هجرة غير مسبوقة لصناعيين وحرفيين سوريين.. وخبراء لعنب بلدي:

حملة عرش الاقتصاد القدماء لا تريدهم إيران.. وانفجار أمني قادم

عامل في شركة "العائلة" لصناعة أدوات النظافة في حلب (الجماهير)

ع ع ع

عنب بلدي – زينب مصري

يعترف مسؤولو النظام السوري بهجرة أعداد يصفونها بـ”الخيالية” للصناعيين والحرفيين من مناطق سيطرة النظام، بسبب سوء الواقع الاقتصادي، وترك المشكلات المالية والخدمية التي يعاني منها القطاع دون حلول.

ويؤكد هذه الأعداد الازدحام في فروع الهجرة والجوازات، للحصول على جواز سفر، وازدياد طلبات استصدار شهادات حرفية لغاية السفر، يُقدمها حرفيون في سوريا للاستفادة منها في الخارج.

لا يستطيع المنتجون من صناعيين وحرفيين في مناطق النظام السوري توفير الطاقة لتشغيل مصانعهم وورشاتهم، على الرغم من محاولات الحكومة توفير قروض وحوافز للاعتماد على الطاقة البديلة.

ولم تستطع الحكومة تأمين حاجتهم من الوقود، وعمدت إلى رفع أسعار الفيول الذي يدخل في تكاليف إنتاج العديد من القطاعات الصناعية، في إطار سياستها لرفع الدعم عن المواد الأساسية ومنها المحروقات.

ولا يمتلك المواطن السوري الدخل المناسب للشراء وتصريف المنتجات، فقوّته الشرائية منخفضة، بسبب التضخم وتدني قيمة الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية، وعدم ملاءمة الرواتب والأجور للمصاريف والغلاء.

وعلى الرغم من عجزها عن توفير البيئة المناسبة لعمل القطاع الصناعي في سوريا، تمارس حكومة النظام ضغطًا على الصناعيين عبر الجمارك ووزارة المالية والتأمينات الاجتماعية.

وكان رئيس “الاتحاد العام للحرفيين”، ناجي الحضوة، أكد في حديث إلى صحيفة “الوطن” المحلية في 20 من أيلول الحالي، ازدياد هجرة الحرفيين من سوريا، لافتًا إلى أن أهم أسبابها ارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار المواد الأولية للعديد من المهن، بالإضافة إلى زيادة فترات تقنين الكهرباء.

وأوضح الحضوة أن الحرفيين يتعرضون لخسارات مادية، فمع كل تلك التكاليف تصبح قيمة المنتج النهائي مرتفعة، ولا تتناسب مع قدرة المواطنين الشرائية، ما يضطر الحرفي للهجرة والعمل خارج البلاد.

سبقت تصريحات الحضوة تصريحات لرئيس قطاع النسيج في غرفة صناعة دمشق وريفها، مهند دعدوش، نقلتها إذاعة “شام إف إم” المحلية، في 7 من آب الماضي، تتحدث عن هجرة صناعيين “لا يمكن تعويضهم” إلى مصر.

وأرجع دعدوش أسباب هجرتهم إلى الصعوبات التي يعانون منها، والمتمثلة في عدم القدرة على توفير الطاقة، وبعض الترتيبات المتعلقة بالتصدير، نافيًا أن تكون حكومة النظام اتخذت قرارات تضر بهم.

وتحدث المسؤول عن الصعوبات المتعلقة بتصريف المنتجات السورية، إذ لم تقتنع العديد من الدول باستيرادها، بسبب عدم الارتياح لزيارة سوريا ومعاينة البضائع، إلى جانب الصعوبة في حصول الزبون الأجنبي على “فيزا” بسبب الإجراءات التي وصفها بـ”غير الواضحة”.

النظام يخوض معركة الخدمات

ضربت سنوات الحرب التي مرت فيها سوريا المشاريع الكبيرة، فلم تعد هناك مجمعات صناعية كبيرة أو مشاريع صناعية تعمل بعشرات أو مئات ملايين الدولارات.

ومرت سوريا بحالة هروب جماعية للصناعيين في عام 2012، وتركزت هذه الحالة بشكل أساسي في عامي 2013 و2014، وانتقلت حينها المعامل إلى مصر وتركيا وبعض دول الخليج.

والمشاريع التي بقيت تعمل ضمن الاقتصاد الذي يسيطر عليه النظام السوري هي مشاريع صغيرة ومتوسطة، ومشاريع مهنية وورشات، ومعامل تعمل على خط إنتاجي أو خطين على الأكثر، وصناعات كالصناعات البلاستيكية والغذائية والكونسروة وأشباهها.

وكانت المشاريع التي بقيت تؤمّن بعض متطلبات السوق المحلية دون منافسة لنظيراتها من السلع المستوردة، خصوصًا من تركيا ومن إيران أو مصر، وتشغّل يدًا عاملة، كما تحاول تأمين وارد حكومي عبر الضرائب وتخلق حالة اقتصادية ولو كانت بسيطة، بحسب أستاذ الاقتصاد والمالية الدولية في جامعة “غازي عينتاب” التركية الدكتور السوري عبد المنعم الحلبي.

وقال الحلبي لعنب بلدي، إن أي خسارة لمشاريع تشغّل نسبة عمال كبيرة، ستؤدي إلى ارتفاع هائل في معدلات البطالة المرتفعة في الأساس، والتي تتجاوز حاجز 50 إلى 60%، وبالتالي ستزيد الضغوط الاجتماعية التي من الممكن أن تتحول إلى حالة انفجار سواء كان أمنيًا أو على مستوى الجرائم، مثل الحالات التي تُسجّل حاليًا (حالات سرقة أو قتل).

كما ستؤدي إلى خسائر بالنسبة للواردات الحكومية، حتى لو كانت ضرائب بسيطة، مثل ضرائب الدخل والضرائب على الأرباح، والتي تشكّل تلك الواردات.

وأضاف الحلبي أن حكومة النظام تعتبر نفسها إلى اليوم تخوض حالة حرب يجب تجنيد كل شيء من أجلها، على الرغم من أنها تعتبر هذه الحرب، من وجهة نظرها، “دخلت مرحلة الانتصار”، لكن توجد اليوم معركة أخرى “مهمة جدًا”، وهي معركة الخدمات المدنية في المناطق التي استعادت حكومة النظام سيطرتها عليها، أو التي تسيطر عليها في الأساس.

وأشار إلى أن النظام اعتمد استراتيجية أواخر العام الماضي، وخاصة بعد تطبيق قانون عقوبات “قيصر” في حزيران 2020 والنتائج الاقتصادية التي خلّفها، وهي استراتيجية تعظيم الواردات والطلب من كل الأطراف الصناعية والتجارية أن تشاركه في تحمّل تكاليف هذه الحرب، في ظل انحدار كبير في الخدمات العامة من نقل وكهرباء ومياه ووقود.

وأوضح الأستاذ المشارك في قسم إدارة الأعمال بـ”كليات الشرق العربي” والدكتور السوري في الاقتصاد عماد الدين المصبح، أن هجرة المنتجين من سوريا تنعكس على المواطنين باتجاهين، إذ سينعدم إنتاج السلع والخدمات بالاقتصاد السوري في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة الآن، وإذا كان ثمة سلع وخدمات يمكن إنتاجها داخليًا، فلن تكون هناك الآن إمكانية لإنتاجها في ظل انهيار البنية التحتية لهذا الإنتاج، من غياب رجال أعمال وإغلاق المصانع.

ومن الجانب الآخر، توقف المصانع ورجال الأعمال وهروبهم خارج الاقتصاد إلى دول أخرى يعني تسريح العمال أي مزيدًا من البطالة، يتبع ذلك المشكلات الناجمة عن البطالة، وينعكس ذلك بانخفاض القدرة الشرائية على مستوى الاقتصاد الكلي، بالإضافة إلى الضغط الاجتماعي، لكن لا يتوقع المصبح أن يتحول هذا الضغط إلى “ثورة جياع”.

العهد القديم انتهى

منح النظام، في فترة سابقة، إعفاءات للصناعيين، ولم يفرض سيطرة كاملة على أرباحهم، ولذلك كانت الضرائب التي يحصّلها منهم ضمن الحدود الدنيا، إلا أن هذه الإجراءات تغيّرت بشكل كامل، واتجّه النظام إلى اتخاذ إجراءات قضائية وقانونية تجاه كل من يتخلّف عن دفع التكاليف الضريبية المفروضة عليه.

وهذه الإجراءات من العوامل الأساسية التي شكّلت ضغوطًا على الحرفيين والصناعيين الذين كان النظام “يغض بصره عنهم”، بحسب الحلبي، إذ “انتهى العهد القديم ولم يعد هناك تساهل”، والنظام يطالبهم بكل ما يترتّب عليهم ماليًا، ويواجههم بملاحقات قضائية وقانونية في حال تخلّفهم عن الدفع.

لكن في المقابل، يمنح النظام صلاحيات كبيرة للاعتماد على الذات في أي مشروع صناعي أو حرفي لتأمين الماء أو الكهرباء، كحفر بئر أو جلب منظومة لتوليد الطاقة الكهربائية عبر الطاقة البديلة، كما يمنح قروضًا وحوافز لذلك.

وفي هذه الحالة، يوازن الصناعيون والحرفيون بين الحوافز والتكاليف المحتملة ويتخذون قراراتهم، لكن على ما يبدو فإن القرارات التي يتخذونها هي الانسحاب من السوق السورية، بحسب الدكتور عبد المنعم الحلبي.

وكان عضو مجلس الشعب محمد غزوان المصري تحدث، في تموز الماضي، عن قانون جديد قيد الدراسة سيصدر بخصوص الطاقة البديلة، يمكن من خلاله إعطاء قروض لأي شخص يريد الاستفادة من الطاقة البديلة.

كيف يحدّ النظام من هجرة الصناعيين؟

ولفت الحلبي إلى أن حكومة النظام تقدم حوافز للصناعيين أو رجال الأعمال للحدّ من هجرتهم خارج سوريا، لكن كفاية هذه الحوافز من عدمها راجعة لحساباتهم أنفسهم.

كما تعمل حكومة النظام على إيجاد حوار مفتوح مع الغرف التجارية والصناعية من قبل لجان وزارية مختصة، لمعرفة مطالب الصناعيين والحرفيين والمشكلات العالقة وطرق حلها.

وبالتوازي مع هذا الحوار، يلعب النظام على عنوان “حماية المستهلك” ليضغط على الأسعار، ويُبيّن أمام حاضنته الشعبية أو حتى أمام جميع المواطنين الذين يقيمون في مناطق سيطرته (ليس جميع المواطنين في مناطق سيطرة النظام حاضنة شعبية له)، أنه يقدم السلع والخدمات العامة وفق المستطاع.

ويحاول النظام إيجاد حوافز كمنح للتجار والصناعيين الذين يشاركونه في التكاليف، ويسدّدون ما عليهم من أعباء مالية حمّلهم إياها وفق خطط ناقشها مع غرف الصناعة والتجارة، ومنها مزايا مرتبطة بالتسهيلات الائتمانية أو تعهدات.

لكن النظام “يلعب لعبة خطيرة جدًا”، بحسب الحلبي، وهي “التلويح بالعصا” لهؤلاء الصناعيين والتجار، أنه في حال عدم تطبيق خطته (المشاركة في التكاليف مع الدولة)، سيعتمد استراتيجية “الإحلال” (أي جلب مستثمرين خارجيين وخاصة من إيران وروسيا ومن بعض الدول العربية التي يمكن أن تقف مع النظام في هذه المرحلة ليقوموا هم بهذا الدور)، لذلك هو ليس مضطرًا لتقديم كل ما يريده الحرفيون والصناعيون، وسيقدم المناسب لما يقدمونه هم.

إيران وراء هجرة المنتجين؟

لا يمكن أن يكون هناك استثمار أو توفير للسلع والخدمات، أو نمو اقتصادي أو تشغيل، من الناحية النظرية المحضة، في مثل الظروف التي تمر بها سوريا، وهجرة الصناعيين هي مفاقمة لمشكلة موجودة في كل الاقتصادات، هي مشكلة البطالة.

وأدنى درجات الحكمة تقول، إنه يجب على النظام السوري أن يقدم لمن تبقى من أصحاب الأعمال في مثل هذه الظروف الاقتصادية وانخفاض النمو وارتفاع معدلات البطالة، مساعدات وإعفاءات ومزايا من أجل يستمروا في إنتاج السلع والخدمات، ليحافظ على وجودهم ويشغّل من تبقى في الاقتصاد السوري، ويحقق شيئًا من النمو الاقتصادي، إلى جانب الإيرادات، بحسب الدكتور في الاقتصاد عماد الدين المصبح.

لكن النظام لم يفعل ذلك، و”كأن عملية إخراجهم من سوريا واعية (مقصودة) من قِبَله أو من قبل أحد الأقطاب الموجودة في النظام”، بحسب تعبيره.

وقال المصبح في حديثه إلى عنب بلدي، إن الحامل الاقتصادي لما تبقى من نظام حافظ الأسد والذي ورثه رئيس النظام، بشار الأسد، لم يعد مرغوبًا فيه، ولا بد من حوامل اقتصادية مختلفة، وطبقة برجوازية ترتبط سياسيًا وماليًا وعضويًا بأحد الأقطاب، كماهر الأسد أو أسماء الأسد.

و”الواضح أن الغلبة فيه للقطب الذي يخضع لإيران وهو ماهر الأسد”، لأن التيار الاقتصادي المحسوب على أسماء الأسد غير معنيّ بهجرة المنتجين، إذ إنها معنيّة بقطاعات معيّنة ليس منها قطاعات الإنتاج المادي.

وبما أن إيران تقف وراء قطاعات الإنتاج المادي في سوريا، بحسب المصبح، “فحملة العرش الاقتصاديون، رجال الأعمال الآباء الذين كانوا في عهد الأسد الأب، وأبناؤهم في عهد الأسد الابن، وتحديدًا في حلب، ليسوا جزءًا من الطبقة البرجوازية التي يمكن أن يعتمد عليها النظام الإيراني، في حال تمكّن من السيطرة على الحكم في سوريا بشكل أكبر”.

وأضاف المصبح أن حكومة النظام ليست صاحبة قرار، وهي حكومة “مديرين أو أقل من مديرين”، لذلك غير معروف من يتخذ القرارات، والغالب أنها إيران، التي تتمدد بالبنية التحتية وبقاعدة الهرم، ومن مصلحتها الاهتمام بالقطاع الإنتاجي المعني بإنتاج السلع والخدمات من أجل أن تمارس عملية الإحلال السكاني، وتأتي ببرجوازية جديدة وأصحاب مال جدد يكونون حملة للنظام الاقتصادي.

وكانت وزارة الصناعة في حكومة النظام قدّرت حجم الأضرار التي طالت القطاع الصناعي العام والخاص بسبب الحرب، بأكثر من 600 تريليون ليرة سورية (نحو 150 مليار دولار).



مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة