الهجمات العنصرية التي تعرضت لها منازل سوريين في العاصمة السورية أنقرة، على خلفية مقتل شاب تركي على يد آخر سوري، في 12 من آب الحالي، خرج شاب سوري مهددًا الأتراك بمقطع مصوّر عبر تطبيق “تيك توك”، ما أدى إلى تدخل السلطات التركية لتلقي القبض على الشاب.

وفي 15 من آب الحالي، اعتقلت الشرطة التركية الشاب السوري من منزله في غازي عينتاب جنوبي البلاد، معتبرة أن الفيديو الذي نشره الشاب “يهين الأتراك”.

وظهر خلال المقطع الشاب مخاطبًا الأتراك، “أنا سوري ولا أعرف اللغة التركية ولكنني أفهمكم، تعالوا إلى غازي عينتاب وافعلوا ذلك هنا، سأشبعكم ضربًا، أنا سوري وأحيي كل سوري”.

هذا السلوك من المستخدم قد يكون تطورًا طبيعيًا لاختلاق الأحداث والقصص غير الواقعية التي يقدمها منشئ المحتوى عن نفسه، إذ يروي أحد مراهقي “تيك توك” قصة غير واقعية عندما كان في طفولته يلعب بـ”الدحل” بالقرب من باب منزله بريف حلب، وتفاجأ بغارة طائرة حربية، وخلال اللحظات القليلة التي حظي بها ليفكر بخطوته المقبلة، قرر ألا يتحرك من مكانه لينفجر صاروخ الطائرة بعيدًا عنه بحوالي ثلاثة أمتار، وبعد أن انقشع غبار القذيفة لاحظ الصبيّ أنه أُصيب بقدميه الاثنتين، ما دفعه للوقوف على يديه والجري باتجاه المستشفى ليخضع هناك للعلاج.

وأكمل المراهق، الذي يعتبر نفسه جزءًا من “زعامات مرسين”، أن أطباء المستشفى أخبروه بأن مكانه الطبيعي هو خارج البلاد، ما دفعه للقدوم إلى تركيا للبحث عن فرصة جديدة.

يروي المراهق هذه القصة وهو جالس على قدميه السليمتين تمامًا.

ماذا يدور في خاطر “الزعيم”؟

تعتقد الاختصاصية النفسية لمى رمضان، في حديث إلى عنب بلدي، أن هذا النوع من المحتوى يرجع عند مختلف أعمار المستخدمين إلى وجود نقص أو إحساس غير مرضٍ يعيشه الفرد على أحد المستويات أو الجوانب المختلفة في حياتهم سواء من الناحية الشخصية، أو العاطفية، أو الاجتماعية.

وكمحاولة لـ”تحقيق الرضا عن الذات” يلجأ الأفراد إلى أساليب وطرق عدة لتساعدهم في خفض التوتر وتحقيق التوافق مع الذات، كنوع من التعويض عن أوجه القصور التي يشعرون بها تجاه ذواتهم أو حياتهم للوصول إلى الصورة المتخيَّلة، والتي يرغب أن يكوّنها الفرد عن واقعه.

وأضافت الاختصاصية النفسية أن لكل فرد ذاتًا حالية بكل إمكانياتها وقدراتها وتحقيقاتها على أرض الواقع، بالإضافة إلى ذات متخيَّلة يطمح ويسعى للوصول إليها، وللأسف فإن المنصات الاجتماعية تساعدهم في الوصول إلى الذات المتخيَّلة بطرق أكثر سهولة وأقل جهدًا.

ويمكن أن يتخذ الإنسان صورًا منحرفة عن ذاته، كاصطناع أنواع من السلوك السخيف أو اختلاق قصص كاذبة ومزيّفة لجذب انتباه الآخرين، في سبيل “التعويض الزائد” عن هذا النوع من النقص في الذات.

وعند تكرار اللجوء إلى هذه الآلية التعويضية، تصبح عادة سلوكية لدى الفرد، فإن زاد اللجوء إليها تصبح حيلة دفاعية مرضيّة، ويلجأ الفرد لاستخدامها لتجنب الألم مهما صغر، وبالتالي تصبح آليات مرضيّة تعوق التوافق السويّ بعد أن كانت تهدف لخفض التوتر والتوافق، وقد تحدث بغير إدراك لحقيقة الهدف المراد الوصول إليه.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة