“مديح الظل العالي”.. قصيدة درويش التي طالت وقال فيها الكثير

الشاعر الفلسطيني محمود درويش وديوان مديح الظل العالي

ع ع ع

“كسروك كم كسروك كي يقفوا على ساقيك عرشًا، وتقاسموك وأنكروك وخبّؤوك وأنشؤوا ليديك جيشًا”.

يصل الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، في الدقائق الأولى من قصيدة “مديح الظل العالي”، إلى هذه الأبيات، لأن ما بعدها يختلف عنها في العواطف الإنسانية المراد التعبير عنها.

حالة الرثاء والشكوى وذم الواقع في القصيدة التي طالت وقال فيها درويش الكثير، حتى جعلها ديوانًا لوحدها، لن تطول، لكن لا بد من التعبير عن الشعور الفلسطيني العام في أعقاب الخروج من العاصمة اللبنانية بيروت، نحو تونس التي بكى درويش فيها ولها امتنانًا وشكرًا وحزنًا.

لكن سرعان ما يتجه الخطاب نحو حالة الخذلان، هذا الشعور الذي عاشه الفلسطيني لأكثر من مرة، بالخروج الأول من فلسطين، ثم الخروج من بيروت تحت وطأة معارك ومقاومة أخرجت الفلسطينيين من البحر، وأدخلت الاحتلال الإسرائيلي من البر.

“هم يسرقون الآن جلدك فاحذر ملامحهم وغمدك، كم كنت وحدك يا ابن أمي، يا ابن أكثر من أبٍ كم كنت وحدك”.

ورغم الرمزية التي تصبغ شعر درويش حتى صار واحدًا من روّادها العرب، فإن ما تقدمه “مديح الظل العالي” ناصع وواضح ولا يقبل الشك بالمعنى، فالفلسطيني هنا ضحية، ومتروك ومنبوذ بعد طرده من أرض أهله، في الوقت الذي تقاسم فيه المجتمع الدولي معاناة شعب كامل، دون أن يضع حدًا لها.

ويرى المترجم والمستشرق الألماني شتيفان فايدنر، أن شعر محمود درويش مرّ في الستينيات بمرحلة السهولة في التناول، على خلاف ما امتازت به قصائده في الثمانينيات وما بعدها، كما أن تتبّع المرحلة الفاصلة في القضية الفلسطينية، أثّر في تكوين قاموسه اللغوي.

وبعد اجتياح بيروت، كشف درويش عن نيته عدم كتابة الشعر السهل، انطلاقًا من التعامل والتفاعل مع أرقى المستويات الشعرية العالمية، فالشعب الفلسطيني كما يراه ابنه الشاعر، يحتاج إلى تغيير فني وجمالي متقدّم، وهذا ما جعل “مديح الظل العالي” قصيدة ذات إيقاع متواتر، تنخفض في بعض الصور إلى السهل الواضح وضوح الجريمة، ثم تغوص في الرمزي الغامض غموض الفاعل.

“وحدي أدافع عن جدار ليس لي، وحدي أدافع عن هواء ليس لي، ووحدي كنت وحدي عندما قاومت وحدي وحدة الروح الأخيرة”.

على طول القصيدة، تنوعت المواضيع والقضايا، لكن الهم الإنساني الذي مهّد لها انعكس على كل موضوعاتها، إذ عبّر درويش عن “وحدة الروح الأخيرة”، بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان، وارتكاب مجازر صبرا، عام 1982، التي استمرت ثلاثة أيام لم يعلُ بها صوت آخر على صوت المدافع والرصاص.

تلك الأيام التي لوّنت تاريخ القضية بالأحمر القاني، صبّت شيئًا من حبرها على معاني القصيدة وانفعالات شاعرها أيضًا، فألقاها بيأس وغضب وتحدٍ وكثير من المشاعر المختلطة التي تعبّر عن حالة عدم اليقين في تلك الفترة من تاريخ القضية.

فالمنفى والشتات وحق العودة والنضال، والخيال والذكريات، والاقتباس الديني الهارب من واقع غير مشتهى، كل ذلك حاضر في “مديح الظل العالي” التي لم تعبّر عن “وحدة الروح الأخيرة” لدرويش فحسب، بل لأمة كاملة تنادي بأناشيدها وأغنياتها وشعاراتها بالوحدة، لكن العربي لم يشهد منها سوى “وحدة الروح الأخيرة”.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة