“ليالي الحلمية”.. عمل درامي يليق بتاريخ مصر

ع ع ع

على مدى خمسة أجزاء، تابع الملايين من المواطنين العرب صراع سليم البدري وسليمان غانم، ضمن أحداث مسلسل “ليالي الحلمية”، الذي رصد التغيرات الاجتماعية والسياسية في مصر، منذ عهد الملك فاروق الأول بين عامي 1936 و1952، وصولًا إلى وصول حركة “الضباط الأحرار” إلى سدة الحكم في مصر، وعهد الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر، ثم أنور السادات، ومن بعده الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك.

رصد مؤلف العمل، الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة، التغيرات الاجتماعية في مصر عبر ما يقارب الـ60 عامًا، تغيرات ترتبط بشكل مباشر بالأوضاع السياسية في البلاد، منذ الاحتلال الإنجليزي لمصر وحتى التسعينيات، انطلاقًا من صراع عائلتي سليم البدري (يحيى الفخراني) وسليمان غانم (صلاح السعدني)، إذ يحاول الأخير أخذ الثأر لوالده الذي مات بعدما سلب والد سليم البدري أرضه.

تمشي خطوط العمل بين المجتمع والسياسة والتأثير المتبادل بينهما، ما يجعل المسلسل بأجزائه الخمسة توثيقًا للمجتمع المصري خلال نصف قرن لم يكن سهلًا على المصريين بطبيعة الحال، سواء فيما يخص الاحتلال الإنجليزي ثم حرب 1948 ضد الاحتلال الإسرائيلي، والعدوان الثلاثي في عام 1956، وصولًا إلى نكسة 1967 ثم حرب 1973.

يُعرف عن الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة إعجابه الشديد بالرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر، وعبّر عن هذا الأمر عبر انتظار البطل المخلّص، الذي حجز مكانه على جدران قهوة “زينهم السماحي” بإطار فارغ بانتظار وصوله، لكن هذا الإعجاب لم يمنعه من انتقاد فترة حكمه بقسوة شديدة، وخاصة أن العائلات المتنفذة في المجتمع المصري بالعهد الملكي، استُبدلت بها عائلات جديدة لها صلاتها بالأمن والاقتصاد والسياسة، ويتجلى الانتقاد في شخصية علي البدري (لعب الدور الممثل الراحل ممدوح عبد العليم) ابن الباشا سليم البدري، المؤمن ببلاده وبجمال عبد الناصر، والذي يُصدم بهزيمة 1967 واعتقاله مرات عدة لأسباب سياسية، وهي شخصية تمثل شريحة واسعة من شباب تلك الفترة.

مع تتالي أجزاء العمل الذي عُرض بين عامي 1987 و1995، ومع وصول الرئيس الراحل، محمد أنور السادات، إلى الحكم، وبداية ما سُمي بـ”عصر الانفتاح”، عادت العائلات المتنفذة للظهور مجددًا في الحياة السياسية والاقتصادية لمصر، بالإضافة إلى العائلات التي ظهرت بعد حركة “الضباط الأحرار” في عام 1952، وبالتالي يظهر صراع جديد ظاهريًا، لكنه في الأساس الصراع نفسه سواء في عهد الملكية أو عهد الجمهورية المصرية برؤسائها المختلفين.

لذا فإن النقد الموجه لمرحلة السادات وشخصياتها، وطريقة سرد الأحداث فيها أكثر قسوة، وتأثيرها على الشخصيات أكثر صعوبة ومرارة، فتغير السياسة المصرية الخارجية والسياسة الاقتصادية ضربت كل شعارات مرحلة عبد الناصر، وعلى رأسها توقيع معاهدة السلام بين الاحتلال الإسرائيلي ومصر في عام 1978، وصعود الإسلام السياسي، وانتشار الحركات التكفيرية لاحقًا كنتيجة لسياسات أنور السادات الداخلية (يُتهم السادات بإطلاق يد الإسلاميين لمواجهة أتباع عبد الناصر لتثبيت حكمه).

نجح أسامة أنور عكاشة (1941- 2010) في التعبير عن مرحلة كاملة من تاريخ مصر، ونجح المخرج الراحل إسماعيل عبد الحافظ برواية القصة بشكل أكمل إبداع مؤلف العمل نفسه، وبالتالي يعد “ليالي الحلمية” أحد أفضل وأهم الأعمال الدرامية المصرية التي لا تزال تُعرض حتى اليوم على الشاشات العربية، وإن خفف عكاشة نقده للمرحلة التالية (مرحلة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك) دون أن يغفل رصد التغيرات الاجتماعية في البلاد بالمرحلة الجديدة.

وأهم ما يُحسب لعكاشة وحافظ عليه في هذا العمل هو تطور الشخصيات على الصعيد الدرامي، إذ إن التحدي الأساسي هو كيفية رسم مصير الشخصيات على مدار 150 حلقة، شخصيات مختلفة بين الحالمة والواقعية والمتنفذة والمتسلقة والانتهازية، دون مبالغة لا في الأحداث ولا في مصاير الشخصيات، وكذلك في أداء الممثلين.

ورغم ما سبق، لا يعد المسلسل سياسيًا فقط، إذ إن قصة الحب بين علي البدري وزهرة سليمان غانم (لعبت دورها كل من آثار الحكيم ثم إلهام شاهين)، تابعها المشاهدون بشغف، خاصة أنها تأتي في قلب الصراع بين العائلتين من جهة، وفي قلب التغيرات التي تعصف بالبلاد من جهة أخرى.

العمل من بطولة يحيى الفخراني وصلاح السعدني وصفية العمري وممدوح عبد العليم وهشام سليم وإنعام سالوسة، وتتيح منصة “يوتيوب” المسلسل كاملًا، بما فيه الجزء السادس الذي أُنتج في عام 2016 وسط انتقادات شديدة، إذ يرى الكثير من المنتقدين أن الجزء الأخير الذي نُفذ بعد وفاة أصحاب العمل الأصليين لا يمت بصلة للأجزاء الخمسة الأولى، بحسب آرائهم.



مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة