تعا تفرج

بين الدبوس والديوس والشبيح

ع ع ع

خطيب بدلة

يمكن أن يُنتج السجع، في بعض الحالات، إبداعًا رشيقًا، محببًا، مثل المقامات التي كتبها بعض مبدعينا القدامى، كالحريري، والهمذاني، ومن بعدهما عبد السلام العجيلي، وحسيب كيالي، وآخرون. ولكن هذا الفن أصبح الآن مهجورًا، لأن الشغل فيه يحتاج إلى مهارة عالية، إضافة إلى أن التزام الكاتب السجعَ، وسعيه للحفاظ على إيقاع رشيق، يجعله يتعب، وتنحو بعضُ فقراته نحو الغلظة والركاكة.

كان العلامةُ الكبير خير الدين الأسدي متشددًا بخصوص السجع في الأمثال الشعبية، فلا يجوز عنده اعتبار الجملة التي تعتمد الصاد والضاد مسجوعة، وكذلك السين والزاي، والسين والثاء، فإذا أتى أحدهم على ذكر المثل الشعبي “حبسوه مع إبليس، طلع إبليس يستغيث”، أو “كأنك يا أبو زيد ما غزيت” يعلّق الأسدي بقوله: تظن أنك سجعتَ، ولكنك لم تفعل.

بيد أن لهذه القاعدة استثناء لا يحققه سوى المبدعين الكبار، أمثال بيرم التونسي الذي عاش في مصر، وأحبها، ولكنه نُفي منها، وحرم من جنسيتها، وعندما زار لندن وباريز لاحظ وجود تباين حضاري كبير بينهما وبين مصر والبلاد العربية، فكتب هزليته الرائعة التي لحنها الشيخ زكريا أحمد (الذي يصنفه الموسيقار نصير شمه في خانة الذهب عيار 24)، وهي تعتمد قافيتي الزاي والظاء، إذ يقول: هتجنّ يا ريت يا إخوانَّا ما رحتش لندن ولّا “باريز”- دي بلاد تمدين ونظافة وذوق ولطافة وحاجة “تغيظ”.

على الضفة الأخرى، يطرح السجع ثمارًا سيئة، ويعطينا مؤشرًا على أن بلادنا كانت، ولا تزال، محكومة بحكام فرديين، دكتاتوريين، يتمتعون بمطلق الصلاحيات في التعيين والعزل والقتل والسجن وتدمير البلاد. مثال ذلك ما جاء في بعض كتب الأدب عن حاكم يدعى “الصاحب بن عباد”، أملى على كاتبه رسالة بدأها بعبارة: أيها الوالي بقُمْ. وفجأة عَنَّ على باله السجع فأكملها: قد عزلناكَ فقُمْ. ونحن لا ندري مدى صحة مثل هذه الأخبار، ولكن بعضها يبدو مضحكًا جدًا، مثل حكاية الرجل الذي عيّنوه، أيام العثمانيين، حاكمًا على بلدة صغيرة، وذات يوم أرسل إلى العاصمة كتابًا لأجل أن يزودوه بمواد لأعمال الديوان الكتابية (أي: قرطاسية) ومن جملة البنود التي طلبها 100 دَبُّوس (لأجل ربط ورقتين ببعضهما)، ويبدو أنه وضع نقطتين تحت حرف الباء، فتحولت كلمة دبوس إلى “دَيُّوس”، فأرسلوا له، مع عودة البريد، مئة رجل ممن تنطبق عليهم صفة “ديوس”.

وعلى ذكر الدبابيس والدياييس، تناقل مؤيدو النظام “المنحبكجية”، في بداية الثورة، رسائل هاتفية (SMS)، تتضمن العبارة المسجوعة القائلة: مطرح ما الأسد يدوس، نحن نركع ونبوس. وليت المرسل الأول اكتفى بإرسالها، بل اشترط على كل مَن يتلقاها أن يرسلها إلى عشرة أشخاص، وقد حدثني أحدهم، كان صديقي قبل الثورة، أنه تلقى الرسالة، وأرسلها إلى تسعة أشخاص، واحتار في العاشر، ولم يجد في ذاكرته سوى أبيه الذي كان يعيش في دمشق، فأرسلها إليه. لم يعلّق الأب على رسالة ابنه (الشبيح)، ولكنه حضر إلى إدلب فجأة، دون أن يُعلم أحدًا بقدومه، وعندما التقى بابنه بصق في وجهه، وعاد إلى دمشق.



مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة